كيف أعيش بعد فقد شخص أحبه؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هناك أشخاص لا تعرف كم أصبحوا جزءًا من حياتك… حتى يأتي يوم لا تجدهم فيه.

مقعد خشبي خال بجوار نافذة تضيئها شمس الصباح، يرمز إلى فقد شخص عزيز وبقاء الرجاء بالله.

وقد لا يأتي ذلك اليوم بصورة واحدة. ربما يرحل إنسان عن الدنيا، فتدرك أن صوته الذي اعتدت سماعه لن تسمعه مرة أخرى في هذه الحياة. وربما يبتعد عنك شخص لا يزال حيًا، وتكتشف أن بقاءه في الدنيا لا يعني بقاءه في حياتك.

وربما يخذلك إنسان كنت تلجأ إليه كلما ضاقت بك الأمور، فيصبح الشخص الذي كنت تجد عنده الأمان جزءًا مما يؤلمك. وربما لا يحدث رحيل واضح أصلًا.

لا وداع أخير.

ولا خلاف كبير.

ولا كلمة تستطيع أن تقول بعدها: هنا انتهى كل شيء.
كل ما حدث أن شيئًا جميلًا أخذ يتغير.
قلت الأحاديث.
وغابت الأسئلة.

وأصبح القرب الذي كان يأتيك دون أن تطلبه شيئًا تنتظره، ثم شيئًا تتمناه، ثم ذكرى تعود إليها كلما اشتقت. حتى وجدت نفسك أمام حقيقة لم تكن مستعدًا لها:

قد يبقى الإنسان موجودًا، وتفقد المكان الذي كان يشغله في حياتك. وقد يرحل تمامًا، ويبقى حضوره في قلبك أشد من حضور كثيرين ممن حولك. وهنا لا يكون السؤال مجرد: لماذا رحل؟ بل يصبح سؤالًا أقرب إلى وجعك:

كيف أعيش بعد فقد شخص أحبه؟ كيف أعتاد غياب من اعتدت وجوده؟ كيف أواصل أيامي، وفي داخلي كل هذه الذكريات؟ وكيف أتعامل مع محبة ما زالت حاضرة، بينما الواقع الذي عاشت فيه تلك المحبة لم يعد كما كان؟

وربما كان أكثر ما يؤلمك أنك لا تفتقد ما مضى وحده.
بل تفتقد أيضًا ما كنت تنتظر أن يأتي.
أحاديث لم تكتمل.
وأيامًا كنت تتمنى أن تعيشها معه.

وأشياء احتفظت بها لتقولها في وقت مناسب، ثم اكتشفت أن ذلك الوقت ربما لن يأتي. فأحيانًا لا يحزن الإنسان على ما فقده فقط، بل على حياة كاملة كان يتخيلها، ثم لم تحدث. ولا أحد يعرف تمامًا مقدار ما كان يعنيه وجود ذلك الإنسان في حياتك.

لكن هناك معنى أريد أن نصل إليه معًا، دون أن نتجاوز وجعك أو نطالبه بالصمت. معنى قد لا يعيد إليك من فقدت، لكنه يذكرك بمن لم تفقده، ولن تكون يومًا خارج علمه ورحمته. وربما كان هذا المعنى أعظم ما يحتاجه قلبك الآن.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

لا تستعجل قلبك… لقد اعتاد وجوده

ربما يراك الناس تمارس حياتك بصورة طبيعية.
تذهب إلى عملك.
تتحدث مع الآخرين.
تؤدي ما عليك.

تبتسم حين يقال شيء مضحك.
وربما تظن أنت أيضًا أنك بدأت تتجاوز ما حدث.
ثم يأتي موقف صغير، لا علاقة ظاهرة له بالفقد، فيعيد إليك شيئًا من الحزن.
اسم تسمعه مصادفة.

مكان تمر به.
رسالة قديمة تقع عليها عيناك.
أو خبر جميل يحدث لك، فتكون أول رغبة في قلبك أن تخبر ذلك الإنسان به.

ثم تتذكر…

لم يعد ذلك ممكنًا كما كان. وربما لا يؤلمك التذكر وحده، بل تلك اللحظة القصيرة التي نسيت فيها الغياب، وتصرفت مشاعرك كأن شيئًا لم يتغير. فقد يغيب الإنسان عن أيامك، ويبقى حاضرًا في عادات قلبك. تعتاد أن تسأله، ثم تتذكر أنك لم تعد تسأل.

وتعتاد أن تنتظر حديثه، ثم تتذكر أنه لم يعد يأتي. وقد تمر بظرف صعب، فتشتاق إليه لا لأنه كان يستطيع حل المشكلة، بل لأن مجرد وجوده كان يجعل احتمالها أهون عليك. فبعض الناس لا نفقد بغيابهم شخصًا فحسب، بل نفقد شيئًا من الطريقة التي كنا نواجه بها الحياة.

ولهذا، لا تجعل عودة الحزن مفاجأة تخيفك. ولا تجعل اشتياقك دليلًا على أنك لم تتقدم خطوة واحدة. قد تمضي أيام تشعر فيها بالهدوء، ثم تعود الذكرى فتتألم. وقد تظن أنك اعتدت الغياب، ثم تكتشف أن موقفًا صغيرًا ما زال قادرًا على إيقاظ الشوق.

وليس معنى ذلك أنك عدت إلى البداية.

فالقلب لا ينسى عاداته لمجرد أن الواقع تغير، ولا يستطيع أن يتعامل مع كل ما أحبه كأنه لم يكن. فلا تقف أمام قلبك كلما حزن، وتسأله بقسوة:

لماذا لم تتجاوز الأمر حتى الآن؟
لماذا ما زلت تتذكر؟
لماذا لا تستطيع أن تكون أقوى؟
لقد آلمك الفقد بما يكفي، فلا تضف إلى وجعه قسوة محاسبتك لنفسك على ما تشعر به.

ليس عليك أن تنكر الحزن حتى تكون صابرًا.
ولا أن تتوقف عن الاشتياق حتى تكون راضيًا.
ولا أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث حتى تثبت أنك قادر على الاستمرار.
أنت إنسان أحب.

وما زال في قلبه أثر تلك المحبة. وهذا لا يعيبك.

وهناك فقد لا يعرف الناس كيف يواسونك فيه

حين يموت إنسان عزيز، يعرف الناس غالبًا أنك فقدته.
يسألون عنك.
يواسونك.
ويدعون له بالرحمة والمغفرة.

لكن هناك أنواعًا من الفقد لا يراها الآخرون بهذا الوضوح.
ماذا لو كان من تفتقده لا يزال حيًا؟
تراه أحيانًا.
تسمع أخباره.

تعرف أنه يضحك، ويعمل، ويواصل حياته. لكنك لم تعد جزءًا من تفاصيله كما كنت. وربما كان قريبًا منك في المكان، بعيدًا عنك في المشاعر. تجلسان في المكان نفسه، لكن الحديث الذي كان يجمعكما لم يعد كما كان.

وتنظر إليه فتجد الملامح التي تعرفها، ولا تجد القرب الذي اعتدته.
وربما يكون أشد ما يحيرك أنك لا تعرف متى فقدته بالضبط.
هل كان ذلك حين قل اهتمامه؟
أم حين أصبحت أحاديثكما قصيرة؟

أم حين احتجت إليه فلم تجده كما كنت تجده من قبل؟ أم أن المسافة كانت تتسع بينكما منذ وقت طويل، وأنت تحاول ألا تراها؟

هنا قد يصبح الألم معقدًا، لا لأن هذا الفقد أعظم من فقد الموت، فلكل إنسان وجعه الذي لا تصح المزايدة عليه، ولكن لأن الغياب قد يأتي محاطًا بأسئلة لا تجد لها جوابًا. لماذا تغير؟ هل أخطأت في حقه؟ هل كان القرب الذي عرفته حقيقيًا؟

هل كان يمكن أن أفعل شيئًا يمنع ما حدث؟ وقد تعود إلى أحاديث قديمة، وتفتش في كلمات قلتها ومواقف عشتها، كأنك تبحث عن اللحظة التي كان يمكن عندها إنقاذ كل شيء. لكن رفقًا بقلبك. ليس كل من ابتعد عنك كنت سبب ابتعاده، وليس كل ما انتهى كان في قدرتك أن تبقيه.

قد تكون أخطأت.
وقد يكون الآخر أخطأ.
وقد تتداخل ظروف ومشاعر وقرارات لا تعرف تفاصيلها كلها.
وإذا كان لك خطأ واضح، فمن الإنصاف أن تعترف به وتصلح ما تستطيع.

لكن ليس من الإنصاف أن تحكم على نفسك بالتقصير في كل شيء، لمجرد أنك الشخص الذي بقي يتألم. ولا أن تجعل غياب الإجابة دليلًا على أنك غير جدير بالمحبة. قد لا تعرف لماذا تغير إنسان أحببته. وقد لا تحصل على التفسير الذي تنتظره.

وهذا مؤلم، نعم. لكن عدم فهمك لما حدث لا يعني أنك مطالب بقضاء ما بقي من عمرك متهمًا نفسك به.

ليس عليك أن تنكر جمال ما مضى حتى تقبل ما حدث

ربما يقول لك أحدهم وهو يحاول مواساتك:
انسَه.
لا تفكر فيه.
لم يكن يستحق محبتك.

ابدأ حياة جديدة.
وقد يقول ذلك لأنه لا يحب أن يراك حزينًا.
لكن الكلمات التي تبدو سهلة لمن يقولها، قد تكون ثقيلة على قلب من يسمعها.
كيف تنسى إنسانًا ارتبطت به سنوات من حياتك؟

وكيف تقنع نفسك أن كل ما عشته لم يكن جميلًا، لمجرد أن نهايته آلمتك؟ ربما كان ذلك الإنسان رحيمًا بك في أيام كثيرة. وربما وقف إلى جانبك حين تخلى عنك آخرون. وربما عرفت معه ألفة صادقة، وضحكت من قلبك، وشعرت أنك لست وحدك.

ثم حدث ما حدث. فهل يجب أن تمحو كل ذلك حتى تستطيع أن تمضي؟

لا.

يمكنك أن تعترف بجمال ما كان، دون أن تنكر ألم ما أصبح. يمكنك أن تقول:

لقد كانت بيننا أيام طيبة.
وقد أحسن إلي في أمور كثيرة.
وقد أحببته بصدق.
لكن العلاقة تغيرت، أو انتهت، أو لم تعد مناسبة كما كانت.

ولا تناقض بين هذه المعاني. فليس من العدل أن تجعل النهاية المؤلمة حكمًا على كل ما سبقها. كما ليس من العدل أن تجعل الأيام الجميلة سببًا لإغماض عينيك عن أذى حاضر. قد تحفظ لإنسان فضله، وتختار الابتعاد عنه.

وقد يبقى في قلبك شيء من المحبة، وتدرك أن استعادة العلاقة لم تعد ممكنة.
وقد تسامح من أخطأ، دون أن تعيد إليه الثقة نفسها.
فالعفو لا يلغي الحاجة إلى الحدود.
والمحبة لا تعني قبول الأذى.

والوفاء للأيام الجميلة لا يوجب عليك أن تعيش بقية عمرك أسيرًا لها. ليس عليك أن تكره من أحببت حتى تستطيع الاستمرار، كما ليس عليك أن تعود إليه حتى تثبت أن محبتك كانت صادقة. وأحيانًا يكون من الرحمة بنفسك أن تدع ما انتهى ينتهي، بعد أن بذلت ما تستطيع بذله على وجه صحيح.

لا لأن الذكريات لم تعد عزيزة. بل لأن بقاء المحبة في قلبك شيء، وبقاء العلاقة في حياتك شيء آخر.

لكن تأمل… من الذي كان يمنحك تلك النعمة؟

أريدك الآن أن تتذكر ذلك الإنسان الذي تفتقده.
لا لتزيد على قلبك الحزن.
بل لتتأمل معنى قد يغيب عنك وأنت تنظر إلى المكان الذي تركه.
ربما كان وجوده في حياتك رحمة واسعة.

كان يسمع حديثك.
ويفهم صمتك.
ويخفف عنك ثقل الأيام.
وربما كان يكفيك أن تعرف أنه موجود، حتى وإن لم تكن بحاجة إلى الحديث معه.

كان مجرد وجوده يطمئنك.
وهذا ليس أمرًا صغيرًا.
فالألفة نعمة.
والمحبة نعمة.

وأن يجعل الله في حياتك إنسانًا يرحم ضعفك، ويشاركك بعض همومك، ويؤنس وحدتك، نعمة تستحق الحمد.

لكن تأمل…

من الذي أنعم عليك بوجوده أصلًا؟
من الذي خلق قلبك، وجعل فيه القدرة على المحبة؟
ومن الذي جعل بين عباده المودة والرحمة؟
ومن الذي ساق إليك أسباب الأنس والمواساة حين كنت تحتاج إليها؟

إنه الله.

وربما لم تكن تفكر في هذا كثيرًا حين كان ذلك الإنسان قريبًا منك. كنت ترى النعمة، وتأنس بها، وتشكر الله عليها. لكن حين غابت، أصبح بصرك متعلقًا بالمكان الذي تركته. حتى كاد ألم فقدها يحجب عن قلبك تذكر المنعم بها.

وهنا أريد أن ألفت نظرك إلى فرق عظيم: لقد فقدت نعمة كنت تجد فيها الأنس، لكنك لم تفقد الرب الذي أنعم عليك بها. غاب من كنت تشكو إليه. لكن الذي يعلم شكواك قبل أن تنطق بها لم يغب.

وغاب من كنت تنتظر حديثه.
لكن الذي يسمع دعاءك لم ينقطع عن سمعه صوتك.
وربما تغير قلب كنت تطمئن إليه.
لكن ربك لا يجهل ما في قلبك، ولا ينسى عباده.

ألم يقل سبحانه:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186]؟

تأمل كلمة:

﴿قَرِيبٌ﴾

كم مرة بحثت عن القرب في إنسان؟ وكم مرة كان يؤلمك أن تحتاج إلى أحد فلا تجده؟ وكم مرة تمنيت أن تشرح ما في صدرك لشخص يفهمك دون أن تضطر إلى تفسير كل شيء؟ ثم تأمل هذه الحقيقة:

أن ربك يعلم ما في قلبك وإن عجزت عن وصفه. ويسمع دعاءك وإن لم يسمعه أحد من الناس. ولا تحتاج إلى انتظار فرصة لتحدثه، أو موعد يسمح لك فيه بالشكوى إليه. قد تعجز عن الوصول إلى إنسان تحبه.

لكن باب الدعاء إلى الله مفتوح لك. وقد تفقد من كان يسمع حديثك، لكنك لم تفقد من يسمع دعاءك. وليس المقصود بهذا أن محبة الله تغنيك عن كل علاقة إنسانية، أو أن عليك ألا تحتاج إلى أحد. فقد خلق الله الناس يحتاج بعضهم إلى بعض، وجعل بينهم المودة والرحمة.

لكن الفرق أن الناس أسباب يمن الله بها عليك، أما الله فهو ربك الذي تفتقر إليه في كل حال. قد يمنحك الأنس على أيدي بعض عباده. وقد تفقد بعض تلك الأسباب. لكن افتقارك إلى الله لا ينقطع، ولا ينقطع عنه علم بما تمر به.

إن الذي وهبك وجود ذلك الإنسان يومًا، هو نفسه الذي تدعوه اليوم ليعينك على غيابه.

تأمل هذا المعنى طويلًا.

فقد تكون فيه مواساة لا تشبه شيئًا مما سمعت من قبل.

من كان يؤنس وحدتك رحل… وربك لم ينسك

ربما لم تكن تحزن لأن شخصًا غاب فحسب. بل لأنك كنت تخاف الوحدة التي جاءت بعده. كنت تخشى أن تمر بك أيام صعبة، فلا تجد من اعتدت أن تلجأ إليه. أن تفرح، فلا تجد من اعتدت مشاركة فرحتك معه.

أن تتألم، ولا تجد تلك الكلمات التي كانت تخفف عنك. وربما أصبح السؤال في قلبك:

ومن لي بعده؟
وأريد هنا أن أكون دقيقًا معك.
لن أقول إن أحدًا سيأخذ مكانه.
ولا إن الله سيعوضك حتمًا في الدنيا بإنسان يشبهه أو يكون أفضل منه.

ولا إنك ستستيقظ غدًا وقد اختفى شعورك بالوحدة.
فنحن لا نملك هذه الوعود.
لكن هناك حقيقة أصدق وأثبت من كل توقعاتنا:

أنك مهما فقدت من الناس، فلست خارج علم الله ورحمته. قد تنام وفي صدرك حزن لم يعرفه أحد. ويأتي الصباح، ولا يسألك عنه إنسان. وقد تمر عليك لحظة تحتاج فيها إلى المواساة، ولا تجد من يستطيع أن يقدمها لك.

لكن عدم معرفة الناس بما في صدرك لا يعني أن الله لا يعلمه.
وعدم قدرتهم على مواساتك لا يعني أن باب رحمته قد أغلق.
قال سبحانه:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64].

فلا تجعل غياب من تحب يوهمك أن أحدًا لم يعد يعلم بحالك.

الله يعلم.

يعلم كم أحببت.
وكم تألمت.
وكم حاولت أن تتماسك.
ويعلم تلك اللحظات التي تظاهرت فيها بأنك بخير، لأنك لم ترغب في إثقال قلب أحد بحزنك.

ويعلم ما تمنيت قوله ولم تقله.
وما دعوت به في سرك.
وما بقي في نفسك من أسئلة.
وليس علم الله بحالك وعدًا بأن كل ما تتمنى سيحدث، أو أن الألم سيزول في الوقت الذي تختاره.

لكنه يذكرك بأن حاجتك لا تخفى عليه، وأنك تستطيع أن تتوجه إليه بها. فإذا ضاق عليك غياب من اعتدت أن تجده، فتذكر أن لك ربًا لا تحتاج إلى شرح وجعك له حتى يعلمه. وإذا اشتقت إلى كلمة كانت تطمئنك، فارجع إلى كلام الله، واسأله أن يجعل لك فيه هدى ورحمة وسكينة.

وإذا شعرت أنك وحدك، فلا تجعل هذا الشعور يمنعك من طلب العون ممن حولك، ولا من اللجوء إلى ربك. فأنت قد تفتقد إنسانًا بعينه، وتظل محتاجًا إلى الناس، وتبقى مع ذلك قادرًا على أن ترفع قلبك إلى الله.

ولا تناقض بين هذه الأمور.

لا تجعل حزنك خصومة مع إيمانك

ربما تقول الآن:
أنا أعلم أن الله قريب.
وأعلم أنه رحيم.
وأعلم أن كل شيء بقضائه وقدره.

لكنني ما زلت أتألم.
ما زلت أشتاق.
وما زال الغياب يوجعني.
فهل ينقص هذا من إيماني؟

تأمل ما أخبرنا الله به عن نبيه يعقوب عليه السلام. لقد حمل ألم فراق ابنه، وقال:

﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].

لم يكن يعقوب عليه السلام جاهلًا بالله.
ولا ضعيف اليقين بوعده.
ومع ذلك حزن، واشتد عليه الفراق، وشكا بثه وحزنه إلى ربه.
فتأمل كيف اجتمع في قلبه الحزن والرجاء.

لم يكن مطلوبًا منه أن ينكر حزنه ليبقى نبيًا مؤمنًا. ولم يكن حزنه نقيضًا لتعلقه بالله. فليس كل قلب يبكي قلبًا ساخطًا، وليس كل من اشتاق إلى ما فقد معترضًا على قضاء ربه. قد يرضى الإنسان بحكم الله، وهو لا يزال يتألم مما وقع.

وقد يعلم أن الله حكيم رحيم، وهو لا يعلم الحكمة الخاصة فيما أصابه. وقد يقول: الحمد لله، ثم يجد في قلبه حزنًا لا يستطيع دفعه. فلا تجعل هذه المشاعر خصومة بينك وبين إيمانك. إن اشتقت، فاشك شوقك إلى الله.

وإن حزنت، فاسأله العون.
وإن وجدت نفسك عاجزًا عن فهم ما حدث، فلا تتكلف تفسيرًا لا تعلمه.
ليس عليك أن تتظاهر بالقوة أمام ربك.
فهو يعلم ضعفك.

وليس عليك أن تختار كلمات بليغة حتى تدعوه.
فهو يعلم ما في صدرك.
قل:

يا رب، أنت تعلم ما فقدت. وتعلم ما كان يعنيه وجود هذا الإنسان في حياتي. وتعلم ما أحاول أن أتجاوزه، وما لم أستطع تجاوزه بعد. اللهم أعني على ما لا أملك تغييره، وأصلح ما أستطيع إصلاحه، وأنزل على قلبي من سكينتك ورحمتك ما يعينني.

وربما لا يتغير شيء في الخارج بعد دعائك.
قد يبقى الغائب غائبًا.
والذكرى حاضرة.
والشوق مؤلمًا.

لكن ذلك لا يعني أن الدعاء لم يكن له معنى. فالدعاء عبادة وصلة بالله، وليس مجرد وسيلة لاستعادة ما فقدنا. لا تجعل غاية رجوعك إلى الله أن يعود إليك من رحل، بل ارجع إليه لأنك عبده، ولأنك تحتاج إليه في الفقد كما كنت تحتاج إليه في الحضور. واسأله ما تشاء من الخير المشروع.

لكن لا تجعل استمرار عبادتك وتعلقك به مشروطين بأن تتغير الظروف كما تريد. فهو ربك في أيام الأنس، وربك في أيام الوحشة. وربك حين تتيسر الأمور، وربك حين تتعسر. وهو المستحق لعبادتك ورجائك في كل حال.

ليست كل محبة صادقة مطالبة بأن تستمر العلاقة معها

وربما كان من فقدته لا يزال حيًا.
وربما لم ينقطع رجاؤك بأن تعود العلاقة كما كانت.
تنتظر رسالة.
أو اعتذارًا.

أو حديثًا يعيد القرب الذي فقدته.
وليس عيبًا أن تتمنى إصلاح علاقة مشروعة كان فيها خير.
ولا بأس أن تبذل سببًا صحيحًا لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
لكن انتبه إلى قلبك.

قد يتحول انتظار العودة، من أمنية تحملها، إلى شرط تجعل عليه راحتك كلها. فتقول في داخلك:

لن أطمئن حتى يعود.
لن أستطيع أن أفرح حتى يكلمني.
لن يهدأ قلبي حتى أفهم لماذا تغير.
وهنا قد تضيف إلى ألم الفقد ألمًا آخر.

أن تجعل سلام قلبك معلقًا بقرار إنسان لا تملك قلبه.
ليس المطلوب أن تتوقف عن محبة من فقدت، وإنما ألا تجعل وجوده أو عودته الشرط الوحيد لطمأنينتك.
فالإنسان مهما أحبك يبقى بشرًا.
قد يمرض.

وقد يضعف.
وقد ينشغل.
وقد يخطئ.
وقد يموت.

وقد تتغير الظروف التي جمعتكما.
وهذا ليس دعوة إلى سوء الظن بالناس، ولا إلى الخوف من محبتهم.
بل إلى أن تعرف قدرهم وقدر نفسك.
أحب الناس.

وأحسن إليهم.
واحفظ لهم حقوقهم وفضلهم.
وافرح بما يرزقك الله من قربهم.
لكن لا تنس أن الناس جميعًا محتاجون إلى الله مثلك.

ليس فيهم من يملك لنفسه البقاء.
ولا من يستطيع أن يضمن لك ألا يفارقك يومًا.
ولهذا جاء التوجيه القرآني العظيم:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58].

تأمل الفرق.
كل من تحب من البشر حياته محدودة.
أما الله فهو الحي الذي لا يموت.
والناس قد يعجزون عن نصرتك أو مواساتك، مهما صدقت محبتهم.

أما الله فلا يعجزه شيء. وهذا لا يعني أن كل ما تسأله سيقع على الصورة التي تتمناها. لكنه يعني أن من تتوكل عليه ليس عاجزًا، ولا غافلًا، ولا محتاجًا إلى أحد. فلا تطلب من قلب بشري أن يمنحك ما لا يملكه إلا الله.

ولا تجعل أحدًا من الناس مصدر رجائك الأخير.
فإذا بقي معك من تحب، فاحمد الله على نعمته.
وإذا فقدته، فاسأله أن يعينك على ما وقع.
وفي الحالين، لا تنس ربك.

لا تجعل من رحل يأخذ معه كل ما أبقاه الله لك

من الأشياء التي قد تفاجئك بعد الفقد أن الحياة لا تتوقف.
تشرق الشمس في موعدها.
وتفتح المحلات أبوابها.
ويتحدث الناس عن أمورهم المعتادة.

ويضحكون، ويخططون، وينشغلون بتفاصيل أيامهم. وربما تنظر إلى كل ذلك وتتساءل:

كيف يستمر العالم بصورة طبيعية، وقد تغير شيء كبير في حياتي؟ لكن الناس لا يعيشون في قلبك. ولا يعرفون بالضرورة مقدار ما كان يمثله لك ذلك الإنسان. ولذلك، قد يبدو لهم يوم عاديًا، بينما يكون عليك ثقيلًا.

وهذا لا يعني أن حزنك أقل حقيقة لأنهم لا يرونه. لكن هناك معنى آخر أريد أن تنتبه إليه:

كما أن استمرار الآخرين في حياتهم لا يبطل حزنك، فإن استمرارك أنت في حياتك لا يبطل محبتك. ليس عليك أن تعتذر عن ابتسامة جاءت بعد أيام من البكاء. ولا أن تشعر بالخيانة لأنك استمتعت بحديث مع صديق. ولا أن تحرم نفسك من فرحة أذن الله بها، لأن إنسانًا عزيزًا لم يعد يشاركك إياها.

ففرحك اليوم لا يمحو محبتك بالأمس. والراحة التي تجدها بعد التعب لا تعني أنك نسيت ما حدث. وإذا مات من تحب، فإن وفاءك له لا يقاس بعدد الأيام التي بقيت فيها حزينًا. وإذا افترقت عمن تحب، فليس من الوفاء أن تمنع نفسك من كل خير يأتي بعده.

انظر إلى ما أبقاه الله لك.
ربما لا تزال لك أم تحبك.
أو أب يدعو لك.
أو إخوة وأصدقاء يجدون في قربك خيرًا.

وربما بقيت لك صحة تستطيع بها أن تعمل وتعبد الله وتنفع غيرك. وربما في حياتك نعم كثيرة لم تلتفت إليها، لأن عين قلبك كانت مشغولة بما غاب. وليس المقصود أن تقارن ألمك بنعمك ثم تشعر بالذنب لأنك حزنت. فوجود النعم لا يمنع الإنسان من التألم لفقد نعمة أخرى.

لكن لا تجعل نعمة واحدة فقدتها تحجب عن بصيرتك كل ما بقي. فالذي رحل كان جزءًا عزيزًا من حياتك، لكنه لم يكن كل حياتك. والذي وهبك تلك النعمة ما زال ربك الذي ترجو فضله ورحمته. لقد أبقى الله لك عمرًا تعيشه.

وفي هذا العمر عبادات وحقوق وأحبة وأبواب خير.
وقد يصعب عليك الالتفات إليها جميعًا في البداية.
فابدأ بما تستطيع.
اجلس مع من تحب.

اسأل عن شخص انشغلت عنه.
عد إلى عمل تركته.
افعل شيئًا صغيرًا يعيد إلى يومك بعض الألفة.
واطلب المواساة من شخص تثق به حين تحتاج إليها.

وإذا أصبح الحزن يعطل حياتك ويثقل عليك شؤونك اليومية، فطلب المساعدة المتخصصة لا يناقض التوكل على الله. ولا تنتظر أن يختفي الحزن كله حتى تسمح لنفسك بالحياة. فقد يبقى للغائب مكان في قلبك، دون أن يكون غيابه مانعًا لكل ما بقي لك من خير.

وربما لا يعود من تنتظره… لكن باب الله لا يغلق

أعلم أن هذه العبارة قد تكون ثقيلة.
وربما كان في قلبك أمل بأن يعود كل شيء كما كان.
أن تسمع صوته من جديد، إن كان ذلك ممكنًا.
أن تصلك منه رسالة.

أن يعتذر من خذلك.
أن يعود القرب بعد طول انقطاع.
وليس عيبًا أن تتمنى ذلك ما دام الأمر ممكنًا ومشروعًا.
لكن لا تجعل رجاءك في عودة إنسان يحجب عنك رجاءك في الله.

فبعض الأبواب لا نعرف هل ستفتح مرة أخرى. وبعض الأسئلة قد تبقى بلا جواب. وبعض العلاقات تنتهي رغم صدق ما حملناه لأصحابها من محبة. وهنا لا تحتاج إلى أن تصنع يقينًا بما لم يعدك الله به.

لا تقل لنفسك إن الغائب سيعود حتمًا.
ولا إنك ستنساه حتمًا.
ولا إن الله سيبدلك في الدنيا بصورة معينة من العوض.
فنحن لا نعلم الغيب.

لكن يمكنك أن توقن بأن الله يسمع دعاءك، ويعلم حالك، وأن رحمته لا يحجبها عنه غياب أحد من خلقه. ويمكنك أن تسأله أن يجبر قلبك ويعينك، دون أن تشترط عليه كيف يكون الجبر أو متى يأتي. وربما كان أجمل ما تقوله في تلك اللحظة:

يا رب…

أنا لا أملك إعادة ما مضى.
ولا أملك قلوب الناس.
ولا أعرف كيف ستكون أيامي القادمة.
لكنني عبدك.

وأنت ربي.
وإليك أرجع كلما ضاق صدري.
فأعنّي على ما لا أملك تغييره.
واهدني إلى ما أستطيع إصلاحه.

ولا تجعلني أنشغل بمن فقدت حتى أغفل عن حقك، أو أعرض عن النعم التي أبقيتها لي. فلا تجعل غياب من أحببت يحجب عن قلبك حقيقة أن الله لم يغب عن علمه شيء من أمرك. ولا تجعل انقطاع حديث مع إنسان ينسيك باب المناجاة الذي تستطيع أن تقصده كلما شئت. فقد تتغير علاقاتك بالناس.

وتتبدل ظروف حياتك.
وتنتهي أشياء كنت تظن أنها ستبقى طويلًا.
أما افتقارك إلى الله فلا ينتهي.
ورجوعك إليه لا يحتاج إلى بقاء أحد من خلقه معك.

ليس عليك أن تنسى حتى تستطيع أن تعيش

وربما وصلت إلى هنا وما زال في قلبك سؤال:
لكن ماذا أفعل إذا بقيت أحبه؟
ماذا لو بقيت الذكريات عزيزة؟
ماذا لو مرت سنوات، وما زلت أشتاق؟

أريد أن أقول لك:
لا تجعل النسيان هو المقياس الوحيد لتعافيك.
فبعض الناس لا يخرجون من ذاكرتنا.
وبعض المواقف تبقى معنا، لا لأننا نرفض الحياة، بل لأنها كانت جزءًا حقيقيًا منها.

وربما يبقى لإنسان مكان لا يشبه مكان أحد غيره. وليس ضروريًا أن يأتي شخص آخر ليشغل المكان نفسه. فالعلاقات الإنسانية ليست أشياء متطابقة نستبدل بعضها ببعض كلما فقدنا إحداها. قد تعرف محبة جديدة دون أن تبطل محبة قديمة.

وقد تجد ألفة مع أناس آخرين دون أن تنسى من رحل. وقد تستعيد شيئًا من طمأنينتك دون أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه. فالتعافي من الفقد لا يعني دائمًا أن يغيب من أحببت عن ذاكرتك، بل أن تخف وطأة غيابه على حياتك، بقدر ما ييسره الله لك.

وحتى هذا لا يحدث بالوتيرة نفسها عند الجميع.
قد تتقدم قليلًا، ثم تتعب.
وقد تجد يومًا هادئًا، ثم يأتي يوم أصعب.
فلا تقارن قلبك بقلوب الآخرين.

ولا تجعل طول حزنك حكمًا نهائيًا على مستقبلك. وإذا جاءك يوم شعرت فيه بالراحة، فلا تخف منها. وإذا احتجت إلى البكاء بعد فترة من الهدوء، فلا تخجل من ذلك. وإذا استطعت أن تتذكر من فقدت دون ألم شديد، فلا تظن أنك قصرت في حقه.

فليس من الوفاء أن تبقى موجوعًا، وليس من النسيان أن تصبح بخير.
يمكنك أن تحفظ الذكرى الطيبة.
وأن تدعو لمن مات من أحببت.
وأن تصلح ما يمكن إصلاحه من علاقاتك.

وأن تضع حدودًا لما يؤذيك. وأن تتعلم مما حدث دون أن تجعل التجربة سببًا لسوء الظن بكل من يقترب منك. ويمكنك، فوق ذلك كله، أن تبقى قريبًا من الله. لا لأنك لم تعد تحتاج إلى الناس.

بل لأنك عرفت أن حاجتك إلى الله أعظم من كل حاجة، وأن قلبك لا ينبغي أن ينقطع رجاؤه إذا انقطع عنه سبب من الأسباب.

وربما هذا ما يحتاجه قلبك أكثر من أي شيء آخر…

ربما جئت إلى هذه المقالة تبحث عن طريقة تنسى بها إنسانًا أحببته. أو عن كلمات تجعل الغياب أقل إيلامًا. أو عن جواب لسؤال ظل يتردد في صدرك:

كيف أعيش بعده؟
ولن أقول لك إن الطريق سهل.
ولا إنك ستستيقظ غدًا وقد اختفى الحزن.
ولا إن الله سيعيد إليك ما فقدت بصورة أخرى.

لكنني أريد أن ألفت قلبك إلى شيء ربما لم تنتبه إليه وأنت مشغول بمن غاب. أنت تنظر منذ وقت طويل إلى من لم يعد معك… فهل التفت قلبك إلى من كنت محتاجًا إليه قبل أن تعرف ذلك الإنسان، وما زلت محتاجًا إليه بعد غيابه؟

إلى الله.

الذي كنت تدعوه يومًا أن يحفظ لك أحبتك.
وهو الذي تدعوه اليوم أن يعينك على فقدهم.
الذي أنعم عليك بأيام الأنس.
وهو الذي تسأله الرحمة في أيام الوحشة.

الذي لم تكن تستغني عنه حين كانت حياتك ممتلئة بمن تحب. ولا تستطيع الاستغناء عنه الآن وقد تغيرت بعض وجوه الحياة من حولك. لقد تغيرت أحوالك، لكنك لم تصبح عبدًا لرب آخر. هو ربك الذي كنت ترجوه في الرخاء.

وهو ربك الذي ترجوه في الشدة.
والذي دعاك إلى التوكل عليه لم يكن ممن يطرأ عليهم الموت أو العجز أو النسيان.
إنه الحي الذي لا يموت.
فلا تجعل ألم الفقد ينسيك عظمة من تتوكل عليه.

ولا تجعل شوقك إلى من غاب يمنعك من الأنس بذكر الله ومناجاته.
ولا تظن أن عليك أن تنسى من أحببت حتى يصدق توجهك إلى ربك.
يمكنك أن تحب وتشتاق.
وأن تحزن وتبكي.

وأن تحمل في قلبك ذكرى عزيزة. ثم ترفع يديك إلى الله، وتقول:

يا رب، أنت تعلم.
تعلم ما فقدت.
وتعلم ما بقي في قلبي.
وتعلم أنني لا أستطيع إعادة ما مضى.

فلا تكلني إلى نفسي. فإن عجزت عن الوصول إلى من أحببت، فلست عاجزًا عن دعاء ربك. وإن ضاقت عليك الكلمات مع الناس، فلا تعجز عن أن تبوح لله بما استطعت. وإن شعرت أن أحدًا لم يفهم مقدار ما فقدت، فلا تنس أن الله يعلمه.

وربما لا يختفي الحزن في تلك اللحظة. لكنك تتذكر حقيقة أعظم من أن تجعلها مجرد عبارة تخفف بها ألمك:

أن الله لم يكن ملجأك بعد الفقد وحده، بل كان ربك ومولاك قبل الفقد، وفي كل يوم من حياتك. وأنك لم تكن يومًا مستغنيًا عنه حين كان من تحب إلى جوارك. فكيف تستغني عنه الآن؟


يا رب… إن غاب عني من أحببت، فلا تحرمني الأنس بك

يا رب…

أنت تعلم أنني أحببت.
وتعلم أنني تألمت.
وتعلم أن في قلبي ذكريات ما زالت عزيزة، وأمنيات لم تتحقق، وكلمات تمنيت لو استطعت قولها.
وتعلم أنني لا أملك إعادة من رحل.

ولا تغيير قلب من تغير.
ولا إصلاح كل ما انكسر.
ولا منع كل فقد.
فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

اللهم ارزقني صبرًا لا يقسو به قلبي. ورضا لا أحتاج معه إلى إنكار حزني. وسكينة لا أجعلها مشروطة بعودة ما فقدت. اللهم إن كان لي في إصلاح ما انقطع خير، فيسره لي على الوجه الذي يرضيك.

وإن تعذر علي ما أحب، فأعني على قبول ما لا أملك تغييره، واهدني إلى ما فيه صلاح ديني ودنياي. اللهم ارحم من مات من أحبتي، واغفر لهم، وأكرم نزلهم. وأصلح ما بقي من علاقاتي، واحفظني من ظلم نفسي أو ظلم أحد من عبادك.

ولا تجعل ما فقدته يحجب عن قلبي ما أبقيته لي من نعمك. ولا تجعل ألمي سببًا لأن أنسى رحمتك، أو أنقطع عن رجائك. علمني أن أحب عبادك دون أن أغفل عن حبك. وأن أفرح بقربهم دون أن أنسى فضلك.

وأن أصبر على فراقهم دون أن ينقطع توكلي عليك. اللهم إن اشتقت إلى من غاب، فذكرني أنك تسمع دعائي. وإن ضاقت بي الذكريات، فأعني بذكرك. وإن أوجعتني الوحدة، فارزقني من الأنس بك ومن صحبة عبادك الصالحين ما يعينني على طاعتك وحسن عبادتك.

وإن بقي الحزن في قلبي، فلا تجعله يحول بيني وبين شكرك ورجائك.

يا رب…

لقد عرفت في حياتي أناسًا أحببتهم، وكان وجودهم من نعمك علي. ثم فقدت بعضهم، وتغيرت علاقتي ببعضهم، وبقيت في قلبي آثار لا يعلم مقدارها إلا أنت. فلك الحمد على ما أنعمت. ولك الحمد على ما أبقيت.

وإليك أشكو ما أجد.
وبك أستعين على ما بقي.
اللهم لا تجعل فقد من أحببت ينسيني أنني عبدك، وأنك ربي، وأنني إليك فقير في كل حال.
وإذا عاد الشوق، فأعني.

وإذا اشتد الحزن، فارحمني. وإذا مضت الأيام، فلا تجعلني أنسى من أحسن إلي، ولا أنشغل بمن فقدت عن حق من أبقيت لي. واجعل قلبي متعلقًا بك، مستعينًا بك، حسن الظن بك. فأنت الحي الذي لا يموت.

وأنت الذي لا يعجزه شيء. وأنت الذي يعلم من أمر عبده ما لا يعلمه أحد. يا رب، إن كنت لا أملك أن يبقى معي كل من أحب، فلا تجعل قلبي يغفل عنك وأنت أحق من أحب، وأعظم من أرجو، وإليك ألجأ في كل فقد وكل شدة.


ولعل هذا هو المعنى الذي أريد أن يبقى معك بعدما تنتهي من القراءة: ليس مطلوبًا منك أن تنسى من فقدت حتى تستطيع أن تعيش، ولا أن تبقى حزينًا حتى تثبت صدق محبتك. يمكنك أن تحفظ له مكانه في قلبك، وأن تشتاق إليه، وأن تدعو له، وأن تتذكر الأيام الجميلة التي عشتها معه.

لكن لا تجعل غيابه ينسيك من أنعم عليك بوجوده أصلًا. فمن فقدته كان نعمة من الله، أما الله فليس نعمة عابرة في حياتك؛ هو ربك الذي لا غنى لك عنه، في حضور من تحب وفي غيابه. قد تفقد من كان يؤنس وحدتك. وقد يغيب من اعتدت سماع صوته.

وقد تتغير قلوب كنت تظن أن قربها سيبقى. لكن الله لا يخفى عليه حزنك، ولا يعجزه أن يعينك، ولا يحول بينك وبين دعائه غياب أحد. فلا تجعل قلبك يقف عند باب من غاب، وينسى باب من لا يغيب عنه دعاؤك. إن الذي كان يسمع شكواك من البشر قد يرحل.

أما ربك، فقد كنت تسمعه شكواك قبل أن تعرف ذلك الإنسان، وستظل محتاجًا إلى رحمته وعونه بعد رحيله.

فارجع إليه بقلبك كله.

لا لتنسى من أحببت.

بل لتتذكر أن لك ربًا أحب إليك من كل شيء، وأحق برجائك من كل أحد. وأنك، مهما فقدت من الناس، لم تفقد باب الرجوع إلى الله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0