شكر النعم لا يبدأ حين تُسلب النعمة فنشعر بقيمتها، بل حين يظل القلب يقظًا لعطايا الله وهي قائمة بين يديه. هذا المقال يتأمل لماذا لا نشكر الله على النعم كما ينبغي، وكيف يحوّل الاعتياد المعجزة اليومية إلى أمرٍ عادي، حتى يغمرنا الله بالعطاء ولا نلتفت.
فهرس المحتويات
🌿 حين يغمرنا الله بالعطاء ولا نلتفت
النِّعم لا تضيع حين تُسلب… بل حين يعمى القلب عنها.
ذلك هو الفقر الحقيقي: أن يفيض الله عليك في كل لحظة، وأنت تمرّ فوق عطاياه كما يمرّ العابر فوق نسمة هواء لا يلتفت إليها.
كم مرة أكلت… ولم يخطر لك أن اللقمة حياة تُمنح؟ وكم مرة شربت… دون أن تشعر أن الماء رحمة تسري فيك؟ وكم مرة استيقظت… ولم تهمس لنفسك:
يا رب… ما زلت أعيش بفضلك.
وهذا المعنى يتضح أكثر حين يتأمل الإنسان معجزة الاستيقاظ من النوم؛ فكل صباحٍ تعود فيه الروح إلى يوم جديد ليس تفصيلًا عاديًا، بل إذنٌ جديد بالحياة.
🕯️ أخطر الفقد أن تصير النعمة عادة
أخطر الفقد ليس ذهاب النعمة… بل أن تُصبح النعمة عادة.
فالذي يفقد يتذكّر، وأما الذي يعتاد… فينسى.
وحين تذوب النعمة في لون الروتين، تصير اختبارًا صامتًا لا يسمعه إلا من حُجب عنها يومًا.
تجلس في بيت آمن… فتقول: أشعر بالملل. وتأكل طعامًا متنوعًا… فتشتكي من غياب الشهية. وتملك عافية واسعة… ثم تُحاصر بصرك في عيب صغير.
تغرقك النعم حتى لا تراها… ثم تتوهم أنك محروم.
💔 حين تبقى النعمة… وتغيب حلاوتها
الله لا يظلم أحدًا، وحاشاه سبحانه أن ينتزع النعم ظلمًا.
لكن قد تُرفع النعمة عن قلبٍ فقد تقديرها، وقد تبقى في اليد ثم تُسلب حلاوتها: فتأكل بلا لذة، وتنام بلا راحة، وتعيش بلا فرح.
وهذا قريب من معنى فراغ المعنى رغم كثرة الأشياء؛ فقد تمتلئ اليد، ويبقى القلب خاليًا إذا غاب عنه معنى العطاء والمنعم.
فالنعمة بلا شكر… جسد بلا روح.
ظاهرها موجود، وباطنها مطفأ.
والشكر ليس كلمة فقط… بل بصيرة. أن ترى، وأن تفهم، وأن تقول في قلبك قبل لسانك:
هذا من فضل ربي.
قال الله تعالى:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
وكفران النعمة أن ترى الفضل ولا تُسميه فضلًا، وأن تنسب الخير لقوتك أو لعادتك أو لظروفك، وأن تتعامل مع الزيادة كأنها حق لا عطية.
ومن أخطر ما يفسد الشكر أن يتسلل إلى القلب وهم نسبة الفضل للنفس، فيرى الإنسان ما عنده نتيجة طبيعية لذكائه أو جهده، لا فضلًا متجددًا من الله.
والذي تُثقل لسانه الشكوى، وتخف عليه كلمة الحمد لله، لا يفقد الرزق مباشرة بالضرورة، لكنه يفقد الشعور الذي يحفظ معنى الرزق في قلبه.
فأول طريق نقص النعمة… أن يتوقف القلب عن رؤيتها.
⚖️ النعم لا تُقاس بحجمها… بل بوعي صاحبها
أحدهم يمشي على قدمين ويشكو قلة المال، وآخر لا يملك قدمين ويتمنى خطوة واحدة من خطواته.
فمن رأى ما عنده… عرف قيمة الحياة.
ومن اعتاد كل شيء… فقد أجمل ما فيها.
لا توجد لحظة بلا نعمة.
الهواء الذي يملأ صدرك الآن… رزق. والسكينة التي تقرأ بها هذه الكلمات… رزق. والأمان الذي تنام به ليلًا دون خوف… رزق.
نغفل عنها لأن الله لم يربطها بثمن.
ولو جعل لها ثمنًا… لعجزنا عن دفعه.
🕯️ اطلب أن ترى النعمة من جديد
حين تفقد الإحساس بالنعم، لا تطلب غيرها أولًا… اطلب أن تراها من جديد.
قف أمام المرآة وقل:
الحمد لله على ما بقي.
وانظر لما بين يديك… لا لما غاب عنك.
فكم من فقير يرى في ما تملك جنة، وكم من مريض يتمنى يومًا واحدًا من أيامك العادية.
فاحذر أن تصبح عطايا الله عادية في عينيك.
أن ترى عافيتك روتينًا، وبيتك أمرًا مألوفًا، ووقتك بلا قيمة.
فما أكثر من ظن أن النعمة ثابتة… حتى استيقظ صباحًا ولم يجدها.
🔗 اقرأ أيضًا
💛 الخلاصة
احمد الله لا حين يرفعك فقط… بل حين يُبقيك كما أنت.
فالثبات نعمة، والاستمرار رزق، والقدرة على الشكر… توفيق.
وكل صباح تفتحه دون ألم أو خوف، اعلم أن الله أذن لك ببداية جديدة.
فلا تعبرها مرور العادة، بل مرور قلب يعرف أن كل نفس يخرج… فرصة أخرى ليقول:
الحمد لله.
وجرّب أن تشكر بوعي على نعمة واحدة فقط…
وستدهشك كيف تكشف لك بقية النعم.