أحيانًا لا يكون أشدّ ما في البلاء هو ما حدث لك، بل المعنى الذي بدأتَ تعطيه لما حدث.
تتعثر أمورك.
يُغلق باب كنت ترجوه.
تفقد شيئًا عزيزًا.
يطول وجع ظننت أنه سينتهي.
وتدعو، ثم تنظر إلى حياتك فلا ترى الانفراج الذي كنت تنتظره.
وهنا يظهر سؤال لا يشبه بقية الأسئلة:
هل يعاقبني الله؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين يتحول الألم إلى تفسير
وقد يكون هذا السؤال أقسى من البلاء نفسه؛ لأنك لم تعد تخاف مما فقدت فقط، بل بدأت تخاف من دلالة الفقد عليك.
ربما صار كل تأخير تراه اتهامًا، وكل باب مغلق رسالة غضب، وكل ألم دليلًا على أن بينك وبين الله شيئًا مخيفًا لا تعرفه.
فتتحول الحياة في داخلك إلى محكمة، وتتحول الحوادث إلى قرائن، وتبدأ تراقب أيامك كما يراقب المتهم ملامح القاضي بحثًا عن الحكم.
وهنا تقع النفس في خطأ دقيق:
تنتقل من الألم إلى تفسير الألم، ثم تنسى أن التفسير ليس هو الألم نفسه.
أنت تعرف أن شيئًا مؤلمًا وقع، لكن هل تعرف لماذا وقع لك أنت، في هذا الوقت، بهذه الصورة، وما المراد الإلهي الخاص منه؟
لا.
وهذه المسافة بين ما تعرفه وما لا تعرفه هي التي يملؤها الخوف أحيانًا بأقسى الاحتمالات.
فالإنسان حين يتألم يكره الغموض، وقد يفضّل تفسيرًا مخيفًا على أن يبقى أمام شيء لا يفهمه.
لأن عبارة: «الله يعاقبني» تمنحه ـ على قسوتها ـ قصة مكتملة: وقع الألم لأنني سيئ، وتأخر الفرج لأن الله غاضب مني، وما يحدث حولي إثبات لذلك.
لكن اكتمال القصة لا يجعلها صحيحة.
فالقدر ليس صفحة مفتوحة تستطيع أن تقرأ منها حكم الله عليك.
نعم، القرآن يقرر أن للذنوب آثارًا، ويقول سبحانه:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
وهذا معنى عظيم يجب ألا نهرب منه: المعصية ليست شيئًا بلا أثر، والعبد مأمور أن يراجع نفسه ويتوب ويصلح ما أفسد.
لكن شيئًا آخر مختلفًا تمامًا هو أن تمسك بمصيبة بعينها ثم تقول بثقة:
هذه عقوبة على ذنب كذا.
أو:
لو كان الله راضيًا عني لما حدث هذا.
هنا لم تعد تحاسب نفسك، بل تفسر الغيب.
والفرق بين الأمرين هائل.
يمكنك أن تعرف ذنبك، لكنك لا تعرف دائمًا سرّ ما جرى لك.
يمكنك أن تعرف أن عليك التوبة، لكنك لا تملك أن تجعل حادثة بعينها بيانًا إلهيًا يشرح لك منزلتك عند الله.
الفرق بين المحاسبة والإدانة
ولهذا كان من أخطر ما يفعله الألم بالقلب أن يجعله يخلط بين المحاسبة والإدانة.
المحاسبة تقول:
أين أخطأت؟
ما الذي يجب أن أتوب منه؟
هل ظلمت أحدًا؟
هل قصرت في حق أعلمه؟
هل هناك معصية ينبغي أن أتركها؟
ثم تصلح ما استطعت.
أما الإدانة فتقول:
انظر إلى حياتك كلها.
ألا ترى كم تتعقد؟
إذن الله لا يريد بك خيرًا.
وهذه قفزة لا دليل عليها.
الألم لا يساوي تلقائيًا غضبًا
لأن الدنيا لم تُجعل أصلًا مقياسًا مباشرًا لرضا الله وسخطه.
ولو كانت سهولة الحياة برهانًا على الرضا، لما كان الخير نفسه فتنة، كما أن الشر فتنة.
قال الله تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
تأمل دقة الآية.
لم يقل إن الشر وحده هو موضع الاختبار، بل حتى الخير اختبار.
فلو كان اتساع الدنيا شهادةً قطعية على صلاح حال العبد عند الله، لما كان الخير فتنة أصلًا.
وهنا تنكسر معادلة خفية نبني عليها كثيرًا من مخاوفنا:
الألم لا يساوي تلقائيًا غضبًا.
والراحة لا تساوي تلقائيًا رضا.
والمنع ليس تقريرًا نهائيًا عنك.
والعطاء ليس صكّ أمان.
وكل ذلك من أقدار الله، أما الحكم على منزلتك عنده فباب آخر لا يُقرأ بهذه البساطة.
ليس كل ما يؤلمك حكمًا عليك.
وقد تحتاج هذه الجملة خصوصًا حين تكون شديد المحاسبة لنفسك.
لأن بعض الناس لا يحتاج إلى من يوقظه من الغفلة بقدر ما يحتاج إلى من يمنعه من تحويل كل قدر مؤلم إلى تهمة دينية ضد نفسه.
يقع في مشكلة فيقول: بسبب ذنوبي.
يمرض فيقول: بسبب ذنوبي.
يتأخر عنه مطلوب فيقول: الله يعاقبني.
تضطرب علاقة فيقول: هذه علامة أنني بعيد.
ثم يعيش لا بين يدي رب يعبده ويرجوه ويخافه، بل أمام منظومة إشارات يحاول فك شفرتها طوال الوقت.
وهذا مرهق للقلب؛ لأنك لن تجد نهاية لهذا الباب.
فإذا جعلت كل ألم رسالة غضب، فكيف ستفسر ابتلاء الصالحين؟
وإذا جعلت كل انفراج شهادة رضا، فكيف ستفسر اتساع الدنيا لمن يعصي الله؟
حين تحاول قراءة الغيب من الحادثة
الخلل أنك حاولت أن تستخرج من الحادثة أكثر مما تخبرك به الحادثة.
الشيء الذي حدث يقول فقط:
هذا هو ما قدّره الله الآن.
أما لماذا بهذه الصورة تحديدًا، وما جميع الحكم التي وراءه، وما منزلتك عند الله بسببه، فليس كل ذلك مكشوفًا لك.
قال سبحانه:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
لم يُوعَد المؤمن هنا بأن تُكشف له الخريطة كاملة، بل ذُكرت هداية القلب.
وهذا معنى أعمق مما نظن.
فقد لا تعرف تفسير القدر، لكن يمكن أن يُهدى قلبك في التعامل معه.
لا بأن تدّعي أنك عرفت سره، ولا بأن تقول لنفسك كلامًا مطمئنًا لا دليل عليه، بل بأن تقف عند الحد الذي أعطاك الله علمه.
ماذا تفعل بدل اتهام نفسك؟
إن كنت تعرف من نفسك ذنبًا، فتب منه.
لا لأنك أثبتَّ أن المصيبة عقوبته، بل لأن الذنب يستحق التوبة سواء جاءت المصيبة أم لم تأت.
إن كنت ظلمت إنسانًا، فردّ الحق.
إن كان عندك تقصير، فأصلحه.
وإن فتشت بصدق فلم تجد ما يبرر هذا الاتهام الذي تنهش به نفسك، فلا تخترع ذنبًا لتفسير القدر.
تب إلى الله لأنك عبد يحتاج إلى التوبة كل يوم، لكن لا تجعل التوبة اعترافًا بشيء لم يخبرك الله به.
هناك فرق بين أن تقول:
يا رب، أنا مقصر فاغفر لي.
وبين أن تقول:
يا رب، لقد فهمت رسالتك: أنت تعاقبني بهذا لأنك غاضب مني.
الأولى عبودية، والثانية دعوى علم بما لم يُكشف لك.
وقد يكون أصدق موقف إيماني أحيانًا أن تقول:
لا أعرف لماذا وقع هذا بعينه.
أعرف فقط أن الله لم يخرج عن علمه شيء، ولا وقع في ملكه شيء بغير إذنه، وأنني عبد مأمور أن أتوب من ذنبي، وأصبر على ما أصابني، وأحسن الظن بربي دون أن أختلق لنفسي وعودًا أو تفسيرات.
وهذا ليس هروبًا من المحاسبة، بل هو محاسبة أكثر انضباطًا.
لأنك تعترف بما تعرفه عن نفسك، وتتوقف عما لا تعرفه عن الله.
حين لا تعرف سر البلاء
وربما كان هذا هو الموضع الذي يحتاج قلبك أن يستريح فيه:
ليس مطلوبًا منك أن تفك شفرة كل مصيبة حتى تعرف كيف تعبد الله داخلها، ولا أن تحصل على تفسير كامل لما يحدث قبل أن تلجأ إليه.
يمكنك أن تكون موجوعًا، خائفًا، متحيرًا، وفي الوقت نفسه تقول:
يا رب، إن كان عندي ما يسخطك فاغفر لي وأعنّي على إصلاحه، وإن كنت لا أفهم ما قدّرت، فلا تجعل جهلي بحكمتك يتحول في قلبي إلى سوء ظن بك.
ثم تمضي.
لا لأنك عرفت سر البلاء، بل لأنك عرفت ربك بما عرّف به نفسه، وعرفت حدودك فيما لم يكشفه لك.
فإذا جاءك السؤال مرة أخرى:
هل ما يحدث لي عقاب من الله؟
فلا تسارع إلى الجواب الذي يمليه الخوف.
قل:
قد تكون للذنوب آثار، ولذلك سأراجع نفسي وأتوب ولا أستهين بشيء أعلمه من تقصيري.
لكنني لن أدّعي أنني قرأت الغيب من خلال ألمي.
لن أجعل المصيبة وحدها حكمًا على علاقتي بالله.
ولن أحوّل ما لا أفهمه إلى تهمة.
سأصلح ما أعرف.
وأستغفر مما أعرف ومما لا أعرف.
وأترك سرّ القدر لصاحب القدر.
فليس الأمان أن تعرف لماذا وقع كل شيء، بل الأمان أن تعلم إلى من تذهب حين لا تعرف.