كرامة ذوي الإعاقة: لا تجعله غائبًا وهو أمامك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

يدخل رجل إلى أحد المكاتب، وبجواره شخص يساعده على الحركة. يقف أمام الموظف، يحمل أوراقه، وينتظر أن يُسأل عما جاء من أجله. لكن الموظف يلتفت إلى مرافقه، ويسأله: ما الذي يحتاج إليه؟

يبدأ الرجل بالإجابة، غير أن الموظف يعود إلى مرافقه، ويسأله عن التفاصيل، ثم يشرح له الإجراءات، ويخبره بما ينبغي فعله. ينتهي الحديث، وتُنجز المعاملة، وربما يشكر الرجل الموظف على مساعدته.

لكن شيئًا في ذلك الموقف يستحق أن نتوقف عنده. لقد كان الرجل حاضرًا طوال الوقت، ومع ذلك جرى الحديث عنه كما لو أنه غير موجود.

لم يُهنه أحد بكلمة صريحة، ولم يسخر منه أحد، وربما كان الجميع يريدون مساعدته. لكنهم تجاوزوه في أمر يخصه، وتحدثوا عنه أمامه، واتخذوا من حاجته إلى المساعدة سببًا للتعامل مع غيره بوصفه صاحب الصوت والقرار. وقد تكون هذه اللحظة أشد إيلامًا مما يتصور من لم يعشها.

فليس كل ما يجرح كرامة الإنسان إهانةً تُقال. أحيانًا يكون الجرح في سؤال لم يُوجَّه إليه، أو رأي لم يُطلب منه، أو حديث يدور عن حياته وهو يجلس بين المتحدثين كأنه أحد الأشياء التي يتناقشون بشأنها. والعجيب أن هذا قد يحدث من أناس طيبين، يحبون الخير، ويظنون أنهم يحسنون التصرف.

كرسي متحرك في موضع متساوٍ حول طاولة وميكروفون موجّه إليه، رمز لحفظ صوت الإنسان وكرامته
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين نخلط بين المساعدة وإلغاء الاختيار

فأين يقع الخلل؟ يقع حين نخلط بين حاجة الإنسان إلى المساعدة، وبين فقدانه الحق في أن يكون حاضرًا في شؤون حياته.

نرى شخصًا لا يستطيع المشي دون معين، فنبدأ بالتعامل معه وكأن قدرته على الفهم والاختيار قد نقصت تبعًا لذلك. أو نرى إنسانًا يجد صعوبة في الكلام، فنستعجل الإجابة عنه قبل أن نتيح له وسيلة للتعبير.

أو نرى كبيرًا في السن يحتاج إلى رعاية، فنناقش احتياجاته مع أبنائه، وننسى أن نسأله عما يحب وما يكره، وما يريده لنفسه. ومع تكرار هذه التصرفات قد يعتاد المحيطون بالإنسان أن يتولوا عنه أمورًا يستطيع المشاركة فيها، حتى يصبح وجوده في المجلس أقل حضورًا من وجود من يتحدثون باسمه.

وهنا تظهر حقيقة دقيقة: قد تسلب الإنسان شيئًا من استقلاله دون أن تأخذ منه مالًا، أو تمنعه من حق ظاهر؛ يكفي أن تعتاد اتخاذ القرار عنه في كل ما يخصه، حتى حين يستطيع أن يشاركك القرار.

ولذلك فإن الإحسان يحتاج إلى أكثر من نية طيبة. يحتاج إلى بصيرة ترى الإنسان قبل أن تنشغل بما يعجز عنه، وإلى عدل يمنعك من تحويل قدرتك على المساعدة إلى سلطة تتصرف بها في شؤون الآخرين.

كرامة ذوي الإعاقة في ميزان الإسلام

تأمل قول الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

تأمل عموم هذا التكريم. لم يجعل الله أصل الكرامة الإنسانية حكرًا على القوي، أو الصحيح، أو الغني، أو القادر على تدبير شؤونه دون عون.

فالذي يمشي على قدميه، والذي يحتاج إلى كرسي متحرك، والذي يتكلم بيسر، والذي يحتاج إلى وسيلة أخرى للتواصل، كلهم داخلون في هذا التكريم الإنساني. قد تختلف قدراتهم، وتتفاوت احتياجاتهم، ويحتاج بعضهم إلى ما لا يحتاج إليه غيره، لكن اختلاف القدرة لا يبيح احتقار الإنسان أو تجاهل حضوره.

وقد قال النبي ﷺ:

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» رواه مسلم.

وهذا الحديث يضع أمامك ميزانًا عظيمًا في النظر إلى الناس. فكم من إنسان قد تتجه عيناك أولًا إلى ما ينقصه من قدرة، بينما تغيب عنك جوانب من علمه وعقله وخبرته وخلقه! وكم من شخص قد تحكم عليه من مظهر عجزه، مع أنك لم تمنحه فرصة ليحدثك عما يعرف، أو ليُظهر لك ما يستطيع!

إن الإنسان أوسع من الحالة التي تراه فيها، وأعظم من أن تختصر حياته في حاجته إليك. وقد يكون صاحب الإعاقة أبًا يربي أبناءه، أو معلمًا يفتح للناس أبواب المعرفة، أو صاحب خبرة يُرجع إليه في عمله، أو إنسانًا له رأي وحكمة وتجارب لا تعرف عنها شيئًا.

فلماذا يصبح محتاجًا إلى أن يثبت لك كل ذلك، لمجرد أنك رأيته يحتاج إلى من يساعده في أمر من أموره؟ ولماذا تكون حاجته الظاهرة أول ما تعرفه عنه، ثم تسمح لها أن تحجب عنك بقية إنسانيته؟

هل تسمع حاجته أم تتبع صورتك عنه؟

وهنا ينبغي أن تسأل نفسك سؤالًا قد يغير كثيرًا من تصرفاتك:

حين أتعامل مع إنسان يحتاج إلى المساعدة، هل أبحث عما يحتاج إليه فعلًا، أم أتصرف وفق الصورة التي كوّنتها عنه قبل أن أسمعه؟

الفرق بين الأمرين كبير. ففي الحالة الأولى أنت تحاول فهمه، وتتيح له أن يشارك في تحديد ما يناسبه. أما في الثانية فقد تكون منشغلًا بتنفيذ ما تراه خيرًا له، حتى إنك لا تنتبه إلى أنه يحاول أن يخبرك بشيء مختلف.

وقد يصل الأمر إلى أن تضيق باعتراضه. تقول في نفسك: أنا أحاول مساعدته، فلماذا لا يقبل ما أفعله؟

لكنك نسيت أن المساعدة التي تقدمها تتعلق بحياته هو، لا بحياتك أنت. وأن رفضه لطريقة معينة في المساعدة لا يعني بالضرورة أنه يجحد فضلك، أو أنه لا يعرف مصلحته. فقد تكون لديه طريقة اعتادها، أو قدرة يريد استعمالها، أو سبب لا تعرفه يجعله يفضل خيارًا آخر.

ومن حقك أن تبين ما تستطيع تقديمه وما لا تستطيع، ومن حقه أن يوضح ما يناسبه، ما دام الأمر داخل حدود الحق والاستطاعة. فالمعروف لا يكتمل جماله بمجرد رغبتك في تقديمه؛ وإنما يحتاج كذلك إلى حكمة في الطريقة التي يصل بها إلى صاحبه.

حدود المساعدة ودور المرافق

وهذا لا يعني أن تترك من يحتاج إلى رعاية أو أن تمتنع عن معاونته حتى في المواقف التي تستدعي التدخل العاجل. ولا يعني أن كل إنسان يستطيع التعبير بالطريقة نفسها، أو أن الاستعانة بمرافق أمر خاطئ.

فبعض الناس يحتاجون إلى من يترجم لهم، أو يعينهم على التواصل، أو يتولى عنهم بعض شؤونهم بحسب حاجتهم وصلاحياته. وقد يختار الإنسان بنفسه أن يتحدث مرافقه نيابة عنه. والمقصود أن تفهم حدود المساعدة وطبيعتها، وألا تجعل وجود المرافق مبررًا تلقائيًا لإلغاء حضور صاحب الشأن.

إذا استطعت أن تسأله، فاسأله.
وإذا احتاج إلى وقت ليفهم أو يجيب، فلا تجعل استعجالك سببًا في تجاوز صوته.
وإذا كانت لديه وسيلة مختلفة للتواصل، فاحترمها ما استطعت.

وإذا احتاج إلى من يسانده في التعبير، فلا تجعل تلك المساندة سببًا في أن تنسى أنه صاحب الحاجة التي يجري الحديث بشأنها.

ماذا تريد أنت؟ مساحة الاختيار في الرعاية

لكن تأمل جانبًا آخر من المسألة. قد يكون أكثر ما يحتاج إليه بعض الناس ممن يعتمدون على الآخرين في شؤونهم اليومية، أن يشعروا بأنهم ما زالوا يملكون مساحة حقيقية من الاختيار. أن يختار أحدهم ما يلبس، وما يأكل، ومتى يزور أقاربه، وما يحب أن يفعله في يومه، بحسب قدرته وظروفه.

قد تبدو هذه الأمور صغيرة لمن يستطيع أن يقررها كل يوم دون أن يستأذن أحدًا. لكنها ليست صغيرة بالضرورة لمن اعتاد أن تُتخذ القرارات عنه.

تخيل أن تكون قادرًا على إبداء رأيك، ومع ذلك يُسأل غيرك دائمًا عما تحب. وأن يكون لك اعتراض مشروع، فلا يُلتفت إليه لأن من يرعاك يرى أنه يعرف مصلحته أكثر منك. وأن تشعر بالامتنان لمن يساعدك، وفي الوقت نفسه تتألم لأن مساعدته لا تترك لك مساحة كافية لتكون صاحب قرار فيما تستطيع.

إن اجتماع الامتنان والألم في قلب إنسان واحد أمر يمكن فهمه. فقد يحب من يرعاه، ويقدّر ما يبذله من أجله، ويتمنى مع ذلك أن يسمع منه سؤالًا بسيطًا:

ماذا تريد أنت؟

وهذا السؤال لا ينقص من قيمة الرعاية. إنه يضيف إليها معنى لا ينبغي أن يغيب عنها. معنى الاعتراف بأن الذي أمامك إنسان له رغباته ومخاوفه وتفضيلاته، وأنك وإن كنت أعلم منه ببعض الأمور، فلا يلزم من ذلك أن تكون أعلم منه بكل ما يناسب حياته.

حين تختلط محبة النفع بمحبة السيطرة

وفي هذا المعنى تربية للقلب الذي يقدم المساعدة أيضًا. فقد يحب الإنسان أن يكون نافعًا، وأن يرى أثر إحسانه في حياة الآخرين. وهذه رغبة حسنة في أصلها.

لكن النفس تحتاج إلى المراقبة حتى لا تتحول محبة النفع إلى محبة السيطرة، أو تصبح صورة الإنسان عن نفسه بوصفه المنقذ أهم عنده من حاجات من يريد مساعدتهم. قد تجد نفسك مرتاحًا حين يقبل الآخر اقتراحك، ومتضايقًا حين يختار طريقة مختلفة.

فتأمل موضع ضيقك. هل تخاف عليه من ضرر حقيقي؟
أم يؤلمك أن رأيك لم يكن هو الذي اتُّبع؟

قد يجتمع الأمران، ولهذا تحتاج إلى الصدق مع نفسك، لا إلى اتهامها دائمًا ولا إلى تبرئتها دائمًا. فليس كل إصرار على المساعدة دليل رحمة، كما أن ليس كل اعتراض عليها دليل جحود. والميزان أن تريد الخير للإنسان، وأن تحترم حقه فيما يملك من اختيار، وأن تبذل النصح حين يحتاج إليه، دون أن تجعل عطاءك سببًا لإذلاله أو مصادرة صوته.

كبار السن والمرضى: الضعف لا يلغي الرأي

ثم إن هذه الموعظة لا تخص أصحاب الإعاقة وحدهم. فكم من أم كبيرة في السن صار أبناؤها يتحدثون عنها أمامها، ويناقشون قرارات حياتها، دون أن يلتفتوا إليها بالسؤال!

وكم من مريض يجلس في عيادة، فينصرف الكلام كله إلى من رافقه، مع أنه قادر على فهم ما يخص علاجه والمشاركة في القرار! وكم من إنسان أضعفته ظروفه، فوجد أن الآخرين أصبحوا يرون حاجته إليهم أكثر مما يرون شخصه! إن الضعف الذي يصيب الإنسان في جانب من حياته لا يجعله بلا رأي في بقية جوانبها.

وحين تفهم ذلك، يتغير معنى الرحمة عندك. تصبح أكثر انتباهًا إلى الطريقة التي تخاطب بها الناس، وإلى المساحة التي تتركها لهم ليعبّروا عن أنفسهم، وإلى القرارات الصغيرة التي ربما اعتدت اتخاذها نيابة عنهم دون حاجة.

كيف تعين الإنسان وتحفظ صوته؟

لن يكون المطلوب منك أن تمتنع عن المبادرة بالخير، أو أن تخشى كل تصرف. بل أن تتعلم كيف تجمع بين أمرين عظيمين:

أن تعين الإنسان فيما يحتاج إليه، وأن تحفظ له ما يستطيع القيام به بنفسه.
أن تكون قريبًا دون أن تستحوذ على حياته.
أن تبذل جهدك دون أن تجعله مدينًا لك بالتنازل عن رأيه.
أن تحرص على مصلحته دون أن تنسى سؤاله عنها.

وإذا اكتشفت أنك أخطأت يومًا في التعامل مع أحدهم، فليس في الاعتراف بذلك ما ينتقص منك. يمكنك أن تقول له ببساطة: أعتذر، كان ينبغي أن أسألك أنت. وقد لا تنتهي آثار الموقف بهذه الكلمة، لكنها بداية صادقة لتغيير السلوك.

ومن أجمل ما يمكن أن تتعلمه في علاقتك بالناس أن تقبل التصحيح ممن تساعده، كما تقبله ممن ترى أنه قادر على الاستغناء عنك. فالحاجة إلى المساعدة لا تسقط حق الإنسان في أن يبين لك أنك أخطأت في طريقة معاملته.

ولعل امتحان الرحمة في بعض المواقف لا يكون في مقدار ما تستطيع أن تقدمه، وإنما في قدرتك على أن ترى الآخر كما هو، لا كما رسمته في ذهنك. فإذا رأيت إنسانًا بصحبة من يعينه، فلا تجعل عينيك تتجاوزانه تلقائيًا إلى مرافقه.

ابدأ بالسلام عليه.
خاطبه باحترام.
اسأله عن حاجته بالطريقة التي يستطيع التواصل بها.
استمع إلى جوابه دون استعجال.
ثم قدّم ما تستطيع من عون، على الوجه الذي يحفظ حقه وكرامته.

قد لا يكون هذا التصرف كبيرًا في نظرك، لكنه يعكس معنى عظيمًا: أنك لم تجعل حاجته تحجب إنسانيته عنك.

من شكر القدرة أن تحفظ كرامة من تعينه

وتذكر أنك أنت أيضًا عبد ضعيف، مهما أوتيت اليوم من صحة وقدرة واستقلال. تحتاج إلى الله في كل نفس، وفي كل حركة، وفي كل أمر من أمور حياتك. وما تستطيعه اليوم بنفسك قد تحتاج غدًا إلى من يعينك عليه.

فلو جاء عليك يوم احتجت فيه إلى غيرك، أفلا تحب أن تجد من يرفق بك دون أن يستخف برأيك، ومن يساعدك دون أن يتعامل معك كأنك فقدت أهليتك لكل اختيار، ومن يرى فيك الإنسان الذي كنت وما زلت، مهما تغيرت قدرتك؟

اجعل هذا المعنى حاضرًا حين تتعامل مع من يحتاجون إليك. ولا تنتظر أن تجرب حاجتهم حتى تفهم حقهم في الاحترام. فمن تمام شكر نعمة القدرة أن تستعملها في نفع الناس، ومن تمام جمال الإحسان أن تحفظ لهم كرامتهم وأنت تنفعهم.

ولا تنسَ أن الإنسان قد يحتاج إلى يد تسنده، دون أن يحتاج إلى من ينتزع صوته.

اللهم ارزقنا قلوبًا رحيمة، وبصائر عادلة، وألسنة تحفظ كرامة عبادك، وأعمالًا ترضيك عنا.

اللهم لا تجعل قدرتنا على مساعدة غيرنا سببًا في الكبر أو الغفلة عن حقوقهم، ولا تجعل حاجتهم إلينا بابًا نتسلط به على شؤونهم.

اللهم علّمنا أن نحسن دون منّ، وأن نعين دون استعلاء، وأن نسمع قبل أن نحكم، وأن ننصف من لا يستطيع إيصال صوته كما يستطيع غيره.

اللهم اجبر قلوب من آلمهم التجاهل، وارزقهم من يعينهم برحمة وحكمة، ويسمعهم باحترام، ويحفظ لهم حقوقهم وكرامتهم.

اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، واهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

آمين يا رب العالمين.

تعليقات

عدد التعليقات : 0