وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم: لا تجعل الحسد ستارًا للهروب من التوبة

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم آية توقظ القلب من أسهل حيلة نفسية: أن نعلّق كل بلاء على العين والحسد والسحر، وننسى أثر الذنوب والغفلة وترك التوبة. هذا المقال لا ينفي العين والحسد، فهما حق، لكنه يفتح بابًا ضروريًا لـ محاسبة النفس قبل الهروب إلى تفسير كل ألمٍ بسببٍ خارجي.

وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ومحاسبة النفس بدل تعليق البلاء على الحسد

🕯️ ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾

هذه الآية تهزّ الوهم من جذوره:

ليست كل ضربة من عين، ولا كل ألم من حسد، ولا كل تعثر من سببٍ خفيّ خارج عنك…

فكثير مما يصيب الإنسان قد يكون له صلة بما كسبت يداه، وبأبوابٍ من الذنوب والغفلة ظلّ يؤجل النظر فيها.

🌪️ أسرع ما نعلّق البلاء على الغيب

الناس اليوم أسرع ما يكونون إلى تعليق البلاء على الغيب:

🔸 رجل يقطع رحمه لسنوات… ثم حين يضيق رزقه يقول:
“أكيد أحد عمل لي حاجة.”

🔸 امرأة تهمل صلاتها بحجة الانشغال… ثم حين تضطرب حياتها تقول:
“حسد.”

🔸 شاب يقطّع عمره على الشهوات… ثم حين يصيبه ضيق واكتئاب يقول:
“ممكن طاقة سلبية.”

🔸 زوج يهين زوجته ويظلمها… ثم حين ينهار بيته يقول:
“حسد من الجيران.”

🔸 أم تدعو على أولادها عند كل غضب… ثم حين تفسد أخلاقهم تقول:
“أكيد محسودين.”

🌑 وكأن الذنوب لم تعد تُرى

وكأن الذنوب التي نحملها فقدت وزنها في عيوننا.

وكأن معاصينا صارت تفاصيل صغيرة لا تستحق الالتفات، بينما هي في الحقيقة من الشقوق الأولى التي تتسلل منها المصائب، ومن الثقوب التي تتسرّب منها البركة.

لكن لأن الاعتراف موجع، ولأن التوبة تحتاج صدقًا، أصبح أسهل للناس أن يتهموا الحسد والعين، على أن يقولوا:

ربما كان هذا من أثر ما اقترفت يداي.

وهذا المعنى يلتقي مع باب ران القلب؛ حين تتراكم الذنوب حتى يقلّ إحساس القلب بخطرها، فيحتاج إلى ما يوقظه من جديد.

💥 ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

أي: بعض ما تقع فيه… قد يكون بيديك أنت.

بكلمة ظلمت.
بنظرة تجاوزت.
بمال أُخذ بغير حق.
بغفلة طالت.
بذنب لم تغسله توبة.
ببابٍ تعرف أنه يفسدك… ومع ذلك تُبقيه مفتوحًا.

🕯️ المشكلة ليست في العين والحسد

المشكلة ليست في العين والحسد — فهما حق —

المشكلة في أننا نتخذهما أحيانًا ستارًا نهرب به من مواجهة أنفسنا.

نهرب من الاعتراف،
من التوبة،
من إصلاح الخطأ،
من محاسبة القلب.

فنعلّق كل مصيبة على شخص غامض نظر إلينا، وننسى أن الله قال:

﴿وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾

أي أن ما يعفو الله عنه أكثر مما يؤاخذ به.

وهذه وحدها كافية لأن ينكسر القلب حياءً؛ لأن العبد لو كوشف بكل أثر ذنوبه، لما احتمل.

لكن الله يستر، ويمهل، ويعفو عن كثير، وقد يقع من البلاء ما يكون تنبيهًا رحيمًا يوقظ العبد قبل أن يتمادى.

وليس معنى هذا أن كل تأخر أو ضيق عقوبة مباشرة، فبعض التأخير يكون تربية ورحمة، كما يشرح معنى تأخر الفرج حين يصنع الله في القلب ما لا يصنعه العطاء السريع.

🌧️ نماذج من الواقع تكشف الحقيقة

الزوجان يصرخان:

“حسد دمّر بيتنا!”

بينما البيت تصدّع من كلمة جارحة، أو ظلم متكرر، أو تفريط في حق.

والأب يقول:

“أولادي تعبوا بسبب عين!”

بينما قلبه يعرف أنه قصّر في الدعاء والتربية والمتابعة.

والتاجر يقول:

“سحر ضرب تجارتي!”

وينسى أنه تعامل بالربا، أو ظلم عاملًا، أو قطع رحمًا، أو أكل حقًا صغيرًا ظنّه لا يُرى.

💭 لماذا نحب أن يكون السبب خارجيًا؟

لأن مواجهة الذنب موجعة.

ولأن الاعتراف يحتاج شجاعة.

ولأن النفس تهرب دائمًا من الحقيقة التي تربّيها.

السبب الخارجي يريحك مؤقتًا؛ لأنه يجعلك ضحية كاملة.

أما سؤال الذنب، فيضعك أمام المرآة.

وهذه المرآة ثقيلة… لكنها بداية النجاة.

وقد يكون من أخطر ما يطيل المرض أن يسمع الإنسان الموعظة ثم لا يحوّلها إلى مراجعة، كما في معنى تحوّل المواعظ إلى محتوى بلا أثر.

🕯️ جمال الآية أنها تربّي ولا تُقنط

جمال الآية أنها لا تدفعك إلى اليأس، بل إلى اليقظة.

تقول لك:

نعم، راجع نفسك.
نعم، لا تهرب من أثر ذنوبك.
نعم، قد يكون فيما أصابك رسالة رجوع.

لكنها في الوقت نفسه تقول:

﴿وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾

لم يقل: ويعاقب على كل شيء.

بل قال: يعفو عن كثير.

يعني أن رحمة الله أوسع من ذنوبك، وأن البلاء ليس بالضرورة نقمة محضة، بل قد يكون تنبيهًا، وتربية، وردًّا للقلب إلى الباب قبل أن يطول الشرود.

ومن هنا لا ينبغي أن يتحول ثقل البلاء إلى قنوط، بل إلى مراجعة وصدق، حتى لا يقع القلب في الكسل الروحي الذي يرى الخلل ثم يؤجل الرجوع.

🌙 بدل أن تقول فقط: عين، حسد، سحر

قل أيضًا:

ربّي… هل هذه رسالة لأعود؟

هل هذا تنبيه لأتوب؟

هل في حياتي باب ذنبٍ أصرّ عليه وأنا أتجاهل أثره؟

هل هذه رحمة تريد أن توقظني قبل أن أغرق أكثر؟

لا تنفِ العين والحسد حيث ثبتا أو ظهرت أسبابهما، لكن لا تجعلهما المخبأ الذي تهرب إليه من كل محاسبة.

🔗 اقرأ أيضًا

💡 الخلاصة

المصيبة ليست في المصيبة وحدها، بل في أن تأتي ولا توقظ قلبك.

فارجع إلى نفسك قبل أن تعلّق كل شيء على غيرها.

وتذكّر:

قد يكون البلاء رسالة تربية،
وقد يكون تنبيهًا إلى بابٍ تركته مفتوحًا،
وقد يكون لطفًا يردّك إلى الله قبل أن يطول غيابك.

فالذنوب لا تختفي بمجرد أن ننساها…

بل قد تبقى آثارها في القلب والحياة حتى نغسلها بتوبةٍ صادقة، ورجوعٍ لا يكتفي بتسمية الألم، بل يبحث عن جذره.

تعليقات

عدد التعليقات : 0