ألا يكفيك أن الذي اختار لك ما أنت فيه هو الله رب العالمين؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

ربما أتعبك ما أنت فيه لأنك لا تراه إلا من جهتك أنت. ترى الباب الذي أغلق، والدعاء الذي طال، والشيء الذي حاولت إصلاحه فلم يصلح، والطريق الذي حسبته قصيرًا، فإذا بك تمشي فيه أعوامًا، وترى الناس وقد عبروا من أماكن ما زلت واقفًا عندها.

ثم تسأل: لماذا أنا هنا؟ ولماذا بهذه الصورة؟ ولماذا إلى الآن؟

طريق جبلي يختفي في ضباب الفجر، وبوصلة نحاسية على صخرة في المقدمة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

من الذي قدّر أن أكون هنا؟

لكن هناك سؤال آخر، إذا دخل القلب تغيّر به معنى البلاء كله: من الذي قدّر أن أكون هنا؟

ليس القدر ورقة سقطت من السماء بلا صاحب، وليس ما أصابك حادثًا خرج عن تدبير الله ثم وجدت نفسك مضطرًا للتعايش معه. قبل أن يصل إليك هذا اليوم، كان معلومًا عند الله. وقبل أن يُغلق هذا الباب، كان الله يعلم أنك ستقف أمامه. وقبل أن يتأخر ما طلبته، كان يعلم عدد الليالي التي ستسأله فيها عنه. وقبل أن تقول: «لم أعد أفهم»، كان يعلم اللحظة التي سيصل فيها عقلك إلى نهاية تفسيراته، ويبقى قلبك وحده أمام ربه.

وهنا تبدأ عبادة لا يعرفها من لا يريد من الله إلا أن يشرح له كل شيء: عبادة أن تثق بمن قدّر، حتى حين لا تفهم ما قدّر.

حين تعرف مَن ولا تعرف لماذا

نحن كثيرًا ما نقول: سأطمئن إذا عرفت الحكمة، إذا فهمت لماذا حدث هذا، إذا رأيت ماذا عوّضني الله، إذا عرفت من أي شر نجّاني، إذا ظهرت لي الخاتمة.

لكن ماذا لو أراد الله أن ينقلك إلى منزلة أعمق من ذلك كله؟ ماذا لو لم تكن الطمأنينة هذه المرة في أن تعرف لماذا فعل الله، بل في أن تعرف من هو الله؟

فالعبد في أول الطريق يفتش عن تفسير للقدر. أما حين يزداد معرفة بربه، يبدأ شيء آخر في قلبه: يصبح اسم الله عنده جوابًا، حتى حين لا يجد جوابًا للتفاصيل. يقول:

لا أعرف لماذا تأخر هذا الأمر، لكنني أعرف الله.

لا أعرف لماذا ذهبت الأمور في الاتجاه الذي كنت أخشاه، لكنني أعرف الله.

لا أعرف كيف سيخرج من هذا كله خير، لكنني أعرف أن الذي يدبّره هو الله.

وهذه ليست عبارة تُقال لإسكات الألم، بل معرفة تعيد ترتيب العلاقة كلها بينك وبين ما أصابك. لأن أشد ما يخيف الإنسان في الطريق المجهول ليس الطريق نفسه، بل شعوره أنه بين يدي مجهول.

أما أنت فلست بين يدي مجهول. أنت بين يدي ربك، ربك الذي يعلم ما لا تعلم، ويرى آخر الطريق وأنت لا ترى إلا خطوتك، ويعلم ما يصلح لقلبك ودينك وحياتك، بينما قد ترى أنت شيئًا واحدًا فقط وتظن أن نجاتك كلها محصورة فيه.

هل كنت أريد اختيار الله أم اختياري؟

قد تقول: لكنني دعوت. نعم، وقد يكون من أعظم ما يختبره الإيمان أن تدعو الله أن يختار لك شيئًا، ثم تأتيك الأيام على غير الصورة التي كنت تنتظرها.

هنا يظهر السؤال الخفي في القلب: هل كنت أريد اختيار الله حقًا؟ أم كنت أريد أن يختار الله اختياري أنا؟ فرق كبير.

أن تقول: «يا رب اختر لي»، ثم لا ترضى إلا إذا جاء اختيار الله مطابقًا لخريطتك، ليس هو التسليم الكامل. التسليم يبدأ حين تأتي صفحة لم تكتبها أنت، وحين يتغير الطريق الذي رسمته، وحين لا تأتي الإجابة في الموضع الذي كنت تحدق فيه. فتقول، وقلبك يتعلم بصعوبة:

يا رب، إن كنت قد سلّمتك أمري، فلا يليق بي أن أطالبك بعد ذلك أن تدبّره كما كنت سأدبّره أنا.

الثقة بالله لا تلغي الألم

وهذا لا يعني ألا تحزن، ولا أن تتوقف عن الدعاء، ولا أن يصبح الألم جميلًا، ولا أن تحب كل ما وقع لك. فالرضا عن الله لا يعني أن تتحول الجراح إلى أشياء محبوبة.

قد تبكي، وتتمنى الفرج، وتدعو أن يتغير واقعك، وتطرق كل باب مباح، ومع ذلك يكون في أعمق نقطة في قلبك شيء ثابت لا يهتز: أنك لا تتهم الله في تدبيره. وهذه منزلة عظيمة: أن تتألم دون أن تسيء الظن، وأن تتمنى غير ما أنت فيه دون أن تقول في داخلك إن الله أخطأ الطريق بك، وأن تسأل الله الخروج وأنت مطمئن إليه حتى قبل أن يفتح لك المخرج. أن تقول:

يا رب، أنا لا أحب هذا الألم، لكنني أحبك.

لا أفهم هذه الصفحة، لكنني أثق بكاتبها.

لا أعرف لماذا أبقيتني هنا، لكنني أعلم أنك لم تنسني هنا.

حين ترى البلاء مع الله

وهنا يحدث شيء عجيب. قد يبقى الواقع كما هو، لكن يتغير موضعه في قلبك. كان البلاء في البداية واقفًا بينك وبين الله؛ تسأل الله كل يوم أن يزيله حتى تستطيع أن تطمئن. ثم تنضج المعرفة بالله شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الله واقفًا بينك وبين البلاء. فتنظر إلى البلاء من خلف معرفتك بالله، لا إلى الله من خلف ألمك.

وهنا يخف سلطان الأشياء عليك، لا لأنها انتهت، بل لأنك لم تعد تراها وحدها. ترى معها رب العالمين. وحين ترى رب العالمين، تصغر أمام عظمة تدبيره أشياء كانت تملأ الأفق كله. ليس لأن ديونك وهم، ولا لأن مرضك هين، ولا لأن الفقد لا يوجع، ولا لأن الانتظار قصير، بل لأنك أدركت فجأة أن القضية أكبر من هذا كله: أنا عبد في ملك الله، يمضي بي ربي في طريق يعلمه، وأنا لا أرى منه إلا موضع قدمي.

فلماذا أشترط أن أرى الخريطة كلها كي أثق بمن يمسكني؟

الطفل قد يبكي حين يأخذه أبوه من مكان يحبه؛ لأنه لا يعرف إلى أين يذهب به. لكن الفرق بينك وبين الطفل أعظم: أنت لا تسلّم نفسك إلى بشر محدود، أنت تسلّم أمرك إلى الله رب العالمين، إلى من لا يخفى عليه شيء مما كان، ولا مما يكون، ولا مما كان سيكون لو جرت الأمور على غير ما جرت.

فإذا كان هو الذي يعلم الصورة كلها، وأنت لا ترى إلا مشهدًا واحدًا منها، فأي الطرفين أولى بأن يسلّم للآخر؟

أن تعرف من الذي اختار

وهنا قد يصل القلب إلى كلمة لم يكن قادرًا على قولها في بداية البلاء:

يا رب، لم أعد أطلب أن أفهم كل شيء كي أرضى بك.

إن كشفت لي الحكمة حمدتك، وإن لم تكشفها، فأنت الله أيضًا.

إن فتحت الباب حمدتك، وإن أبقيته مغلقًا زمنًا آخر، فلن أجعل الباب المغلق يحجبني عنك.

إن أعطيتني ما سألت، فهو فضلك. وإن جرى قدرك على غير ما تمنيت، فلن أبحث عن رب آخر أثق به؛ لأنك أنت رب العالمين.

وربما هذه هي الكلمة التي يحتاجها قلبك الليلة: ليس مطلوبًا منك أن تفهم كل ما يفعله الله في حياتك، ولا أن تجد لكل وجع تفسيرًا، ولا أن تكتشف الحكمة من كل تأخير، ولا أن تقنع نفسك بأن ما فقدته سيعود بصورة أجمل حتى تستطيع أن تهدأ.

قد تأتيك بعض الإجابات، وقد لا تأتي. لكن هناك حقيقة واحدة إذا امتلأ بها القلب حملته حين تسقط بقية التفسيرات: أن الذي قدّر ما أنت فيه ليس غافلًا عنك، ولا جاهلًا بحالك، ولا عاجزًا عن تغييره.

إنه الله.

وهنا يقف العقل قليلًا، ويسكن القلب قليلًا، ثم يقول لنفسه: إذا كان الذي اختار لي هذا الموضع هو رب العالمين، فربما لا يلزمني أن أعرف كل ما وراء اختياره الآن. ربما يكفيني أن أعرف من الذي اختار.

ومن عرف من يدبّر أمره، لم يحتج في كل مرة أن يرى الخطة كاملة حتى يطمئن.

وربما كان بعض أصدق الحمد أن تقول في يوم لم يحدث فيه ما أردت:

الحمد لله أن الأمر لم يكن إليّ وحدي.

تعليقات

عدد التعليقات : 0