هل أنا متروك حين يطول الطريق؟ الصبر في ضوء ﴿فإنك بأعيننا﴾

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قال الله تعالى:

﴿وَاصبِر لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعيُنِنا وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ حينَ تَقومُ﴾ [الطور: 48]

هناك لحظات لا يكون أصعب ما فيها هو الألم نفسه، بل أن يطول الألم حتى يبدأ القلب يسأل سؤالًا آخر:

هل أنا وحدي في هذا كله؟

قد تستطيع أن تحتمل يومًا صعبًا إذا كنت تعرف متى ينتهي، وتستطيع أن تسير في طريق شاق إذا كنت ترى آخره. لكن ماذا تفعل حين لا تعرف متى يتغير شيء؟

حين تدعو، ولا ترى الصورة التي كنت تنتظرها. حين تصبر، ثم تستيقظ فتجد أن الواقع ما زال في مكانه. حين تمضي الأيام، ولا يأتيك تفسير يشرح لك لماذا طال هذا الطريق أصلًا.

هنا لا يعود الامتحان امتحان احتمال الألم فقط، بل يصبح امتحانًا في شيء أعمق:

هل تستطيع أن تبقى مع الله حين لا يعطيك المشهد الذي كنت تحتاجه كي تطمئن؟

طريق جبلي طويل يلتف نحو أفق مضيء عند الفجر، وعليه عبارة «حين يطول الطريق… هل أنا متروك؟» وتوقيع «حين يوقظك الله بكلمة».
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الصبر لحكم ربك، لا لنهاية رسمتها

ولهذا تأمل كيف جاءت الآية. لم يقل الله لنبيه ﷺ فقط:

﴿وَاصبِر لِحُكمِ رَبِّكَ﴾

ثم انتهى الكلام، بل أتبع الأمر بالصبر بما يحمل معنى عظيمًا من الرعاية والحفظ:

﴿فَإِنَّكَ بِأَعيُنِنا﴾.

وكأن موضع العلاج ليس أن يقال لك: تحمّل فحسب، بل أن تعرف أن الصبر الذي أمرك الله به ليس صبر إنسان أُلقي في طريق مجهول ثم تُرك فيه وحده.

إنه صبر تحت علم الله، وتحت نظره، وتحت تدبيره. لا يغيب عنه شيء من حالك: لا دمعة أخفيتها، ولا خوف عجزت عن شرحه، ولا ليلة مرت عليك أثقل مما استطعت أن تقول لأحد.

والآية في أصل خطابها للنبي ﷺ، فلا يجوز أن ننقل خصوصيتها إلى أنفسنا بلا علم، لكن معناها يعلّم المؤمن أصلًا جليلًا:

أن الله حين يقدر عليك طريقًا لا يخرجك ذلك الطريق من علمه ورعايته وتدبيره.

وهنا يتغير معنى الصبر؛ لأن بعضنا يتعامل معه كأنه فراغ بينه وبين الفرج:

سأصبر إلى أن يحدث الشيء الذي أريده.
سأتحمل إلى أن يتغير الواقع.
سأتماسك إلى أن تنتهي هذه المرحلة.

فيصبح القلب معلقًا بنهاية الطريق أكثر من تعلقه برب الطريق. فإذا تأخرت النهاية التي رسمها لنفسه، بدأ يشعر أن صبره يضيع.

لكن الله يقول:

﴿وَاصبِر لِحُكمِ رَبِّكَ﴾.

لاحظ:

لحكم ربك.

لم يقل: اصبر لأنك تعرف متى سينتهي الأمر، ولا: اصبر لأن النتيجة ستكون كما تخيلتها، ولا: اصبر لأنك سترى قريبًا تفسير كل ما حدث.

بل أعاد قلبك إلى نقطة واحدة:

ربك.

الذي حكم هو ربك، والذي يعلم ما لا تعلم هو ربك، والذي يرى موضعك الآن هو ربك.

ولذلك فالصبر هنا ليس مبنيًا على معرفتك بالخطة، بل على معرفتك بمن بيده الخطة.

معرفة من بيده الخطة

وهذه من أشق التحولات على النفس؛ لأن النفس تقول:

أعطني علامة فأطمئن.
أخبرني متى ينتهي هذا فأصبر.
أرني ماذا سيخرج من هذا الألم فأثبت.

لكن الإيمان ينقلك شيئًا فشيئًا من سؤال:

ماذا سيحدث؟

إلى سؤال آخر:

من الذي أنا بين يديه وأنا لا أعرف ماذا سيحدث؟

وهنا تأتي:

﴿فَإِنَّكَ بِأَعيُنِنا﴾.

كأن القلب الذي يخاف من المجهول يُرَدّ إلى حقيقة أثبت من كل مجهول:

أنت قد لا ترى الطريق كله، لكن الله يراك.
أنت قد لا تعرف ما وراء الغد، لكن الغد ليس خارج ملكه.
أنت قد تعجز عن فهم ما يجري، لكن عجزك عن رؤية وجه الحكمة لا ينفي حكمة الله، كما أنه لا يخولك أن تزعم أنك عرفت الحكمة الخاصة من كل ما أصابك.

وكم نتعب لأننا نخلط بين أمرين:

أننا لا نعرف ماذا يفعل الله بنا، وأن الله لا يدبر أمرنا.

الأول حق: قد لا نعرف. أما الثاني فتوهم قد يصنعه الألم.

نحن نرى الصفحة التي نحن فيها، ثم نحاكم الكتاب كله. نرى بابًا مغلقًا، ثم يهمس القلب: انتهى الطريق. نرى الدعاء لم يأخذ الصورة التي أردناها، ثم يتسلل السؤال: أين العناية؟

لكن الآية لا تعطيك خريطة الأحداث، بل تفعل شيئًا أعمق:

تعيدك من مراقبة الطريق إلى مراقبة علاقتك برب الطريق.

التسبيح حين يطول الطريق

ثم يأتي الأمر:

﴿وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ حينَ تَقومُ﴾.

وهنا معنى ينبغي ألا يمر سريعًا؛ لأن التسبيح في قلب البلاء ليس كلمة تضاف إلى الصبر فحسب، بل هو حراسة لمعرفة القلب بربه.

حين يطول الطريق، قد يبدأ وجعك في تفسير الله لك، فيقول:

لو كان الله يراك لما طال هذا.
لو كان الله يريد بك خيرًا لما حدث كذا.
لو كان الله قد قبل دعاءك لرأيت ما طلبت.

وهنا يأتي التسبيح ليمنع الألم من أن ينسب إلى الله ما لا يليق به.

سبح ربك.

نزهه عن ظنون يصنعها ضيقك. لا تجعل تأخر ما تحب دليلًا على أن الله أهملك، ولا تجعل عدم فهمك للحكمة اتهامًا للحكمة، ولا تجعل ضيق رؤيتك مقياسًا لسعة علم الله.

وسبح بحمد ربك.

لا تنتظر حتى تنتهي القصة كي تحمده، ولا تجعل الحمد مكافأة تقدمها لله فقط حين تأتي النتائج كما أردت.

اعرفه في الطريق، واعبده في الطريق، وارجع إليه في الطريق.

ليس لأن الألم جميل، ولا لأن المؤمن لا يحزن، ولا لأن عليك أن تتظاهر بأن كل شيء سهل، بل لأن الله يبقى ربك حتى في اليوم الذي لا تفهمه.

ويبقى عليمًا حين تضيع منك الإجابات، ويبقى حكيمًا حين لا ترى وجه الحكمة، ويبقى رحيمًا، من غير أن يكون لك أن تدعي أنك عرفت المقصد الخاص من كل ما أصابك.

حين ينضج الصبر

وهنا ينضج الصبر.

ليس حين تتوقف عن الوجع، بل حين لا تجعل الوجع يعرّف لك الله.
ليس حين تعرف النهاية، بل حين لا يصبح جهلك بالنهاية سببًا لسوء ظنك بربك.
ليس حين تختفي الأسئلة كلها، بل حين تعرف أين تضع أسئلتك وأنت ما زلت لا تملك أجوبتها.

فإذا طال عليك الطريق يومًا، فلا تطلب من قلبك بطولة ليست فيه، ولا تقل لنفسك: يجب ألا أتعب. ولا: لو كان يقيني صحيحًا لما حزنت.

إنما راقب شيئًا أدق:

ماذا يقول لك تعبك عن الله؟

هنا موضع المعركة.

قد تكون متعبًا، ومع ذلك حسن الظن بالله باقٍ. وقد تكون باكيًا، ومع ذلك لم تخرج من باب العبودية. وقد تكون خائفًا مما سيأتي، لكنك لم تجعل خوفك شاهدًا على أن الله تركك.

هذا هو الموضع الذي ينبغي أن تحرسه؛ لأن الشيطان قد لا يستطيع أن ينزع منك أصل الإيمان، لكنه يحاول أن يفسد عليك معرفتك بربك من داخل الألم.

فيقول لك:

لو كنت محبوبًا لما طال هذا.
لو كان الله يريد بك خيرًا لانتهى الأمر.
لو كان دعاؤك مقبولًا لرأيت ما طلبت.

فتأتي الآية لتقطع هذا الطريق:

﴿وَاصبِر لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعيُنِنا﴾.

لا تجعل طول الطريق يكتب لك قصة لم يخبرك الله بها. لا تجعل التأخر دليلًا على الترك، ولا تجعل الصمت الذي تشعر به حكمًا على عناية الله.

يكفيك في هذه اللحظة ألا تعرف كل شيء، لكن لا تنس الحقيقة الكبرى:

أن ربك يعلم أين أنت.

ثم قم، وسبحه، واحمده، وادعه، وابك إن احتجت أن تبكي، وامض بما تستطيع من يومك.

ولا تطالب نفسك بأن ترى نهاية الطريق حتى تخطو خطوتك التالية.

فلعل من أصدق صور العبودية أن تقول في قلبك:

يا رب، لا أعرف ماذا سيحدث، ولا متى يتغير هذا، ولا لماذا طال الطريق إلى هذا الحد.

لكني أعرف أنني لست خارج علمك، وأعرف أن جهلي لا يحيط بحكمتك، وأن ضعفي لا يخرجني من عبوديتك.

وسأحاول أن أصبر لحكمك…

لا لأن الطريق أصبح واضحًا، ولا لأنني ضمنت النهاية التي أريدها، بل لأنك ربي.

﴿وَاصبِر لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعيُنِنا﴾.

تعليقات

عدد التعليقات : 0