لماذا ابتلاني الله وأنا أحاول أن أطيعه؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

من أشدّ ما يثقل القلب أن يأتيك الألم من الجهة التي كنت تظن أن طاعتك لله ستحميك منها.

كنت تحاول أن تستقيم: تجاهد نفسك في شيء تحبه، وتترك ما تعلم أنه لا يرضي الله، وتصبر على ما يشق عليك، وتدعو، وتستخير، وتحاول ألّا تتجاوز حدودك.

ثم يقع ما يؤلمك.

طريق جبلي مضاء وسط أجواء عاصفة يرمز إلى الثبات على الطاعة مع وقوع البلاء

وهنا لا يبقى البلاء هو المشكلة الوحيدة، بل ينشأ في الداخل حساب آخر:

أنا لم أكن أعاند الله… فلماذا حدث لي هذا؟

وقد لا تقولها اعتراضًا، ولا تريد بها إساءة الظن بالله. ربما تقولها وأنت تبكي، ثم تخاف من السؤال نفسه. لكن الجرح موجود: كنت تتوقع، في مكان خفي من قلبك، أن يكون لاختيارك الله أثرٌ في أن تُعفى من هذا الشيء بالذات.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

العقد الخفي الذي نصنعه مع الطاعة

ومن هنا يصبح الألم مضاعفًا:

مرة لأنك فقدت شيئًا، أو خفت، أو انكسر لك أمر.

ومرة لأن البلاء هزّ معنى كنت تبني عليه علاقتك بالله دون أن تنتبه.

كان في داخلك عقد لم تكتبه بلسانك:

أنا أحاول أن أطيعك يا رب، فاحفظني من الأشياء التي أخافها.

والطاعة حقّ، والدعاء حقّ، ورجاء الحفظ واللطف والفضل حقّ. لكن موضع الالتباس يبدأ حين يتحول الرجاء، من غير أن نشعر، إلى معادلة: ما دمت أطيع الله، فينبغي ألّا يقع لي هذا.

فإذا وقع، لم نسأل فقط: كيف أحتمل؟

بل تسلل سؤال أخطر:

فما الذي نفعته طاعتي؟

وهذه الجملة تكشف الجرح كله؛ لأنها تعني أن النفس قد تكون وضعت للطاعة نتيجة دنيوية محددة، ثم صارت تقيس قيمة طاعتها بما إذا تحققت تلك النتيجة أم لا.

تركتَ الحرام، فانتظرتَ ألّا تخسر.
صبرتَ، فانتظرتَ ألّا ينكسر الأمر.
دعوتَ، فانتظرتَ أن تُغلق دونك هذه المصيبة تحديدًا.

وحين لم يحدث ذلك، شعرتَ كأن شيئًا في الحساب لم يعد مفهومًا.

الطاعة لا تعني الإعفاء من البلاء

لكن الوعد الذي تصنعه النفس تحت وطأة الرجاء ليس بالضرورة وعدًا قطعه الله لها.

وهنا يحتاج القلب إلى تفريق دقيق جدًا:

أن تطيع الله راجيًا فضله شيء، وأن تجعل الطاعة عقدَ حصانةٍ من البلاء شيء آخر.

الله لم يخبر المؤمنين أنهم إذا أطاعوه فلن تمسهم الشدائد. بل جاء القرآن يهدم هذا التصور من أصله:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[العنكبوت: 2]

الآية لا تخبرك لماذا وقع ابتلاؤك الخاص، فلا يجوز لنا أن نخترع لله قصدًا في حادثة بعينها. لكنها تخبرك بشيء حاسم: أن وجود الإيمان لا يعني انتهاء الامتحان الدنيوي.

وهذا يغيّر السؤال.

فالبلاء الذي أصابك لا يثبت أن طاعتك لم تُقبل، ولا أن الله غاضب منك، ولا أن ما بذلته ضاع، كما أن طاعتك لا تمنحك دليلًا على أنك لن تمر بألم.

هذه أحكام على الغيب لا نملكها.

كل ما نعرفه أن العبد قد يكون قائمًا بطاعة الله، ثم يمر بما يشق عليه، كما أن وجود الشدة لا يلغي حقيقة الطاعة التي كان فيها.

وقد يكون هذا هو الجزء الأصعب على النفس؛ لأنها لا تريد فقط أن يكون الله معها، بل تريد أحيانًا أن تعرف كيف ستظهر هذه المعية في تفاصيل حياتها.

تريد أن تقول: ما دمت اخترت الطريق الصحيح، فينبغي أن تكون نهايته كما أتمنى.

لكن العبودية أعمق من ذلك.

أنت لا تطيع الله لأن الطاعة وثيقة تأمين ضد الحزن.

تطيعه لأنه ربك، ولأن أمره حق، ولأن ما عنده خير، ولأنك عبد له في العافية وفي البلاء، فيما تفهمه وفيما تعجز عن فهمه.

وهنا تظهر لحظة دقيقة جدًا في الإيمان: أن يبقى معنى الطاعة صحيحًا في قلبك حتى عندما لا تمنحك الأيام الدليل الدنيوي الذي كنت تنتظره.

فأنت كنت صادقًا حين تركت الحرام، حتى لو تألمت بعده.
وكان صبرك طاعة، حتى لو لم ينته الأمر إلى الصورة التي تمنيتها.
وكان دعاؤك عبادة، حتى لو لم يقع المستقبل كما رسمه خوفك ورجاؤك.

لا تجعل الألم يعيد تعريف طاعتك

لا تجعل الألم يعيد تعريف طاعتك بأثر رجعي.

لا تقل: لو كانت طاعتي ذات قيمة لما حدث هذا.

لأنك بذلك تجعل الحادثة اللاحقة حَكَمًا على ما كان بينك وبين الله قبلها.

وقد تكون المشكلة أن القلب، حين يتوجع، يبحث عن تفسير سريع. ولأن تفسير «وقع البلاء إذن أنا مرفوض» مؤلم لكنه بسيط، يميل إليه أكثر من احتمال الحقيقة الأوسع: أنا لا أعرف لماذا وقع هذا بعينه، ولا أعرف كل ما وراءه، لكن جهلي لا يمنحني حق اختراع جواب يسيء إلى الله أو يمحو قيمة الطاعة.

وهذا ليس هروبًا من السؤال، بل وضعٌ له داخل حدود ما نعلم.

يمكنك أن تقول: يا رب، هذا يؤلمني.

يمكنك أن تتمنى لو لم يقع.

يمكنك أن تسأل الله رفعه، وأن تبحث عن العلاج، وأن تأخذ بالأسباب، وأن تبكي من ثقله.

ليس الصبر أن تصبح المصيبة محبوبة إلى نفسك، ولا الرضا أن تفقد الإحساس بالألم.

لكن لا تضف إلى البلاء حكمًا لم يخبرك الله به.

لا تجعل المصيبة تقول لك: أنت بعيد.
ولا تجعل التأخير يقول لك: ضاعت طاعتك.
ولا تجعل ما وقع يقنعك بأن اختيارك لله كان صفقة خاسرة.

لا تستخرج حكم الله عليك من المصيبة

فقد يكون أعمق ما تحتاجه الآن ليس جوابًا عن: لماذا حدث هذا بالتحديد؟

بل أن تستعيد موضعك الصحيح أمام الله:

كنت أطيعه قبل أن أفهم.

وسأحاول أن أطيعه وأنا لا أفهم.

لا لأنني لا أتألم، ولا لأنني أملك تفسيرًا للغيب، بل لأن حقيقة الله لا تتغير كلما تغيرت ظروفي.

وهذا يحرر القلب من معركة مرهقة جدًا: محاولة استخراج حكم الله عليك من كل ما يحدث لك.

فبدل أن تفتش في كل مصيبة عن رسالة خفية، عد إلى ما هو بيّن.

إن كان عليك واجب، فاثبت عليه.

إن كان هناك سبب مشروع لدفع الضرر، فخذه.

إن أذنبت، فتب.

وإن لم تعرف لماذا وقع ما وقع، فلا تعاقب نفسك بتفسير لا دليل عليه.

حين تطيع الله وأنت لا تفهم

ابق في العبودية حتى وأنت تحمل السؤال.

فليس من شروط القرب من الله أن تفهم كل ما يجري لك، ولا من شروط الطاعة أن تحصل بعدها على الحياة التي كنت تتوقعها.

هناك لحظة ينضج فيها معنى الطاعة داخل القلب حين يتوقف الإنسان عن سؤالها كل مرة:

ماذا ضمنتِ لي؟

ويبدأ يسأل نفسه:

هل يبقى الله مستحقًا لطاعتي حين لا أفهم ما صنعه القدر بأمنياتي؟

والجواب الذي يبني القلب ليس أن تتظاهر بأن البلاء لم يؤلمك، بل أن تقول، بصدق أشد هدوءًا:

يا رب، لا أفهم لماذا وقع هذا، وما زلت أتألم منه، وما زلت أسألك لطفك وفرجك؛ لكنني لن أجعل ما جهلته من قدرك يهدم ما عرفته عنك.

فالطاعة لا تعني أن تُعفى من كل ألم؛ وإنما أن يبقى الله ربَّك حتى في الألم الذي لم تفهمه.

تعليقات

عدد التعليقات : 0