يقول شخص لا تستسيغه كلمةً تعرف في أعماقك أنها صحيحة.
تكاد توافقه.
لكن ملامحه تعبر أمام المعنى، وتتقدّم خصومتك معه على حجته، فينقبض صدرك، ويبدأ عقلك على الفور في البحث عن ثغرة، أو تأويل، أو نية خفية تنقذك من الاعتراف بأنه أصاب.
لم يتغير الكلام.
ولم يضعف الدليل.
كل ما حدث أن الحقيقة جاءت هذه المرة من فم لا تحبه.
وهنا يظهر سؤال لا تحب النفس أن تواجهه:
هل ترفض هذا القول لأنه باطل حقًّا… أم لأن الاعتراف بصحته سيمنح قائله انتصارًا لا يحتمله كبرياؤك؟
نحن ندّعي، في مجالسنا وحواراتنا الهادئة، أننا عشّاق للحقيقة، وأننا نتبع الصواب حيثما ظهر، وننحني للدليل مهما كان مصدره.
نظن أن عقولنا محاكم عادلة لا تنظر إلا في الحجج والبراهين.
لكن ما إن ينطق شخص لا نستسيغه بكلمة حق، حتى تُعلَن حالة الطوارئ في داخلنا.
فجأة، تتوقف عقولنا عن فحص «ما قيل»، وتتفرغ لتشريح «مَن قال».
لا نفتح حقيبة الفكرة لنتفقد ما فيها من صواب أو خطأ، بل نطلب أولًا هوية حاملها، ونراجع سجلّه القديم، وانتماءه، ونبرة صوته، وتاريخ خصومتنا معه.
فإن كان من دائرتنا، أو ممن نميل إليهم، مرّت كلماته عبر جمارك الأنا بسلام، ولو كانت هشة أو مضطربة.
وإن كان خصمًا أو منافسًا أو شخصًا لا نرتاح إليه، استنفرنا كل طاقاتنا النقدية، وفتشنا في كل لفظ، وضيّقنا عليه منافذ التأويل، وصادرنا فكرته قبل أن ننظر فيها.
نحن هنا لا نرد الباطل لأنه باطل.
بل قد نرد الحق لأنه يحمل توقيع شخص نكرهه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
عين الرضا وعين السخط
إذا أخطأ من نحب، التمسنا له الأعذار، ورممنا عباراته، وأكملنا ما نقص من كلامه، وقلنا:
لم يقصد ظاهر كلامه.
لعله أراد كذا.
ينبغي أن نحسن الظن به.
فنحن لا نزن الكلمة وحدها، بل نحيطها بمحبتنا لقائلها حتى تبدو أجمل مما هي عليه.
لكن إذا نطق من نختلف معه بالحقيقة نفسها، تغيّر الميزان.
نفتش عن دوافعه، ونستحضر تاريخه، ونقول:
لماذا قالها الآن؟
ماذا يريد من ورائها؟
إنها كلمة حق أُريد بها باطل.
وقد يكون هذا الاحتمال صحيحًا أحيانًا، فقد يستعمل الإنسان كلامًا صحيحًا ليصل به إلى مقصد فاسد، لكن فساد مقصده لا يحوّل الكلام الصحيح في ذاته إلى باطل، كما أن صحة بعض كلامه لا تزكّيه في كل شيء.
المشكلة تبدأ حين نستعمل الشك في النيات ذريعةً للهروب من قوة الحجة.
فنصنع من خطأ الحبيب صوابًا لنحفظ صورته، ونحوّل صواب الخصم إلى خطأ كي لا نضطر إلى إنصافه.
وهنا لا نكون قد نصرنا الحقيقة، بل جعلنا الحقيقة خادمةً لعواطفنا؛ نقبلها حين توافق انتماءنا، ونطردها حين تجرح كبرياءنا.
مأساة العطشان الذي يرفض الماء
تخيّل رجلًا يكاد يهلك من العطش في صحراء قاحلة.
تشققت شفتاه، وخارت قواه، وأصبح بينه وبين الهلاك خطوات.
ثم جاءه رجل يمقته، ومدّ إليه كأسًا من ماء بارد نقي.
العطش لا يعرف الخصومات.
والجسد لا يسأل عن تاريخ اليد التي تحمل الماء.
لكن كبرياء الأنا قد يدفع ذلك العطشان إلى سكب الماء على الرمال، مفضّلًا أن يظل ظمآن على أن يُسجَّل لخصمه فضل إنقاذه.
قد يتوهّم أنه عاقب خصمه برفض الكأس، لكنه في الحقيقة لم يعاقب إلا نفسه.
وهكذا نفعل مع الحكمة.
نرفض النصيحة النافعة لأننا لا نحب الناصح.
ونصرّ على قرار نعلم في أعماقنا أنه خاطئ، لأن التراجع عنه سيجعل شخصًا نختلف معه يبدو مصيبًا.
ونواصل السير في طريق يؤذينا، لا لأن الطريق صحيح، بل لأن الرجوع عنه سيجرح الصورة التي صنعناها لأنفسنا.
فنحن لا نحرم خصومنا من الحق حين نرفضه.
نحرم أنفسنا من النور.
الحقيقة هي الماء، ومحبتك أو كراهيتك لحاملها ليست إلا وصفًا للكأس.
ومن الخسارة أن ترفض الدواء النافع لأنك لا ترتاح إلى الطبيب الذي وصفه، أو أن تطفئ المصباح في غرفتك لأن اليد التي أشعلته ليست اليد التي تحبها.
حين يتحول النقاش إلى معركة كرامة
حين نرد الحق لأنه جاء من شخص نمقته، فإن الذي يقودنا في تلك اللحظة ليس العقل وحده، بل الكبرياء الجريح.
تهمس الأنا:
إذا وافقته، فسيبدو هو المنتصر.
إذا اعترفت بصواب كلامه، فسأكون أنا المهزوم.
فتتحول طاولة الحوار من مكان للبحث عن الصواب إلى حلبة صراع، ويصبح الهدف هو إسقاط الآخر، لا الوصول إلى الحقيقة.
نبدأ في الدفاع عن آراء لا نقتنع بها تمامًا، وننكر أمورًا واضحة، ونغيّر معاييرنا، ونقبل من الحليف ما نستنكره من الخصم.
وقد نستميت في الدفاع عن رأي هش لأن صديقًا نحبه قاله، ثم نهاجم الرأي نفسه إذا جاء من شخص نكرهه.
وهنا ينكشف أن القضية لم تكن مبدأً ثابتًا، بل ولاءً للأشخاص.
وقد لخّص النبي ﷺ حقيقة الكبر بقوله:
«الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس» رواه مسلم.
وبطر الحق هو ردّه ورفضه استعلاءً، لا لضعف دليله، بل لأن النفس تأنف أن تقبله.
فليس الكبر أن ترى نفسك فوق الضعفاء فحسب، بل قد يظهر في صورة أدقّ وأخفى: أن تعرف الحق، ثم يثقل عليك قبوله لأن الذي جاءك به أصغر منك، أو أقل مكانة، أو شخص لا تحبه، أو خصمًا لا تريد أن تمنحه لحظة صواب.
وهنا يظهر الفرق بين الكرامة التي تحفظك والكبر الذي يمنعك من الحق.
ولهذا أمر الله بالعدل حتى مع من نحمل تجاههم نفورًا أو خصومة، فقال سبحانه:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالعدل لا يُختبر حين تنصف من تحب.
إنما يظهر صدقه حين يمنعك بغضك من ظلم من تكره، وحين لا يسمح خلافك مع الإنسان أن تسلبه الصواب الذي معه، كما لا يسمح إعجابك به أن تستر الخطأ الذي عليه.
ضريبة مصادرة النور
عندما نربط قبول الحقائق بمدى محبتنا لأصحابها، فإننا ندفع ثمنًا باهظًا من وعينا ونضجنا.
نحرم أنفسنا من الحكمة؛ لأنها لا تُولد حصرًا في عقول أصدقائنا، وقد يأتيك التنبيه إلى عيب خطير من شخص لا يحبك، فيرى فيك ما يخفيه عنك المقرّبون مجاملةً أو خوفًا.
ونقع في التناقض؛ فنصفق للفعل حين يصدر من حليف، ثم ندينه حين يصدر من خصم، مع أن الفعل لم يتغير.
ونصنع حول أنفسنا فقاعةً من الأكاذيب المريحة؛ لا يدخلها إلا من يوافقنا، ولا يُسمح فيها لصوت مخالف أن يكشف خللنا.
ثم نمضي في أخطائنا مطمئنين، لأن كل من حولنا يخبرنا بما نحب أن نسمع، بينما نطرد من قدّم لنا المرآة لأننا لم نحب الوجه الذي حملها.
وقد يظل الإنسان سنوات يظن أنه حارس للحقيقة، بينما هو في الواقع لا يحرس إلا صورته عن نفسه.
لا يريد أن يعرف الصواب بقدر ما يريد أن يظل هو المصيب.
ولا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن دليل جديد يثبت أن خصومه مخطئون.
التجرد لا يعني السذاجة
ومع ذلك، فالتجرد لا يعني أن تصدّق كل ما يقوله خصمك، ولا أن تتجاهل تاريخه ودوافعه، ولا أن تمنحه ثقة لا يستحقها.
كما لا يعني قبول جملة صحيحة أن تزكّي قائلها، أو توافقه في منهجه كله، أو تتغافل عن باطله.
قد يكون الإنسان مخطئًا في مسائل كثيرة، ثم يصيب في مسألة واحدة.
وقد تكون كلمته صحيحة، بينما غرضه من ورائها فاسد.
وقد يكون أصل نصيحته نافعًا، وإن صاغها بفظاظة أو تشفٍّ.
العدل هنا أن تفصل بين الأمور:
تقبل الحق لأنه حق.
وترفض الباطل لأنه باطل.
وتحاسب القصد الفاسد بما يثبت منه، دون أن تجعل فساد القصد حجةً لإبطال المعنى الصحيح.
فالإنصاف ليس ذوبانًا في الخصم، ولا تنازلًا عن مبادئك، بل هو أن تضع كل شيء في موضعه، فلا تمنح الإنسان أكثر مما يستحق، ولا تسلبه ما يستحقه.
وهذا من المعاني التي يظهر فيها العدل الحقيقي عند الخصومة: ألا تجعل جرحك أو نفورك شاهدًا على بطلان ما لم يبطل بالدليل.
شجاعة الفصل بين القول وقائله
النضج الحقيقي يحتاج إلى جراحة مؤلمة للغرور: أن تفصل القول عن قائله عند الحكم على صحة القول.
أن تمتلك القوة الداخلية لتقف في نقاش محتدم وتقول:
أنا أختلف معك في أشياء كثيرة، ولا أوافقك في منهجك، لكنك في هذه النقطة على صواب.
هذه العبارة ليست هزيمة.
بل قد تكون من أعظم انتصارات الإنسان على هواه.
لأنك في تلك اللحظة لا تمنح خصمك نفسك، بل تحرر نفسك من سلطان الخصومة.
وتثبت أن الحقيقة عندك أرفع من أن تتغير بتغير الوجوه، وأن ميزانك لا يميل مع الحب والبغض.
الحقيقة لا تصبح باطلًا لأن كاذبًا نطق بها، كما أن الباطل لا يصبح حقًّا لأن صادقًا قاله.
والذهب يظل ذهبًا، سواء وُجد في خزينة ملك أو سقط في يد لص؛ لكن وجوده في يد اللص لا يعني أن نأتمن اللص، كما أن خيانة اللص لا تغيّر حقيقة الذهب.
الاختبار الذي يكشف هواك
في المرة القادمة التي تسمع فيها رأيًا من شخص لا تطيقه، وتشعر في صدرك باندفاع سريع للهجوم، لا تثق بأول انفعال.
توقّف قليلًا.
جرّد العبارة من ملامح وجه قائلها، ومن نبرة صوته، ومن تاريخ خلافك معه.
اكتبها في ذهنك كما لو كانت جملةً مجهولة المصدر.
ثم اسأل نفسك بصدق:
لو أن هذه العبارة جاءت من شخص أحبه وأثق به، هل كنت سأرفضها بالطريقة نفسها؟
هل اعتراضي موجّه إلى الدليل، أم إلى صاحبه؟
هل أستطيع أن أحدد موضع الخطأ في كلامه، أم أن كل ما عندي أنني لا أطيق أن يكون هو المصيب؟
وهل أطلب الحق فعلًا، أم أطلب أن يخرج الحق دائمًا من جهتي؟
فإن اكتشفت أن المشكلة في القائل لا في القول، فلا تبحث عن حيلة تحفظ بها كبرياءك.
قل ببساطة:
هو مصيب في هذه النقطة.
ولا يلزم من ذلك أن تحبه، أو تثق به، أو توافقه في غيرها.
لقد أخذت الصواب، ولم تسلّمه عقلك.
وأنصفت الحقيقة، ولم تمنحه صكًّا بالبراءة.
اقرأ أيضًا
- كيف تفرّق بين الغضب لله والغضب للنفس؟
- حين تقدر على الرد فتُختبر في العدل
- معنى اسم الله العدل: هل تطلب الإنصاف لنفسك وتنساه على غيرك؟
حين يسقط الحاجز
ربما يصعب عليك الاعتراف أول مرة.
ستشعر أن شيئًا في داخلك يقاوم، وأن لسانك يثقل، وأن الأنا تحاول تحويل الإنصاف إلى إذلال.
لكن كل مرة تقبل فيها حقًّا جاءك من طريق لا تهواه، ينكسر قيد من قيودك.
تتسع رؤيتك.
ويصفو ميزانك.
وتتحرر من الحاجة إلى أن تكون أنت المنتصر في كل حوار.
فالمهم ليس أن تنتصر على الشخص الذي أمامك، بل ألا يهزمك هواك وأنت تظن أنك تدافع عن الحقيقة.
الحق لا يحتاج إلى محبتك كي يكون حقًّا، ولا يفقد نوره لأنك أدرت له ظهرك.
أنت وحدك من يخسر حين تغلق النافذة، لا لأن الضوء مؤذٍ، بل لأنك تكره اليد التي فتحتها.
فخذ الحق، ولو جاءك في يد لا تحبها.
واشكر الله أن بصّرك به، ثم زِن قائله وقصده وسائر كلامه بميزان العدل.
فاليد تمضي، والوجوه تتغير، والخصومات تنتهي.
أما من ردّ النور نكايةً في حامله، فإنه لم يطفئ النور…
وإنما اختار أن يبقى هو في العتمة.