تخيّل أنك تجلس بين مجموعة من الناس، فيُوجَّه إليك سؤال لا تعرف إجابته. قد يكون سؤالًا في الدين، أو في مسألة من مسائل الحياة، أو في موضوع يتحدث عنه الجميع. وأنت لا تعرف الجواب.
لكن شيئًا في داخلك يجعلك تتردد قبل أن تقول: «لا أعرف». تخشى أن يظنوا أنك قليل المعرفة، أو أن تتغير نظرتهم إليك، أو أن تفقد شيئًا من المكانة التي اعتدت أن تراها لنفسك في أعينهم.
فتبدأ في البحث عن إجابة. ليس في الكتب، ولا عند أهل العلم، ولا في مصدر موثوق.
بل في رأسك.
تحاول أن تجمع ما سمعته من قبل، وما تظن أنك تتذكره، وما يبدو لك معقولًا، ثم ترتب ذلك كله في كلام يبدو واثقًا. وربما تخرج منك الإجابة، فيستمع الناس إليها، ويهز بعضهم رأسه موافقًا، ويمضي الحديث.
فتشعر بالارتياح. لقد تجاوزت الموقف دون أن تقول: «لا أعرف».
لكن هل سألت نفسك يومًا: ما الذي تجاوزته حقًّا؟ وهل نجوت من الحرج، أم أنك هربت من حرج صغير إلى مسؤولية أعظم؟
لقد كنت تخشى أن يعرف الناس حدود علمك، حتى نسيت أن الله يعلم حقيقة ما في قلبك.
وهنا تبدأ مسألة أعمق بكثير من مجرد إجابة عن سؤال. إنها مسألة الصدق مع النفس. ومسألة المكانة التي نعطيها لنظرة الناس إلينا. ومسألة الكلمة التي نخرجها من أفواهنا، ثم نمضي وكأنها انتهت بمجرد أن سكتنا.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين تصبح صورتك أمام الناس أهم من الحقيقة
- لماذا يصعب علينا الاعتراف بالخطأ بعد أن نتكلم؟
- الكلمة التي لا تنتهي حين تنطق بها
- قد تظن أنك صغرت… بينما انتصرت على شيء خفي في نفسك
- وما الذي يحدث للآخرين حين لا نعترف بأننا لا نعرف؟
- لست مطالبًا بأن تعرف كل شيء
- جرّب أن تراقب قلبك قبل أن تجيب
- لا تجعل حاجتك إلى احترام الناس تفسد احترامك للحقيقة
حين تصبح صورتك أمام الناس أهم من الحقيقة
ليس الإنسان مضطرًا إلى أن يعرف كل شيء. ولا يستطيع ذلك أصلًا. مهما قرأ، وتعلّم، وخاض من التجارب، ستبقى أمامه أمور يعرفها، وأمور يجهلها، وأمور يظن أنه يعرفها ثم يكتشف أنه كان مخطئًا فيها. وهذا من طبيعة الإنسان.
لكن المشكلة لا تبدأ حين يجهل شيئًا. المشكلة تبدأ حين يعجز عن الاعتراف بجهله، فيستعير لنفسه علمًا لا يملكه.
تأمل هذا الفرق. إنسان يقول: «لا أعرف». وإنسان يقول كلامًا لا يعلم صحته، لكنه يقدمه للناس كما لو كان حقيقة ثابتة.
الأول لم يزد على أن كشف حدود معرفته. أما الثاني فقد أضاف إلى جهله أمرًا آخر: أنه جعل غيره يثق بما لا يملك عليه دليلًا.
وقد يحدث ذلك دون أن يقصد الإضرار بأحد. إنه يريد فقط أن يبدو عارفًا. لكن حسن الصورة التي يريدها لنفسه لا يجعل الكلام الذي قاله صحيحًا. ورغبته في ألا ينقص قدره عند الناس لا تعفيه من مسؤولية ما ينسبه إلى الحقيقة.
وهنا سؤال يستحق أن يقف الإنسان عنده طويلًا:
متى أصبح الحفاظ على صورتك أمام الناس أهم عندك من الحفاظ على صدقك أمام الله؟
أليس عجيبًا أن نخشى لحظة صمت أمام إنسان، ولا نستحضر بما يكفي مسؤولية كلمة قد نُسأل عنها بين يدي الله؟ أن نهتم بما سيظنه السائل فينا إذا اعترفنا بعدم المعرفة، ولا نهتم بالقدر نفسه بما نتحمله حين نجعله يطمئن إلى جواب لا نعلم صحته؟
إنها ليست دائمًا مشكلة في المعلومات التي نملكها. بل قد تكون مشكلة في الشيء الذي نريد حمايته داخل نفوسنا.
نريد أن تبقى صورتنا مكتملة. أن يظل الناس يروننا قادرين على الإجابة. أن نكون الشخص الذي يعرف، ويفهم، ويشرح، ويصحح للآخرين.
حتى إذا جاء سؤال يكشف لنا أننا لا نعرف، لم نستطع أن نتقبّل هذه الحقيقة البسيطة.
وكأن قيمتنا كلها أصبحت معلقة بإجابة!
لماذا يصعب علينا الاعتراف بالخطأ بعد أن نتكلم؟
قد تكون أول إجابة قلتها بغير علم زلة عابرة. لكن الاختبار الأشد قد يأتي بعد ذلك.
حين يبيّن لك أحدهم أن كلامك غير صحيح. حين يعرض عليك دليلًا يخالف ما قلت. حين تكتشف أنك نقلت معلومة ناقصة، أو بنيت رأيك على فهم غير دقيق.
هنا تصبح أمام طريقين. إما أن تقول: «أخطأت، ولم أكن أعلم». وإما أن تبدأ في الدفاع عن كلامك.
قد تغيّر معنى عبارتك، أو تبحث عن تفسير بعيد، أو تتمسك بجزء صغير مما قلت لتوحي بأنك لم تكن مخطئًا تمامًا. وربما يطول النقاش، لا لأن الحقيقة لا تزال مجهولة، بل لأنك لا تريد أن يراك الناس متراجعًا.
تأمل ما حدث! في البداية كنت تريد أن تعرف الجواب. ثم أصبحت تريد أن تثبت أنك كنت تعرفه منذ البداية.
وفي هذه اللحظة قد يتحول السؤال من: «ما الحق؟» إلى: «كيف أثبت أنني على حق؟».
وهذا تحول خطير على القلب. لأن الإنسان قد يبدأ مدافعًا عن فكرة يظنها صحيحة، ثم ينتهي مدافعًا عن نفسه، ولو ظهر له خطأ الفكرة.
وليس كل من تمسك برأيه متكبرًا، فقد تكون له حجة لم يفهمها غيره، وقد يكون الخلاف معتبرًا.
لكن الإنسان يستطيع أن يفتش في قلبه عن أمر لا يراه الناس:
هل أنا متمسك بهذا القول لأن الدليل ما زال يقنعني به؟ أم لأن الاعتراف بخطئي يؤلمني أكثر من بقائي عليه؟
ذلك سؤال لا ينبغي أن نجيب عنه بسرعة. فربما اكتشفنا أن بعض ما نسميه ثباتًا على الرأي ليس إلا خوفًا من أن تتغير صورتنا أمام الآخرين.
وأن بعض ما نسميه قوة شخصية ليس إلا عجزًا عن قول كلمة واحدة: «كنت مخطئًا».
الكلمة التي لا تنتهي حين تنطق بها
تأمل ما يقوله الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
ما أعظم هذا التوجيه! لا تتبع ما ليس لك به علم. ليست المسألة مجرد أن تكون معلوماتك صحيحة حتى تظهر بمظهر الإنسان المثقف. بل إن السمع والبصر والفؤاد مسؤول عنها صاحبها.
ما الذي سمعتَه؟ وما الذي تحققت منه؟ وما الذي بنيت عليه حكمك؟ وما الذي دفعك إلى الكلام؟
إنها مسؤولية تتجاوز شكل الإجابة إلى الأمانة التي ينبغي أن يحملها الإنسان في تعامله مع ما يعرف وما لا يعرف.
وقد تزداد هذه المسؤولية حين يكون الكلام في دين الله. فمن أخطر ما يمكن أن يعتاده الإنسان أن يتحدث عن الحلال والحرام، أو ينسب إلى الله حكمًا، أو يطمئن أحدًا إلى صحة عبادة، أو يحذره من أمر على أنه محرّم، وهو لا يملك علمًا يؤهله لذلك.
وقد قال الله تعالى في جملة ما حرّم:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
فتأمل كيف يصبح الامتناع عن جواب لا تعرفه عبادةً تتصل بمراقبة الله وحفظ اللسان. ليس لأنك تجهل فتُمدح على الجهل. بل لأنك تعرف أنك لا تعلم، فتأبى أن تجعل ظنك علمًا، أو أن تنسب إلى دين الله ما لم يثبت عندك.
وهنا لا تكون عبارة «لا أعرف» مجرد اعتراف بنقص المعرفة. بل قد تكون تعبيرًا صادقًا عن تعظيمك لله. عن خوفك من أن تقول عليه بغير علم. وعن إدراكك أن رضا الله أولى من إعجاب الناس بك.
قد تظن أنك صغرت… بينما انتصرت على شيء خفي في نفسك
تخيل إنسانًا اعتاد أن يرجع الناس إليه بالسؤال. كلما احتاج أحدهم إلى رأي، سأله. وكلما اختلف اثنان، طلبا منه الترجيح. ومع مرور الأيام أصبحت له مكانة يحبها، وربما لم ينتبه إلى مقدار تعلق قلبه بها.
ثم جاءه يومًا سؤال لا يعرف جوابه. فشعر بالرغبة المعتادة في أن يجيب. لكنه هذه المرة توقف. وفكر في الأمر. ثم قال ببساطة:
«لا أعرف، ولا أريد أن أقول لك شيئًا لم أتحقق منه».
ربما لم يحدث شيء عظيم في نظر الحاضرين. مجرد سؤال، وجواب قصير، ثم انتهى الموقف.
لكن ماذا لو كان هذا الإنسان قد انتصر في داخله على رغبة ظلّت تقوده سنوات؟
رغبة ألا يظهر ناقص المعرفة. رغبة ألا يراجعه أحد. رغبة أن يظل أكبر من أن يُسأل سؤالًا يعجز عن جوابه.
لقد خسر لحظة كان يستطيع فيها أن يبدو عالمًا. لكنه حفظ شيئًا أعظم من ذلك المظهر.
حفظ صدقه.
وقد تكون كلمة «لا أعرف» صغيرة على اللسان، لكنها ثقيلة على نفس اعتادت أن تجعل قيمتها فيما تعرفه، لا فيما تصدق فيه. وهذا هو التواضع الذي يستحق أن نتأمله.
ليس التواضع أن يتعمد الإنسان التقليل من نفسه أمام الناس، أو أن ينكر ما آتاه الله من علم وقدرة. وليس أن يمتنع عن الإجابة حين يعلم الحق ويحتاج الناس إلى بيانه.
ولكنه أن يعرف قدر نفسه دون ادعاء. أن يتحدث بعلم حين يعلم. وأن يسأل حين يجهل. وأن يتراجع حين يتبين له خطؤه. وألا يجعل اعترافه بحدود معرفته إهانة لكرامته.
فالكرامة لا تحتاج إلى الادعاء حتى تبقى محفوظة. والإنسان لا يصبح أقل صدقًا لأنه لا يعرف كل شيء. إنما يضعف صدقه حين يعرف أنه لا يعلم، ثم يتكلم بلسان الواثق.
وما الذي يحدث للآخرين حين لا نعترف بأننا لا نعرف؟
ربما تظن أن المسألة تخصك وحدك. أنك أجبت عن سؤال وانتهى الأمر. لكن الكلمة قد لا تتوقف عند حدود المجلس الذي قيلت فيه.
قد يسمع منك إنسان معلومة فينقلها إلى غيره. وقد يعتمد أحدهم على جوابك في اتخاذ قرار مهم.
وقد تُنشر عبارة قلتها على عجل، فيقرؤها أناس لا يعرفون أنك لم تكن متأكدًا منها. وقد يسألك شخص عن مسألة دينية لأنه يثق بك، فيعمل بما تقول، وأنت لم تكن تملك من العلم ما يسوّغ لك الإجابة.
وهنا يظهر وجه آخر من أمانة الكلمة. ليس من حقك أن تجعل ثقة الناس بك وسيلة لتمرير ما لا تثق أنت بصحته.
تأمل ذلك جيدًا. قد يكون السائل أمامك صادقًا في طلب المعرفة. لا يريد اختبارك، ولا يبحث عن عيب فيك. إنه يسأل لأنه لا يعلم.
فلماذا يكون خوفك على صورتك سببًا في أن تزيد جهله بدل أن تعينه على الخروج منه؟ ولماذا تحرجك الحقيقة التي تقول فيها: «لا أعرف»، ولا يحرجك احتمال أن تترك في نفسه اعتقادًا خاطئًا؟
إن الصدق في هذه اللحظة ليس شأنًا شخصيًا فقط. بل هو حفظ لحق السائل أيضًا. ومن الأمانة ألا تعطي الناس درجة من اليقين أكبر مما تملكه.
فإن كنت تعلم، فتكلم بعلم. وإن كنت ترجّح، فبيّن أنك ترجّح. وإن كنت تشك، فلا تجعل شكك حقيقة. وإن كنت لا تعرف، فلا تجعل حاجتك إلى الظهور سببًا في تضليل من وثق بك.
وإذا كنت قد أخطأت، ثم تبين لك الخطأ، فاحرص على تصحيحه، ولا تجعل الحرج يمنعك من الرجوع إلى الحق.
لست مطالبًا بأن تعرف كل شيء
هناك معنى قد يريح قلبك إذا استقر فيه. أنت لا تحتاج إلى أن تكون الشخص الذي يملك جوابًا عن كل سؤال. ولا إلى أن تثبت للناس في كل مجلس أنك أوسعهم معرفة. ولا إلى أن تجعل كل نقاش فرصة لإظهار ما عندك.
إنما تحتاج إلى أن تكون صادقًا فيما تقول. وأن تتعلم ما تجهل. وأن تحفظ لسانك من ادعاء العلم.
وقد أرشد الله تعالى إلى سؤال أهل العلم عند الجهل، فقال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
فليس الاعتراف بعدم المعرفة نهاية الطريق. بل قد يكون بدايته الصحيحة.
حين تقول: «لا أعرف»، تستطيع بعد ذلك أن تبحث. أن تسأل. أن تقرأ. أن تتثبت. أن تنتقل من ظن مضطرب إلى معرفة أكثر رسوخًا.
أما حين تقنع نفسك بأنك تعرف ما تجهله، فقد تغلق على نفسك باب التعلم وأنت لا تشعر.
لأنك ما دمت تخشى الاعتراف بالنقص، فكيف ستسعى إلى استكماله؟ وما دمت تعتبر التصحيح إهانة، فكيف ستنتفع بمن يصحح لك؟ وما دمت ترى التراجع هزيمة، فكيف ستفرح حين يظهر لك الحق بعدما خفي عليك؟
إن الإنسان الذي يستطيع أن يقول «لا أعرف» دون أن تنكسر نفسه، قد تحرر من عبء ثقيل. عبء أن يكون دائمًا على صواب. عبء أن يسبق الجميع إلى الجواب. عبء أن يحرس صورته في كل حديث.
وليس معنى ذلك ألا يجتهد في تحصيل العلم، بل أن يصبح طلبه للعلم أصدق؛ لأنه لم يعد محتاجًا إلى التظاهر بامتلاك ما لم يتعلمه بعد.
جرّب أن تراقب قلبك قبل أن تجيب
في المرة القادمة التي يسألك فيها أحدهم سؤالًا، وأنت غير متأكد من جوابه، لا تنشغل فقط بما ستقوله. انتبه إلى ما يحدث في داخلك.
هل تخشى أن تقول «لا أعرف»؟ ولماذا؟ هل لأن السائل يحتاج إلى جواب عاجل؟ أم لأنك لا تريد أن تتغير نظرته إليك؟
هل تحاول الوصول إلى الحقيقة؟ أم تبحث عن عبارة تحافظ بها على مكانتك؟
لا تحتقر هذه الأسئلة. فهي قد تكشف لك شيئًا من نفسك لم تكن منتبهًا إليه. وربما كان إصلاح هذا الشيء أعظم أثرًا في قلبك من حفظ عشرات الإجابات.
تعلّم أن تقول:
«لا أعلم».
«لا أستطيع الجزم».
«هذه معلومة سمعتها، لكنني لم أتحقق من صحتها».
«كنت أظن ذلك، ثم تبين لي أنني أخطأت».
قلها حيث تكون هي الحقيقة. لا خجلًا من نفسك، ولا ازدراءً لقدرك، بل احترامًا للأمانة التي تحملها.
وتذكر أن الناس قد ينسون السؤال الذي عجزت عن إجابته، وقد ينسون اعترافك بأنك أخطأت. لكن الأهم من ذلك كله ألا تعوّد قلبك أن يتنازل عن الصدق كلما خاف على مكانته.
فإنك لا تستطيع التحكم في كل ما يظنه الناس عنك. لكن تستطيع أن تجاهد نفسك حتى لا تجعل ظنونهم هي التي تقرر ما يخرج من لسانك.
لا تجعل حاجتك إلى احترام الناس تفسد احترامك للحقيقة
ربما أمضيت سنوات تحاول أن تكون في أعين الناس إنسانًا يفهم كل شيء. وربما أحببت أن يُشار إليك بأنك صاحب رأي، وصاحب معرفة، وصاحب إجابة.
ولا حرج في أن يحب الإنسان أن ينفعه الله بما علّمه، أو أن تكون لكلمته منزلة بسبب صدقها وحسنها.
لكن انتبه. لا تجعل حبك لهذه المنزلة يتحول إلى خوف من فقدانها، ثم يتحول هذا الخوف إلى جرأة على الكلام فيما لا تعلم.
فما قيمة أن تظل كبيرًا في أعين الناس إذا كنت في كل مرة تحمي تلك الصورة تتنازل عن شيء من أمانة الكلمة؟ وما الذي تربحه حقًّا حين يظن أحدهم أنك تعرف، وأنت تعلم من نفسك أنك كنت تتظاهر بالمعرفة؟
إنك قد تخدع سامعك لبعض الوقت. وقد يمدحك. وقد يرجع إليك مرة أخرى.
لكن هل تستطيع أن تجعل قلبك لا يعرف حقيقة ما فعلت؟ وهل تخفى هذه الحقيقة على الله؟
إن الذي يعلم سرك وعلانيتك لا يحتاج إلى إجابة متقنة الصياغة ليميز صدقك من ادعائك. وإن الذي رزقك ما عندك من علم لا يليق بك أن تجعل نعمته سببًا للترفع عن الاعتراف بما تجهل.
فلا تجعل رغبتك في أن يراك الناس عالمًا أعظم من رغبتك في أن تكون عند الله صادقًا.
قد لا تعرف الجواب اليوم. وقد تتعلمه غدًا. وقد يفتح الله لك من العلم ما لم يكن عندك. وقد تظل هناك مسائل لا تعرفها مهما تقدمت بك الأيام.
وليس هذا هو ما ينبغي أن يقلقك. إنما الذي يستحق أن تخاف منه أن يصبح الجهل أهون عليك من الاعتراف به، وأن تصبح خسارة الحق أيسر عندك من خسارة مظهر الصواب.
فليس كل من أجاب قد أحسن. وليس كل من سكت قد عجز. وليس كل من تراجع قد انهزم.
قد يكون انتصارك الحقيقي في تلك اللحظة التي كان يمكنك فيها أن تدافع عن صورتك، فاخترت أن تدافع عن الحقيقة، ولو كان ذلك باعترافك أنك لا تعرف.
وحين تصل إلى هذه المنزلة من الصدق، لن تحتاج إلى أن تكون أعلم الناس حتى تطمئن إلى قيمتك. يكفيك أن تعرف أن العلم أمانة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن الصدق لا يفقد قيمته حين يكشف نقصك.
بل لعل من أعظم ما تتعلمه في رحلتك مع المعرفة أن تستطيع الوقوف أمام الناس، دون خوف من حقيقتك، فتقول:
«هذا ما أعلمه، وأما ما لا أعلمه، فلا أحب أن أتكلم فيه بغير علم».
ثم تمضي مطمئنًا. لا لأنك أجبت عن كل سؤال.
بل لأنك لم تبع صدقك من أجل إجابة.
اللهم ارزقنا قلوبًا تحب الحق أكثر من حبها للظهور، وألسنةً تصدق فيما تقول، ونفوسًا لا تستكبر عن الاعتراف بالخطأ، ولا تستحيي من طلب العلم.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا، وأعذنا من أن نقول عليك بغير علم، أو أن نضلّ أحدًا بجهلنا، أو أن تمنعنا نفوسنا من الرجوع إلى الحق إذا ظهر لنا.
اللهم طهّر قلوبنا من الكبر والرياء، واجعلنا ممن يعرفون قدر أنفسهم، ويعظمون أمانة الكلمة، ويؤثرون رضاك على إعجاب الناس.
واجعلنا صادقين معك في السر والعلن، متواضعين إذا علمنا، ومتعلّمين إذا جهلنا، راجعين إلى الحق إذا أخطأنا.
آمين يا رب العالمين.