حين تسقط الأسباب… ويبقى الله: كيف يثبت قلبك حين تُغلق الأبواب؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد لا يأتي الابتلاء دائمًا في صورة ألم مباشر، بل قد يظهر حين يُسحب من يدك سبب كنت تظنه مصدر أمانك: بابًا مفتوحًا، أو شخصًا تعتمد عليه، أو مالًا تطمئن إليه، أو خطة بنيت عليها نجاتك.

طريق جبلي مقطوع فوق الضباب مع ضوء مفتوح في الأفق، تعبيرًا عن التوكل على الله حين تسقط الأسباب

ثم يبدأ كل شيء بالتراجع؛ يُغلق الباب، ويبتعد الشخص، وتتعثر الخطة، ويضعف ما حسبته ثابتًا. فتجد نفسك أمام سؤال أعمق من: لماذا ذهب هذا السبب؟

السؤال هو:

على ماذا كان قلبك متكئًا أصلًا؟

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يكشف فقد السبب موضع اعتماد القلب

قد يقول الإنسان بلسانه: أنا متوكل على الله، بينما تكون طمأنينته معلقة بما يراه أمامه. يقول: الله هو الرازق، لكنه لا يهدأ إلا حين يرى المال. ويقول: الله هو الحافظ، لكنه يشعر أن أمانه مرتبط ببقاء شخص معين. ويؤمن بأن الله قادر على كل شيء، ثم يضطرب حين يُغلق الطريق الذي ظن أن الفرج لا يأتي إلا منه.

عندها يكشف فقد السبب موضع اعتماد القلب. فالمشكلة ليست في الأخذ بالأسباب؛ فنحن مأمورون بها. إنما تبدأ المشكلة حين يتحول السبب من وسيلة إلى ضمان، ومن باب من أبواب الله إلى الباب الوحيد الذي لا نتخيل الفرج إلا عبره.

حين يسقط الطريق الذي تعرفه

ولهذا قد تعيد بعض الانكسارات ترتيب التعلّق داخل القلب. ما دام الباب مفتوحًا، قد تقول: الله معي، لكن شيئًا في داخلك يضيف: ومعي هذا الباب أيضًا. وما دام الشخص إلى جوارك، تقول: الله يكفيني، بينما تستند طمأنينتك جزئيًا إلى وجوده. وما دامت الخطة واضحة، تظن أنك متوكل، دون أن تُختبر في السؤال الأصعب:

ماذا لو لم يبق الطريق الذي أعرفه؟

هنا تبدأ تربية لا تكفي الكلمات لتعليمها. قد يأخذ الله من يدك سببًا بعد سبب، حتى لا تجد شيئًا تقول عنه: إن بقي هذا فلن أخاف. فتخاف، ويسأل قلبك: ماذا بقي لي؟

وتأتي الإجابة التي كان ينبغي أن تكون حاضرة منذ البداية:

بقي لك من كانت الأسباب كلها بيده قبل أن تعرفها.

بقي من فتح الباب، وأرسل الشخص، وهيأ الفرصة، وجعل ما تعلقت به أسبابًا نافعة أصلًا. فأنت لم تكن تعيش بقوة السبب، بل بتقدير مُسبِّب السبب. غير أن كثرة الأسباب قد تحجب هذه الحقيقة عن القلب.

لماذا نخاف حين تُغلق الأبواب؟

نحن نخاف حين يُغلق الباب لأننا نقيس قدرة الله بما نراه. نقول: هذا هو الطريق، فإذا انقطع ظننا أن الأمر انتهى. لكن من أخبرك أن الطريق الذي عرفته كان الوحيد عند الله؟ ومن قال إن الفرج لا بد أن يأتي من الباب الذي وقفت عنده طويلًا؟

أنت تعرف بابًا، أما الله فيملك الأبواب كلها. ترى طريقًا، أما قدرته فلا تتوقف حين تنقطع الطرق. وقد تقول: لا أعرف كيف، لكن جهلك بالكيفية لا يعني غيابها.

وهذه من أصعب مقامات الإيمان: أن تصل إلى موضع لا تملك فيه تفسيرًا مقنعًا، ولا خطة بديلة، ولا علامة قريبة تطمئنك إلى أن الغد سيكون أفضل، ومع ذلك لا تسمح لقلبك أن يستنتج:

إذن أنا متروك.

فقد تختفي الأسباب دون أن تختفي عناية الله. قد تفقد السبب ويبقى خالقه، ويُغلق الباب ويبقى من لا تحد قدرته الأبواب، ويرحل الشخص وتبقى رحمة الله، وتتوقف خطتك دون أن يتوقف قدره. قد تبلغ نهاية حساباتك، بينما لم تقترب قدرة الله من نهاية.

أليس الله بكاف عبده؟

وهنا يتسع معنى:

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾

فهي ليست عبارة لتسكين الخوف فحسب، بل سؤال يهدم الوهم القائل إن النجاة معلقة بما نملكه. ليس السؤال: هل بقي السبب؟ أو عاد الشخص؟ أو فُتح الباب الذي أردته؟ أو فهمت كيف ستنتهي القصة؟

بل:

من بقي لك حين ذهب كل ذلك؟

إذا بقي الله، فكيف تقول إنك لم يبق لك شيء؟

حين تسقط الأسباب: لا تجعل الحزن حكمًا

ومع ذلك، لا يعني الإيمان أنك لا تحزن، أو أن فقد الأسباب لا يؤلمك، أو أن خوفك دليل حتمي على ضعف توكلك. قد يتألم قلبك لباب أُغلق، ويشتاق إلى شخص ابتعد، ويحتار أمام مستقبل غامض. الإيمان لا يحولك إلى حجر، بل يعلمك ألا تجعل حزنك يصدر حكمًا يتجاوز حقيقته.

قل:

أنا موجوع، لكنني لست متروكًا.

لا أرى الطريق، لكن غيابه عن بصري لا يعني عدم وجوده.

لا أعرف كيف سيأتي الفرج، لكن الله لا يحتاج إلى معرفتي بالطريقة حتى يقدر عليها.

وربما كانت بعض الأشياء التي سقطت من يدك تحجب عنك هذه الحقيقة. كنت تنظر إلى السبب فلا ترى من أعطاك إياه، وتتعلق بالباب وتنسى صاحب الأبواب، وتطمئن إلى الخطة قبل أن تختبر طمأنينة التفويض. حتى إذا ضعفت الأشياء، ظهر السؤال بوضوح:

هل كان أمانك في الله، أم في الأشياء التي أعطاك الله إياها؟

ماذا يبقى لك حين تنتهي حساباتك؟

لذلك، حين تسقط الأسباب، لا تتعجل تفسير المشهد على أنه النهاية. لا تقل: لم يعد هناك شيء. قل:

لم يعد هناك شيء مما كنت أعرفه.

والفرق كبير؛ فما تعرفه محدود، أما ما يستطيع الله أن يفتحه ويخلقه ويقدره ويسوقه إليك، فليس محصورًا فيما خطر لك. قد تنتهي خطتك، ولا تنتهي قدرة الله. وقد تضيق الخيارات أمامك، ولا تضيق خزائنه. وقد تنقطع حسابات الأرض، ويبقى تدبير السماء.

فإذا نظرت حولك يومًا ولم تجد ما كنت تتكئ عليه، وسألك قلبك خائفًا:

ماذا بقي لي؟

فلا تجبه أولًا بما فقدت، بل ذكّره بمن بقي.

قل له:

بقي لك من لا يرتبط وجوده ببقاء أي شيء آخر. بقي من إذا أراد أن يفتح لك، لم يحتج إلى الباب الذي أُغلق. وإذا أراد أن يرزقك، لم تتوقف خزائنه على السبب الذي انقطع. وإذا أراد أن يجبرك، لم يلزمه أن يعيد الأشياء بالطريقة التي تتصورها.

بقي لك الله.

ولهذا، حين تنتهي حسابات الأرض، لا تقل:

انتهى كل شيء.

تذكر أن الذي انتهى ربما كان فقط ما تستطيع أنت حسابه. أما ما يقدر عليه الله، فليس لحدودك أن ترسم له نهاية.

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾

تعليقات

عدد التعليقات : 0