حين يفتح الله لك الطريق قبل أن تصل

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

حين يفتح الله لك الطريق لا يعني أن يكشف لك الطريق كله من البداية؛ فقد يبدأ الفتح بخطوة صغيرة، وسبب لم تكن تملكه، وباب لم تكن تعرف بوجوده.

أحيانًا تنظر إلى ما تتمناه وكأنه بعيد جدًا. ليس بينك وبينه خطوة واحدة، بل أبواب مغلقة، وأسماء لا تعرفها، وأسباب لا تملكها، وظروف تقول لك كل صباح: ليس الآن.

فتظن أن المشكلة في أنك لا ترى الطريق. مع أن الطريق نفسه لم يكن يومًا مسؤوليتك كاملة.

حين يفتح الله لك الطريق قبل أن تصل: طريق مفتوح يرمز إلى التوكل وعدم التعلق بالأسباب
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

أنت مسؤول عن الخطوة لا عن صناعة الطريق

أنت مسؤول عن الخطوة التي تستطيعها، عن السعي الذي بين يديك، عن الدعاء، عن الاختيار، عن بذل السبب المشروع… أما أن تجتمع الأشياء في وقتها، وأن يلين ما كان صعبًا، وأن يأتيك الشخص المناسب، وأن تنفتح الثغرة التي لم تكن تعرف بوجودها، وأن يتحول المستحيل في حساباتك إلى احتمال واقعي… فهذه ليست كلها صناعة يدك.

كم من إنسان امتلك المال ولم يُفتح له الباب. وكم من إنسان امتلك العلاقات ولم تتم له حاجته. وكم من إنسان أعد كل شيء، ثم سقط الأمر عند آخر خطوة. وكم من إنسان لم يكن يملك إلا القليل، ثم جرت الأمور له من حيث لم يحتسب.

السبب لا يملك النتيجة

ولهذا فإن من أخطر أوهام القلب أن يظن أن السبب هو الذي يصنع النتيجة.

السبب لا يملك أن يَعِدك بشيء. قد يكون أمامك الباب ولا يُفتح. وقد تكون المفاتيح في يدك ولا يُؤذن لك بالدخول. وقد تغيب عنك الأسباب كلها، ثم يأتيك الفرج من طريق لم يخطر لك أصلًا.

قال الله تعالى:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

[الطلاق: 3]

لم يقل: من أحسن ترتيب الأسباب فهي حسبه.

لأن الأسباب مأمورون نحن بالأخذ بها، لكننا لم نُؤمر يومًا أن نمنحها مقام الربوبية في قلوبنا.

حين يتحول السبب من أداة إلى ملجأ

وهنا يقع الاختبار الدقيق. ليس الاختبار دائمًا في أن تُحرم السبب. أحيانًا يكون الاختبار في أن يعطيك الله السبب، ثم ينظر قلبك: بمن سيثق؟

هل بمجرد أن يأتي المال يهدأ قلبك لأن المال حضر؟ هل بمجرد أن يظهر الطبيب تطمئن لأن الطبيب موجود؟ هل بمجرد أن تُفتح فرصة العمل تشعر أن مستقبلك أصبح مضمونًا؟

هنا قد ينتقل القلب دون أن يشعر من الاستعانة بالسبب إلى الاحتماء به. والفرق بينهما كبير.

المؤمن يستعمل السبب، لكنه يعرف أن السبب نفسه فقير إلى الله. الطبيب لا يملك الشفاء من ذاته. والوظيفة لا تملك الرزق من ذاتها. والعلاقة لا تملك أن تحفظك من ذاتها. والباب المفتوح اليوم لا يملك أن يبقى مفتوحًا غدًا.

كلها أسباب تعمل بقدر الله، لا خارج قدر الله.

لا تجعل كل تيسير رسالة غيبية

ولذلك فإن أجمل ما يحدث لك ليس دائمًا أن تصل. أحيانًا أجمل ما يحدث أن ترى كيف كان الله يرتب لك الطريق وأنت لا تدري.

كنت تظن أن ذلك اللقاء عابر. ثم اكتشفت بعد أشهر أنه كان أول خيط. كنت تظن أن تأخيرًا معينًا عطّلك. ثم اتضح لك أنه حماك من توقيت لم يكن مناسبًا. كنت تحزن على باب أُغلق. ثم أدركت أن بقاءه مفتوحًا كان سيأخذك إلى مكان لم تكن تريده لنفسك.

لكن انتبه:

لا تجعل كل تيسير رسالة غيبية تقول لك: هذا هو اختيار الله النهائي لي. ولا تجعل كل تعسير حكمًا يقول: الله لا يريدني أن أمضي. فهذه معانٍ لا نملك الجزم بها.

قد ييسر الله أمرًا امتحانًا. وقد يعسر أمرًا ثم يفتحه بعد حين. وقد يعطيك ما دعوت به. وقد يصرفه عنك. وقد يغير الطريق ويبقي المقصد. وقد يغير المقصد نفسه لأن الخير كان في غير ما ظننت.

التوكل ليس توقيعًا على خطتك

لهذا كان التوكل الحقيقي أعمق من عبارة: "أنا واثق أن الأمر سيحدث."

التوكل الحقيقي هو:

أنا واثق بالله، سواء حدث الأمر بالطريقة التي رسمتها أم لم يحدث.

وهذه مرحلة أصعب بكثير. لأن بعضنا لا يريد الله فقط… بل يريد من الله أن يوقع على الخطة التي كتبها هو.

يرسم النتيجة، والموعد، والطريق، والشخص، والتفاصيل، ثم يقول: توكلت على الله.

لكن التوكل يبدأ حقًا عندما تقول:

يا رب، سأطرق الأبواب التي أستطيعها، وسآخذ بالأسباب التي شرعتها لي، وسأسألك حاجتي بكل ما في قلبي… لكنني لن أجعل سلامي الداخلي رهينة لباب معين.

إن فتحته لي، فمنك الفتح.

وإن أغلقته، فلستَ قد أغلقت رحمتك.

وإن تأخرت النتيجة، فلستَ عاجزًا عنها.

وإن تغير الطريق، فلستُ ضائعًا ما دمتَ أنت الذي تدبر أمري.

هذه هي الطمأنينة التي لا تستطيع الأسباب أن تمنحها. أن تعرف أن ربك ليس خلف الأسباب فقط… بل فوقها.

وأن الذي تستطيع الأسباب أن تأتيك به، يستطيع الله أن يأتيك به من غير الطريق الذي عرفته. وأن الذي لا يقدره الله لك، لن تصنعه كثرة الحيل.

خذ السبب… لكن لا تسكن إليه

لهذا لا تحتقر خطوة صغيرة فتحها الله أمامك. ربما لا تكون هي النتيجة، لكنها بداية الطريق. ولا تُعظّم بابًا فُتح حتى يصبح في قلبك أكبر من فاتحه.

خذ السبب… لكن لا تسكن إليه.

اسعَ… لكن لا تجعل سعيك إلهًا صغيرًا يَعِدك بالمستقبل.

ادعُ… ثم اترك لله مساحة أن يجيبك بطريقة لم تكتبها في خيالك.


اقرأ أيضًا

وحين تبدأ الأمور في التيسير، لا تقل فقط: "أخيرًا عرفت كيف ستحدث." بل قل:

"يا رب، لا تجعلني أرى الطريق فأنسى من فتحه."

فربما أعظم ثمرة لا يعطيك الله إياها في نهاية الطريق… هي أن تصل إلى نهاية الطريق وقد تعلّم قلبك أن السبب باب، وليس ربًا؛ وأن الفتح نعمة، لكن المفتاح كله بيد الله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0