لماذا يحدث لي هذا رغم أني أدعو الله؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🌧️ لماذا يحدث لي هذا رغم أني أدعو الله؟

أحيانًا لا يكون أقسى ما في البلاء هو البلاء نفسه. بل أن تكون قد دعوت الله قبله. دعوت بصدق، وألححت، وربما ظننت أن الدعاء سيمنع هذا الشيء بعينه من الوقوع.

ثم وقع.

فتجلس أمام ما كنت تخشاه، وفي داخلك سؤال أشد إيلامًا من الحادثة نفسها:

إذا كنت قد دعوت الله… فلماذا تُركتُ أصل إلى هنا؟

وهنا يبدأ جرح آخر لا يراه الناس. فأنت لا تتألم مما وقع فحسب، بل تحاول أن تفهم ماذا يعني وقوعه لعلاقتك بالله.

نافذة يضربها المطر ويعبر منها ضوء هادئ إلى طريق غائم، تعبيرًا عن الدعاء حين يقع البلاء رغم الرجاء.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يتحول الألم إلى تفسير عن الله

هل لم يكن دعائي كافيًا؟
هل لم أُحسن الدعاء؟
هل أنا بعيد؟
هل كان الله يعلم أنني لا أحتمل، ومع ذلك وقع ما وقع؟

وهكذا يتحول الألم من حدث تعيشه إلى تفسير تبنيه. وهذه من أخطر اللحظات التي يمر بها القلب. لأن الإنسان حين يتألم لا يكتفي غالبًا بالشعور بالألم، بل يريد أن يعرف معناه. والنفس لا تحب الفراغ. فإذا لم تعرف لماذا جرى القدر، قد تملأ المساحة المجهولة بتفسير من عندها.

فتقول:

دعوتُ ولم يتغير الأمر، إذن لم تُستجب دعوتي.
بكيتُ ولم ينصرف البلاء، إذن لست قريبًا كما كنت أظن.
طلبت الحفظ ثم وقع ما أخافه، إذن ما فائدة الدعاء؟

لكن المشكلة هنا ليست في الألم. المشكلة أنك جعلت النتيجة التي كنت تريدها هي الدليل الوحيد على أن الله أجابك. وهذا معنى دقيق جدًا.

حين تجعل النتيجة الصورة الوحيدة للإجابة

قد يبدأ الإنسان الدعاء وهو يقول: يا رب، اختر لي. ثم يكتشف بعد ذلك أن قلبه كان يقول في مكان أعمق:

يا رب، اختر لي… بشرط ألا تختار هذا.

وكان يظن أنه سلّم أمره لله، بينما هو في الحقيقة قد رسم مسبقًا الشكل الذي يجب أن تأتي به الإجابة حتى يعترف بأنها إجابة. فإن جاء القدر على غير الصورة التي طلبها، لم يقل فقط: لم أفهم. بل قد يقول في داخله:

لماذا لم يستجب الله؟

وهنا يحتاج القلب إلى التفريق بين أمرين: أنك لم تحصل على الصورة التي دعوت بها، وأن دعاءك لم يكن له عند الله شأن. ليسا شيئًا واحدًا. أنت تعرف الأول أحيانًا. أما الثاني، فلا تملكه.

تعرف أنك دعوت بزوال أمر ثم بقي. تعرف أنك سألت بابًا ثم أُغلق. تعرف أنك رجوت نتيجة ثم جاءت الحياة بغيرها.

ما تعرفه… وما لا تملكه من الغيب

لكن ماذا جرى بدعائك في الغيب؟
وماذا دفع الله به؟
وماذا ادخر لك؟
وأين موضعه من رحمته وحكمته وقدره؟

هذه أبواب لم يفتحها لك. فلا تجعل جهلك بها حكمًا عليها. أنت ترى ما حدث بعد الدعاء، ولا ترى كل ما حدث بالدعاء. وهذه هي العقدة التي ينسى القلب فكها.

نحن نقرأ القدر من نافذة صغيرة جدًا، ثم نتعامل مع المشهد الذي رأيناه كأنه المشهد كله. ترى الخسارة، ولا ترى ما لم يقع. ترى الباب الذي أُغلق، ولا ترى ما وراء علمك. ترى أن ما طلبته لم يحدث، ثم تقفز النفس من هذه الحقيقة المحدودة إلى حكم أكبر منها بكثير:

إذن لم تُستجب دعوتي.
إذن لم أُرحم.
إذن أنا متروك.

وهذه ليست حقائق. هذه تفسيرات صنعها الألم.

لا تجعل الحزن عقيدة عن الله

ولذلك كان من أعظم ما يحتاجه الإنسان في البلاء ألا يمنع نفسه من الحزن، بل أن يمنع حزنه من التحول إلى عقيدة عن الله. من حقك أن تقول:

يا رب، هذا يؤلمني.

ومن حقك أن تبكي لأن ما رجوت لم يقع. ومن حقك أن تعود إلى الله بالسؤال نفسه مرات كثيرة. لكن ليس من العدل مع الحقيقة أن تجعل شدة ألمك دليلًا على أن الله ابتعد عنك. الألم يخبرك أنك تتألم، ولا يخبرك بمكانك عند الله. والتأخر يخبرك أن ما طلبته لم يقع بعد، أو لم يقع على الصورة التي أردتها، ولا يخبرك أن الله لم يسمعك.

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ قبل حساب النتائج

ولهذا تأتي آية الدعاء على نحو عجيب:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

تأمل موضع الطمأنينة فيها. لم يقل سبحانه إن قربه منك يثبت حين ترى النتيجة التي طلبتها. بل أثبت القرب أولًا:

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.

كأن القلب يُعاد إلى الأصل قبل أن يغرق في حساب النتائج. الله قريب، حتى حين لا تعرف ماذا يفعل بقدره. قريب، وإن لم تفهم لماذا بقي ما دعوت بزواله. قريب، وإن كانت الصفحة التي بين يديك مؤلمة. أما الإجابة، فقد أثبتها الله. لكننا نحن الذين نضيّق معناها أحيانًا حتى لا نسمح لها إلا بصورة واحدة: أن يقع ما أريد، بالطريقة التي أريد، وفي الوقت الذي أريد. فإذا لم يحدث ذلك، سميناه صمتًا. مع أن الذي سكت في الحقيقة ليس الوعد الإلهي… بل انقطعت عنا تفاصيل الغيب. وهذا فرق هائل.

الإيمان يعرف أين تتوقف معرفتك

الإيمان لا يعني أن تعرف لماذا وقع كل شيء. ولا يعني أن ترى الحكمة في اللحظة نفسها. ولا أن تجبر قلبك على تسمية كل خسارة خيرًا وأنت لا تعلم غيبها. إنما يعني أن تعرف أين تتوقف معرفتك. فتقول:

أنا أعرف أن هذا يؤلمني.
وأعرف أنني دعوت.
وأعرف أن الله قال إنه قريب.
وأعرف أن علمه أوسع من علمي.

ثم تقف. لا تكمل الجملة من عندك. لا تقل:

إذن أنا منسي.
إذن الدعاء لم ينفع.
إذن لا جدوى من أن أعود إليه.

لأن كل هذه الجمل تحتاج علمًا بالغيب، وأنت لا تملكه.

أن تدعو دون أن تملك على الله سيناريو

وقد يكون أعمق امتحان للدعاء ألا تكتفي بالاستمرار في الطلب، بل أن يبقى قلبك يعرف ربه عندما لا يرى أثر الدعاء بالصورة التي كان ينتظرها. أن تدعوه لا لأنك تملك عليه سيناريو، بل لأنك عبد وهو ربك. أن تطلب لأن الله أمر بالدعاء وفتح بابه. أن ترجوه بكل قلبك. ثم إذا جاء القدر على غير مرادك، فلا تحوّل اختلاف القدر عن رغبتك إلى خصومة مع الله.

وهذا ليس سهلًا. بل ربما كان من أثقل مقامات العبودية. لأنك في بعض الدعاء لا تسلّم شيئًا تملكه. بل تسلّم حقك المتوهَّم في معرفة كيف ينبغي أن يعاملك الله.

كنت تظن أن الرحمة تعني ألا يقع هذا. ثم تتعلم أن الرحمة أوسع من قدرتك على تعريفها. وكنت تظن أن الإجابة لا تكون إلا بأن يتغير الخارج. ثم تكتشف أن علاقتك بالله لا يجوز أن تُعلّق كلها على نتيجة واحدة. لا لأن النتيجة لا تهم، بل لأنها تهمك جدًا، حتى كدت تجعلها ميزانًا تقيس به الله.

وهنا يأتي التحرر الحقيقي: أن يبقى رجاؤك صادقًا دون أن يتحول إلى مطالبة. أن يبقى دعاؤك حارًا دون أن يتحول إلى اختبار لله. أن تقول:

يا رب، أنا ما زلت أريد هذا.
وما زال فقده يؤلمني.
وما زلت لا أفهم لماذا حدث ما حدث.
لكنني لن أجعل ما لا أفهمه حجة على ما أعرفه عنك.

هذه ليست لا مبالاة، وليست برودًا روحيًا. إنها عبودية قلب يعرف حدود بصره. فالطفل قد يرى يد الطبيب تؤلمه، ولا يعرف من المشهد إلا الألم. أما الحقيقة فأكبر من اللحظة التي يراها. ولله المثل الأعلى.

نحن نعيش داخل اللحظة. والله يعلم أولها وآخرها، ظاهرها وباطنها، ما كان منها وما يكون. ولذلك قال سبحانه:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

ليست هذه الآية أمرًا لك أن تتظاهر بأنك سعيد بكل ما حدث. بل هي حدٌّ فاصل بين علمين: علم الله الكامل، وعلمك الناقص. وحين تعرف موضعك بينهما، لا يعود مطلوبًا منك أن تفسر كل شيء. يكفي أحيانًا ألا تفسر الألم تفسيرًا يبعدك عن الله.

إذا بقي الوجع… فعد إلى الباب

قد تبقى الأسئلة. وقد يبقى الوجع. وقد لا تعرف لماذا وقع هذا رغم أنك دعوت طويلًا. لكن يمكن أن يتغير شيء أعمق: أن تتوقف عن استخدام البلاء كدليل اتهام. أن تقول:

لا أفهم ما حدث… لكن عدم فهمي ليس معرفة بسوء ما أراده الله بي.

وهنا يهدأ شيء في القلب. ليس لأن القصة انتهت، بل لأنك لم تعد تحمل فوق ألم القصة ألمًا آخر من صنعك: أن الله تركك. فإذا ضاق صدرك بعد الدعاء، فلا تخجل من أن تعود إلى الله بالدعاء نفسه. ولا تقل: دعوت من قبل، فما الفائدة؟ فأنت لا تعود إليه لأنك ضمنت شكل الجواب، بل لأنك عرفت بابك. وإذا لم تستطع أن تقول إلا:

يا رب، أنا لا أفهم…

فقلها. وإذا لم تستطع إلا أن تبكي بين يديه، فابكِ. ليس كل قربٍ من الله يحتاج كلمات عظيمة. أحيانًا يكفي أن تتوقف عن الهرب منه بسبب قدر لم تفهمه. فالذي لم تعرف حكمته ليس مجهولًا عند الله. والذي عجز قلبك عن حمله ليس خارج علمه. والدعاء الذي خرج منك لم يخرج إلى فراغ.

صحّح السؤال الذي تحت السؤال

لذلك، حين تقول:

لماذا يحدث لي هذا رغم أني أدعو الله؟

لا تُجبر نفسك على اختراع جواب عن الغيب. لكن صحح السؤال الذي تحته. لا تسأل فقط:

لماذا لم يحدث ما طلبت؟

واسأل قلبك أيضًا:

متى جعلتُ وقوع ما أريد هو البرهان الوحيد على أن الله قريب مني؟

ثم عُد. لا إلى تفسير مكتمل، بل إلى رب كامل العلم، كامل الرحمة، لا يضيع عنده دعاء عبد، ولا يحتاج عبده أن يفهم كل أقداره حتى يطرق بابه.

اللهم إن خفيت عنا حكمتك، فلا تجعل جهلنا بها يفسد معرفتنا بك، وارزقنا قلبًا يدعوك بصدق، ويرجوك بلا افتراء على الغيب، ويسكن إلى قربك حين تعجز عيناه عن فهم الطريق.

تعليقات

عدد التعليقات : 0