هناك وجع لا تستطيع أن تصفه بقولك: «تأخرت الإجابة».
لأن المسألة لم تعد مجرد أمنية تنتظر تحققها، ولا رغبة تتمنى أن تنالها يومًا. بل حاجة تضيق بها عليك الحياة. وحقوق تنتظر أداءها. وأعباء تحاول أن تحملها، ثم تكتشف كل يوم أن ما بقي في قدرتك أقل مما هو مطلوب منك.
فماذا تفعل حين يأتي الغد أشد من الأمس بعد الدعاء، وتبقى حاجتك قائمة؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
وأنت وسط ذلك كله لا تنقطع عن الله. تدعوه. وتلح عليه. وتسأله من فضله.
وربما تأتيك ليلة يبلغ فيها افتقارك إلى الله مبلغًا لم تعرفه من قبل. ليست ليلة تكثر فيها الكلمات فحسب. بل ليلة تشعر فيها أنك لا تملك من أمرك شيئًا.
ترى ضعف الأسباب التي بين يديك، وتعلم أن ما عجزت عنه لا يعجز الله، فتتوجه إليه بقلب لا يكاد ينشغل بشيء سواه. تخبره بما يعلم. وتشكو إليه ما لا تستطيع شرحه لأحد. وتسأله الفرج، والرحمة، والعون، وقضاء حاجتك.
ثم تنتهي الليلة. ويأتي الصباح. فإذا بالشيء الذي أبكاك بالأمس لا يزال قائمًا.
وربما لا يقف الأمر عند ذلك. بل يأتيك ما يزيده ثقلًا. مطالبة جديدة. أو مسؤولية لم تكن تتوقعها. أو باب كنت ترجوه، فتجد أنه لم يفتح. أو خبر يجعلك تتساءل كيف ستواجه ما ينتظرك.
فتجلس لحظة تحاول استيعاب ما حدث. وتتذكر كيف كنت تدعو الله بالأمس. كم كنت صادقًا في افتقارك إليه. وكم كنت تعلم أنك لا تملك لنفسك نفعًا إلا بما أعانك الله عليه. ثم تنظر إلى يومك الجديد، فتجده أشد من الذي قبله.
وهنا لا يؤلمك البلاء وحده… بل تؤلمك المسافة بين ما كنت ترجوه وأنت تدعو، وما وجدته حين أصبحت.
وليس معنى ذلك أنك كنت تشترط على الله أن يعطيك في صباح اليوم التالي. ربما كنت تعلم أن الإجابة بيده، وأنه يفعل ما يشاء بحكمته. وربما لم تنطق أصلًا بسؤال: لماذا لم يستجب لي؟
لكن المعرفة التي يحملها عقلك لا تمنع أن يضعف قلبك تحت ثقل ما يعيشه.
فأنت لا تواجه فكرة مجردة عن الصبر. أنت تواجه يومًا حقيقيًا. بمطالبه. ومخاوفه. وما ينتظره الناس منك. وما لا تستطيع تأجيله.
ثم يأتي المساء. فتعود إلى الله. ولكنك هذه المرة لا تحمل حاجة الأمس وحدها. لقد أضيف إليها شيء جديد. وما كنت تظن أنك بلغت به غاية الافتقار بالأمس، تجده اليوم أشد.
فتدعوه مرة أخرى. وتبكي، أو تعجز حتى عن البكاء. وتسأله. وترجوه.
ثم يأتي الغد. وربما تتكرر الحكاية. حتى يصبح من أشد ما يؤلمك أنك لا تعرف كيف تحمل يومًا آخر إن جاء بما حمله اليوم. ليس لأنك فقدت الثقة بالله، بل لأنك تشعر بضعفك أمام ما لا تملك دفعه.
وهذه حال لا ينبغي أن يقابلها أحد بعبارات قاسية عن ضعف اليقين.
فليس كل من بكى من شدة الانتظار سيئ الظن بربه. وليس كل من أثقله استمرار البلاء معترضًا على قضائه. وليس كل من قال: «يا رب، لقد تعبت» قد نسي أن الله رحيم.
قد يكون هذا العبد من أشد الناس معرفة بافتقاره إلى الله. وإنما أتعبته الحياة بما لا يستطيع حمله وحده.
وحين لا تجد من تلجأ إليه إلا الله
هناك صورة أخرى لهذا الألم، ربما كانت أشد وقعًا على القلب. أن تنظر حولك فلا تجد أحدًا يستطيع أن يقضي حاجتك.
ليس بالضرورة لأن الناس تخلوا عنك. فربما يحبك بعضهم، ويتمنى مساعدتك، لكنه لا يملك ما تحتاج إليه. وربما توجد أسباب تسعى إليها، لكنها لا تكفي. وربما يكون حولك أناس كثيرون، ومع ذلك تبقى هناك أشياء لا يقدر أحد منهم على حملها عنك.
فتدرك معنى افتقارك إلى الله إدراكًا لم تكن تعرفه من قبل. لم تعد تقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» مجرد عبارة تجري على لسانك. بل أصبحت ترى عجزك رأي العين. وتعرف أن القوة التي تحتاج إليها ليست ملكًا لك. وأن ما بأيدي الناس، مهما عظم، لا يخرج عن ملك الله وتدبيره.
فتقول: يا رب، ليس لي سواك.
ولا تعني بذلك أنك أنكرت فضل أحد من خلقه، أو أنك تركت الأخذ بالأسباب. بل تعني أنك عرفت أن الأسباب نفسها مفتقرة إليه. وأن الخلق لا يملكون لك نفعًا مستقلًا عن مشيئته.
ثم يشتد البلاء. فتعود إلى الله الذي لم يكن لك ملجأ سواه. وهنا ينشأ وجع دقيق جدًا. أن يكون الله وحده رجاءك الذي لا ينقطع، ومع ذلك لا تزال عاجزًا عن احتمال بعض ما تمر به.
فتجد في قلبك يقينًا بقدرته، وفي صدرك ألمًا من واقعك. تعرف أن الله يسمع الدعاء، لكنك لا تعرف متى يتغير ما تعيشه. تعرف أنه أرحم الراحمين، لكنك لا تعرف الحكمة الخاصة فيما طال عليك. وتعلم أن خزائنه لا تنفد، لكن حاجتك لا تزال قائمة أمام عينيك.
فلا تدري أحيانًا كيف تجمع بين ما تعلمه عن ربك، وما تشعر به من شدة ضعفك. وهنا أريدك أن تنتبه إلى أمر قد يغيب عنك وأنت تتألم.
ليس مطلوبًا منك أن تعرف الحكمة من كل ما أصابك حتى تحسن الظن بالله. ولا أن تفهم لماذا طال البلاء حتى تصدق في الرضا بقضائه. ولا أن تتوقف عن الشعور بثقل الحاجة حتى يكون افتقارك إليه صحيحًا.
فأنت عبد. والعبد لا يحيط بحكمة ربه. وإنما يعلم من أسماء الله وصفاته ما يدعوه إلى عبادته ورجائه والثقة به، وإن جهل تفاصيل ما يجري عليه.
فلا تحاكم رحمة الله إليك بما استطعت رؤيته من أحداث هذا اليوم وحده. ولا تجعل اشتداد الحاجة بعد الدعاء دليلًا على أن دعاءك كان ناقصًا. فليس كل غد يأتي أشد من الأمس يحمل حكمًا على دعائك. وليس كل باب تأخر فتحه دليلًا على أنك لم تحسن طرقه.
وقد يكون الدعاء صادقًا، والافتقار عظيمًا، ثم يمضي من الوقت ما لا يعلم مداه إلا الله قبل أن يرى العبد ما يرجوه، أو يقضي الله له أمرًا غير الذي تصوره. وليس لنا أن نجزم لماذا وقع ذلك لهذا العبد بعينه.
لا تجعل صدق افتقارك موضع اتهام
ربما يحدث لك أمر لا تنتبه إليه. تدعو الله في ليلة شديدة. ثم يزداد عليك البلاء. فتبدأ تفتش في نفسك:
هل كنت صادقًا بما يكفي؟ هل دعوت بقلب حاضر؟ هل قصرت في شيء؟ هل لو كنت أقرب إلى الله لتغير ما أعيشه؟
ومحاسبة النفس على التقصير في حق الله أمر مشروع. لكن المشكلة أن تتحول كل شدة جديدة إلى اتهام جديد لدعائك وإيمانك. حتى يصبح حالك كأنك مطالب بإثبات صدق افتقارك من خلال سرعة حصولك على ما طلبت.
ومن قال إن سرعة زوال البلاء مقياس لصدق الدعاء؟
تأمل دعاء أيوب عليه السلام:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].
ما أعجب هذا الدعاء. ذكر الضر الذي مسه. وذكر رحمة ربه.
لم يحتج إلى إنكار ألمه حتى يثني على الله. ولم يمنعه اعترافه بما أصابه من أن يعرف ربه بأعظم ما يرجوه منه.
فاجمع في قلبك بين الأمرين. اعترف بضعفك دون أن تتهم رحمة الله. واشْكُ حاجتك إليه دون أن تجعل استمرارها دليلًا على بعده. واسأله الفرج دون أن تجعل توقيته شرطًا لثقتك به.
ليس عليك أن تختار بين أن تكون عبدًا راضيًا، وأن تكون عبدًا يتوجع. فقد يجتمع الرضا بالقضاء مع الألم من المقضي. وقد يثبت الرجاء في القلب بينما تضطرب المشاعر تحت وطأة الشدة. ولا يلزم من ذلك تناقض.
وماذا لو لم تهدأ بعد الدعاء؟
ربما كنت تنتظر مني الآن أن أخبرك بأنك كلما دعوت وجدت سكينة. لكنني لا أريد أن أضع على قلبك عبئًا جديدًا.
فربما دعوت الله، ثم لم تشعر براحة واضحة. وربما خشعت وبكيت، ثم نهضت لتجد مخاوفك كما كانت. وربما نمت وأنت ترجو أن يهدأ صدرك، ثم استيقظت قلقًا.
فهل يعني ذلك أن دعاءك لم ينفعك؟
لا تجعل الشعور الفوري بالراحة هو الامتحان الذي تقيس به قيمة دعائك.
أنت لا تدعو الله لمجرد أن تختبر هل سيهدأ قلبك بعد دقائق. أنت تدعوه لأنه ربك. لأنك عبده. لأنك فقير إليه في كل أحوالك.
تدعوه حين يطمئن قلبك، وحين يضطرب. حين ترى الأسباب، وحين تخفى عليك. وحين تجري الأمور كما ترجوه، وحين لا تجري كذلك.
فلا تجعل الدعاء مجرد وسيلة للحصول على شعور معين، ثم تظن أنك لم تنل شيئًا إذا لم يتحقق ذلك الشعور. ولا تجعل السكينة نفسها شرطًا لمواصلة الدعاء. فقد تكون أشد افتقارًا إلى الله في ساعة لا تشعر فيها إلا بثقل ما تحمله.
وحينها لا تحتاج إلى اصطناع كلمات بليغة. ولا إلى استحضار مشاعر معينة بالقوة. يكفي أن تسأله بصدق، وأن تعترف له بما أنت فيه.
وإذا احتجت إلى مساعدة الناس، فاطلبها. وإذا وجدت سببًا مشروعًا، فاسع إليه. وإذا كان عليك حق للناس، فابذل ما تستطيع لأدائه، واطلب ما تحتاج إليه من مهلة أو عون.
فليس التوكل أن تترك ما تستطيع فعله، وليس الافتقار إلى الله أن تستغني عن الأسباب التي أتاحها لك.
لا تجعل الغد شرطًا بينك وبين الله
تأمل هذه النقطة. قد تدعو الليلة وأنت أشد ما تكون رجاءً. وقد تنام وأنت تستبشر خيرًا. ثم يأتي الغد على غير ما تمنيت.
فيؤلمك الأمر مرتين. مرة لأن حاجتك لم تقضَ. ومرة لأنك كنت تتوقع أن يتغير شيء.
وهنا يحتاج قلبك إلى معنى عظيم: لك أن ترجو من الله كل خير، ولكن ليس لك أن تجعل الصورة التي رسمتها للغد هي المقياس الذي تحكم به على عطاء الله.
ادعه أن يفرج عنك غدًا. بل ادعه أن يفرج عنك الآن. واسأله من واسع فضله. ولا تستكثر عليه حاجة مهما عظمت. لكن لا تجعل عدم وقوع ما سألت في الوقت الذي تمنيت سببًا للانصراف عنه.
فأنت لا تعلم الغيب. ولا تعلم ما الذي قدره الله لك. ولا تعلم متى يكون الفرج، ولا كيف يأتي، ولا ما الذي سيؤول إليه أمرك. وعدم علمك بهذه الأشياء ليس نقصًا في رحمة الله، وإنما هو من حدود علمك أنت.
ولهذا لا أريد أن أقول لك إن غدًا سيكون أجمل من اليوم. ولا إن ما تريده بات قريبًا. ولا إن اشتداد محنتك علامة مؤكدة على قرب انتهائها. فلا أحد يملك أن يعدك بذلك دون علم.
لكنني أريد أن أذكرك بشيء لا يتوقف على ما سيحدث غدًا: الله لا يصبح أقل قدرة إذا ازدادت عليك الأسباب عسرًا، ولا تصبح رحمته أقل لأنك لم تر بعد ما ترجوه منها.
هذه المعرفة لا تسدد عنك دينًا بمجرد تذكرها. ولا ترفع كل ألم في اللحظة نفسها. لكنها تحفظ لك حقيقة لا ينبغي أن يغيرها اضطراب الظروف. وهي أنك عبد لرب رحيم قادر حكيم، لا تخفى عليه حاجتك، ولا يعجزه شيء من أمرك.
وحين لا يبقى في قلبك إلا: يا رب
ربما تبلغ بك الشدة يومًا تعجز فيه عن ترتيب ما تريد قوله. تجلس لتدعو، فتجد في صدرك أشياء أكثر من الكلمات التي تستطيع نطقها.
تريد أن تطلب الفرج. وأن تسأل العون. وأن تشكو ما تخشاه. وأن تذكر ما ينتظرك. وأن تسأل الله ألا يعجزك ما بقي عليك.
ثم لا تجد إلا كلمتين: يا رب.
فلا تحتقر دعاءك لأن عبارته قصرت. ولا تظن أن الله لا يعلم ما عجز لسانك عن بيانه.
هو يعلم حاجتك قبل أن تسأله. ويعلم ما تخفيه من خوف. ويعلم ما بذلته من أسباب. ويعلم ما عجزت عنه.
فقل له:
يا رب، أنت تعلم كم دعوتك، وكم رجوتك، وكم عدت إليك وحاجتي أشد مما كانت. وتعلم أنني لا أملك لنفسي حولًا ولا قوة إلا بك.
يا رب، قد ضاقت علي بعض الأسباب، وأنت لا يضيق عليك شيء. وقد عجزت عن بعض ما أريد إصلاحه، وأنت على كل شيء قدير.
اللهم اقض حاجتي، وفرج كربتي، وأعنّي على أداء الحقوق إلى أهلها، وافتح لي من أبواب رزقك وفضلك ما تغنيني به عن الحرام وعن سؤال الناس.
يا رب، لا تجعل شدة حاجتي تفسد حسن ظني بك. ولا تجعل طول انتظاري يقطعني عن دعائك. ولا تجعل خوفي مما يأتي ينسيني أنك رب ما مضى وما يأتي. وإن لم أر اليوم ما أرجوه، فلا تحرمني الصبر، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
اللهم إني أسألك الفرج والعافية، ولا أسألك دوام البلاء. وأسألك أن ترحمني بضعفي، وأن تعينني على ما لا أستطيع حمله وحدي.
يا رب، أنا لا أستغني عنك إن انفرجت شدتي، ولا أستغني عنك إن بقيت.
وأخيرًا… إذا جاء الغد أشد
إذا استيقظت غدًا، ووجدت ما أتعبك اليوم لا يزال حاضرًا، فلا تضف إلى حملك حكمًا على نفسك بأنك فشلت في الدعاء. وإذا وجدت نفسك أضعف من الأمس، فلا تظن أن كل ما عرفته من يقين قد ضاع.
وإذا احتجت إلى أن ترفع يديك للمرة التي لا تحصي عددها، فارفعهما. ليس لأنك لم تدعُ بما يكفي. بل لأنك عبد لا تنتهي حاجته إلى ربه.
ولا تجعل تكرار الدعاء يجعلك تستحي من العودة إلى الله بالحاجة نفسها. فليس الفقير إلى الله من يسأله مرة ثم يستغني. إنما فقرنا إليه باق، سواء أعطانا ما نرجوه أم لم نره بعد.
وربما كنت تتمنى أن تنتهي هذه الأيام سريعًا، حتى تذكرها يومًا وأنت في عافية. وهذا رجاء مشروع. فاسأل الله العافية، والفرج، وقضاء حاجتك، ولا تتكلف حب البلاء أو تمني استمراره.
لكن إلى أن يقضي الله في أمرك ما يشاء، لا تحرم نفسك من حقها في أن تشكو، وأن تستريح، وأن تطلب العون، وأن تمضي في الأسباب المتاحة ولو كانت قليلة.
وإذا جاء الغد أشد من الأمس، فلا تتعجل أن تفسر به ما كان بينك وبين الله من دعاء. فالغد ليس شاهدًا على أن الله لم يسمعك، كما أن سكينة الأمس ليست وعدًا بأن البلاء انتهى.
وإن سألك قلبك المتعب: إلى متى سأظل أعود إلى الله بالحاجة نفسها؟
فذكره أن المسألة ليست عدد المرات التي رجعت فيها. وأنك لا تقف على باب ربك كمن نفد رصيده من الرجاء. أنت عبد، وربك هو الغني الحميد.
تسأله لأنك محتاج. وتستعين به لأنك ضعيف. وترجوه لأن رحمته واسعة.
ولا تملك أن تفرض على الغد ما يحمله. لكن تستطيع ألا تجعل ما يحمله الغد يغير ما تعرفه عن ربك.
فإذا جاء اليوم التالي، ولم تجد عندك من القوة ما كان عندك بالأمس… وإذا ازدادت حاجتك، وضاقت أسبابك، وعجز لسانك عن كثرة الكلام… فلا تظن أنك تحتاج إلى اختراع دعاء جديد، أو إلى إثبات افتقار أشد حتى يستحق دعاؤك أن يُسمع.
لقد كان الله يعلم ضعفك يوم كنت مطمئنًا. ويعلمه اليوم وأنت تتألم. ولم تكن يومًا غنيًا عنه حين هدأ قلبك، حتى تصبح فقيرًا إليه فقط حين اشتد وجعك.
أنت فقير إليه في الحالتين. وهو ربك في الحالتين.
فإن استطعت أن تقول شيئًا، فقل: يا رب، اقض حاجتي وارحمني.
وإن ضاقت عليك الكلمات، فادعه بما تيسر. ولا تجعل أشد ما يؤلمك، وهو استمرار حاجتك، يحجب عن قلبك أعظم ما تعرفه: أن لك ربًا لا يعجزه ما عجزت عنه، ولا تنفد خزائنه بما سألت.
ولعلك كنت تظن أن نهاية هذه الموعظة ستكون وعدًا بأن الغد سيأتي بالفرج. لكنني لا أعلم ما سيأتي به الغد. ولا أريد أن أعدك بما لم يأذن الله لي أن أعلم. إنما أريدك أن تخرج منها بمعنى آخر:
لا تجعل تأخر ما طلبت يغير معرفتك بمن طلبت منه.
واسأل الله الفرج ما دمت محتاجًا إليه. واسأله العون ما دمت مفتقرًا إليه. وإذا جاء الغد أشد من الأمس، فلا تجعل اشتداده آخر ما تقوله في دعائك.
بل قل: «يا رب، لقد ازداد ما أحمله… وما ازددت إلا حاجة إليك».