تقرأ دعاء الاستخارة، وحين تبلغ سؤال الصرف إن كان الأمر شرًّا لك، تتباطأ قليلًا. تعرف أن الكلمات تطلب لك الخير، لكن قلبك يسمع فيها وداعًا لم يستعدّ له. جئتَ تحمل أمنية، فخيّل إليك أن صدق التفويض يقتضي أن تخرج من الدعاء مستعدًّا لفقدها، كأنها لم تكن تعني لك شيئًا.
وتنشأ حيرة موجعة: إذا ألححتَ، خشيتَ أن تكون أسير رغبتك؛ وإذا فوّضتَ، شعرتَ أنك تخلّيت عنها. تريد أن تكون صادقًا مع الله، لكنك تتصوّر هذا الصدق على هيئة شعور لا تجده: ألّا يختلف عندك حصول ما تحب عن فواته. ثم تحاكم نفسك لأن الأمرين لم يستويا في قلبك.
وقد تشعر أن شدة تمسّكك هي آخر ما يحمي الأمنية. فإذا قلت: «يا رب، اختر لي»، بدا لك أنك رفعت يدك عنها؛ كأن سؤال الخيرة قرارٌ بخسارتها. فتتمسّك أكثر، وتخاف أن يكون التسليم نفسه هو التخلّي الذي ظللت تقاومه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
الرغبة الصادقة لا تناقض التسليم
لكن انظر إلى زكريا عليه السلام، وهو يدعو:
﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. [الأنبياء: ٨٩]
إنه يسأل الولد. حاجة لها اسم، ينطق بها نبيّ يعرف ربَّه. وفي النداء نفسه يجتمع طلبه والثناء على الله. معرفته بربه لم تمنعه أن يطلب شيئًا بعينه، وشوقه إلى الولد لم يمنعه أن يثني على ربّه.
فلا تحتاج أن تُصغِّر أمنيتك المباحة حتى تعظّم مَن تسأل. تستطيع أن تقول إنها عزيزة عليك، وأن تسعى لها، وأن تلحّ في الدعاء بها. وقد يصير اعترافك بمقدار حاجتك بابًا للافتقار؛ تأتي الله بما في قلبك فعلًا، دون أن تزعم أن فواتها لا يؤلمك.
متى تحتاج الرغبة إلى تهذيب؟
إنما تحتاج الرغبة إلى تهذيب حين تطلب لنفسها أكثر من أن تكون رغبة.
تبدأ بـ«أريد هذا»، ثم قد تتسلّل إليها دعوى أخرى: «ولا يصلح لي سواه». عندئذ يضيق صدرك بكل نظرٍ قد ينتهي إلى خلاف ما تشتهي. تطلب النصيحة، لكنك لا تريد منها إلا الاطمئنان إلى قرارك؛ وتطلب الخيرة، لكنك تتمنى أن تكون اسمًا آخر لتيسير ما اخترت. شيئًا فشيئًا، قد يصبح حبّك للشيء هو الدليل الذي تستبعد به ما لا يوافقك.
وأنت تعرف مقدار شوقك إليه، لكن مقدار الشوق لا يخبرك بكل ما سيصنعه فيك إن نلته. قد ترى فيه ما يجبر نقصك، وتغيب عنك جوانب أخرى من عاقبته. هنا يكون التفويض اعترافًا بحدود علمك، مع بقاء صدق رغبتك.
وشدة الحزن عند تصوّر الفقد لا تثبت أنك جعلت أمنيتك فوق كل اعتبار. موضع النظر هو ما تختاره تحت ضغط الشوق، وما تمنحه له من سلطة على قرارك وصلتك بالله؛ أما الشوق نفسه فلا ينطفئ بمجرد أن تأمره.
الاستخارة: حاجتك والخيرة معًا
ولهذا تجد في دعاء الاستخارة عنايةً بالأمر الذي ترجوه، وبالقلب الذي يرجوه معًا. تسأل تيسير الأمر إن كان خيرًا، وصرفه إن كان شرًّا، وتقول: «فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ»، ثم تسأل الخير والرضا به. وفي الحديث: «وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ». [صحيح البخاري: ١١٦٢]
تُسمّي حاجتك، وتسأل الله أن يعين قلبك إن كان الخير في صرفها. إنك تسأل الخيرة، دون أن تحكم مسبقًا بأن أمنيتك شرّ، أو تستبق الأمر بوداعها. فتأمل هذا المتّسع: حتى انصراف القلب الذي يعجزك، علّمك النبي ﷺ أن تطلبه. والرضا الذي لم يكتمل فيك تستطيع أن تسأله، دون أن تتظاهر بأنك قد بلغتَه.
تأتي إلى الدعاء برغبتك، وبعجزك عن تهذيبها وحدك. تطلب ما تحب، وتطلب ألّا يقودك حبّه إلى ما يضرّك. وفي هذا يجتمع صدقان طالما ظننتَ أنهما يتنازعان قلبك: صدق الحاجة، وصدق الاستعانة بالله عليها.
قد يبقى الشوق، ويصدق التسليم.
قد يتبيّن لك أن سبيلًا إلى ما تتمناه محرّم، فتترك ذلك السبيل، والرغبة لم تتركك بعد. يؤلمك التوقف، لكنك لا تجعل ألمك إذنًا لتجاوز حدود الله. هذا موقف له معناه في عبوديتك؛ لا يمحوه أنك ما زلت تتمنى، ولا يشترط لصدقه أن تصبح باردًا تجاه ما تحب.
حين يصبح التخلّي طريقة أخرى للتشبّث
وثمّة تعب أدقّ قد تقع فيه: أن تحاول إطفاء رغبتك طمعًا في أن يكون انطفاؤها ثمن الحصول عليها. تقول في سرّك: «متى تركت التعلّق، أعطاني الله أمنيتي». فتظل تراقب قلبك لتتأكد أنه زهد، ثم تراقب الواقع لتعرف لماذا لم تأت المكافأة. وحتى التخلّي يصبح طريقة أخرى للتشبّث.
لا تجعل تزكية قلبك ثمنًا تطالب مقابله بنتيجة محددة. لك أن ترجو فضل الله، وتسأله ما تحب، لكنك لا تملك وعدًا بأن بلوغك حالًا من الرضا سيمنحك هذه الأمنية بعينها. والتفويض يفقد معناه حين تجعله حيلة خفيّة للتحكّم في النتيجة.
كيف تمارس التسليم وقلبك ما زال يريد؟
وحين تعود إلى دعائك، سمِّ حاجتك بوضوح، ودع سؤالك يتّسع لما تحتاجه فيها: خير الأمر، وسلامة القلب. خذ بالأسباب المشروعة، واستمع بإنصاف إلى ما يتبيّن لك، واستعن بالله على ألّا تحمي رغبتك من كل حقيقة تخالفها. تلك ممارسة تستطيع أن تبدأها، ولو لم يهدأ الشوق بعد.
وقد تتباطأ عند كلمات الخيرة مرة أخرى. فلا تُكره نفسك على ادّعاء أن الفقد صار سهلًا، ولا تجعل خوفك منه سببًا لترك سؤال الله أن يختار لك. تستطيع أن تتمّ الدعاء وأنت ترجو المطلوب، وترجو معه قلبًا يهتدي في طلبه، ويُعان إن فاته.
وحين تقول: «يا رب، اختر لي»، يمكنك أن تقولها ومعناها في قلبك:
«ما زلتُ أتمناه… وأحتاج هدايتك في هذا الذي أتمنى».