هموم المغترب: تحمل همَّ أهلك في غربتك… فمن يحمل همَّك؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد يكون هناك إنسان بعيد عنك، يحمل من همومك أكثر مما تتخيل، ومع ذلك لا يخبرك بشيء مما يحمله في قلبه.

كرسي خالٍ عليه سترة عمل، وهاتف وكوب شاي أمام نافذة مدينة عند المساء، تعبيرًا عن هموم المغترب وحاجته إلى من يطمئن عليه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

هموم المغترب التي لا يراها أهله

تتصل به حين تحتاج إلى مال، أو تواجهك مشكلة، أو تضيق بك الظروف، فتجده يستمع إليك، ويسألك عما تحتاج، ويحاول أن يساعدك بما يستطيع. وربما لم يخطر ببالك، وأنت تحدثه عن همومك، أن تسأله عن همومه هو أيضًا.

لا لأنك لا تحبه، ولا لأنك لا تهتم بأمره، ولكن لأنك اعتدت أن تراه قويًّا، حاضرًا عند الحاجة، قادرًا على تدبير الأمور، حتى أصبحت تنسى أحيانًا أن لهذا الإنسان حياة أخرى لا تعرف عنها إلا القليل.

إنه مغترب. إنسان خرج من بلده يطلب رزقًا، ويحمل معه وجوهًا يحبها، وأحلامًا يرجو تحقيقها، ومسؤوليات يعرف أنه لا يستطيع التخلي عنها.

وربما كان يوم سفره من أصعب أيام حياته. ترك بيتًا يألفه، وأهلًا يأنس بهم، ووجوهًا اعتاد أن يراها دون موعد، وأماكن لم يكن يشعر بقيمتها حتى ابتعد عنها. ثم مضى إلى بلد لا يعرف فيه أحدًا، أو يعرف فيه أناسًا لا يستطيعون أن يعوضوه عما ترك.

ومع الأيام بدأ يتعلم كيف يعيش بعيدًا عن كل ما كان قريبًا منه. يتعلم كيف يواجه التعب وحده، وكيف يقضي حاجاته بنفسه، وكيف يخفي حنينه حين لا يجد وقتًا للبكاء عليه.

ولكن هناك شيء ربما لم يتوقعه حين قرر السفر. أن يصبح البعد عن أهله سببًا في شعوره بمسؤولية أكبر تجاههم، بينما يجعلهم البعد عنه أقل قدرة على رؤية ما يمر به.

فهم يرون ما يصل إليهم من جهده، لكنهم لا يرون دائمًا ما يبذله حتى يصل ذلك إليهم. يرون الحوالة التي أرسلها، لكنهم لا يرون الساعات التي قضاها واقفًا في عمله. يعرفون أنه يعمل، لكنهم قد لا يعرفون كيف يعود آخر النهار.

كم مرة عاد مرهقًا، ولم يجد من يسأله: هل أكلت اليوم؟ هل أنت بخير فعلًا؟ هل هناك شيء يؤلمك؟

وكم مرة جلس وحده في غرفته، وأمسك هاتفه ليتصل بأهله، ثم تراجع قليلًا، لأنه لا يعرف ماذا يقول لهم؟

هل يخبرهم بأنه متعب؟ هل يقول إن العمل أصبح أشد عليه؟ هل يحدثهم عن ضيق يمر به، أو خوف من فقدان وظيفته، أو دين يحاول سداده، أو راتب لم يعد يكفي كل ما ينتظره؟

ثم يفكر في أمه التي تنتظر أن تسمع صوته مطمئنًا، وفي أبيه الذي قد يزداد قلقًا إن عرف، وفي زوجته وأطفاله الذين يحتاجون إلى الشعور بالأمان. فيبتلع بعض ما كان يريد قوله. وحين يسألونه عن حاله، يجيب:

الحمد لله، أنا بخير.

وربما كان يحمد الله صادقًا، ويعرف نعمه عليه، لكنه لم يخبرهم بكل ما يتعبه. فليس كل من قال: «أنا بخير» كان خاليًا من الهموم، وليس كل من طمأن أهله إلى حاله قد أخبرهم بما يحمله قلبه.

وهنا وجع لا يعرفه إلا من عاش شيئًا منه. أن تكون بعيدًا عن أهلك، وتشتاق إليهم، ثم تشعر أنك مطالب بأن تبقى قويًّا من أجلهم، حتى في الأيام التي تحتاج فيها أنت إلى من يقويك.

أن تسمع مشكلاتهم واحدة بعد أخرى، وتحاول أن تجد لها حلولًا، بينما تؤجل الحديث عن مشكلاتك؛ لأنك لا تريد أن تزيد عليهم همًّا جديدًا. أن تفرح حين تستطيع أن ترسل إليهم ما يحتاجون، ثم تعود لتحسب ما بقي معك، وتفكر كيف ستقضي به بقية الشهر.

وربما تضيق عليك الحال، فلا تستطيع أن ترسل كما كنت ترسل. فتشعر بالحزن، لا لأنك تكره العطاء، ولكن لأنك تعرف أن وراء ذلك المال حاجات حقيقية، ووجوهًا تنتظر، وأناسًا تحبهم ولا تريد أن ترى الحاجة في أعينهم.

وقد يكون أشد ما يؤلمك حينئذٍ أنك لا تستطيع أن تشرح عجزك كما ينبغي. فأنت لا تريد أن يشعر أهلك بأنهم عبء عليك. ولا تريد أن يظنوا أنك تغيرت، أو أن محبتك لهم نقصت، أو أنك أصبحت تنسى احتياجاتهم.

ولكنك أنت أيضًا إنسان. تتعب، وتمرض، وتخاف، وتضيق بك الأسباب، وقد تمر عليك أيام لا تعرف فيها كيف ستدبر أمرك أنت، فضلًا عن أمور الآخرين.

والمؤلم أحيانًا ليس أن يطلب منك من تحب شيئًا، وإنما أن تعجز عن تلبيته، ثم تشعر أنك مضطر إلى الدفاع عن محبتك لهم.

لأهلك عليك حق… ولنفسك عليك حق

أيها المغترب... ليس عيبًا أن تتعب. وليس نقصًا في رجولتك أن تحتاج إلى كلمة طيبة، أو إلى من يستمع إليك، أو إلى من يسألك عن حالك دون أن يكون وراء السؤال طلب آخر. وليس من شروط محبتك لأهلك أن تستطيع حل كل مشكلة يواجهونها.

لقد خرجت تسعى في رزقك، وتجتهد فيما تستطيع، وتريد أن تكون نافعًا لمن تحب. وهذا باب عظيم من أبواب الخير إذا صلحت فيه النية واستقام العمل.

ولكن انتبه إلى أمر قد تغفل عنه وأنت تحاول أن تؤدي حقوق الجميع. أنت أيضًا ممن لهم عليك حق.

فلا تجعل حرصك على راحة أهلك سببًا في إهمال صحتك، أو استنزاف نفسك فيما لا تطيق، أو تحميل ذمتك ديونًا لا تعرف كيف ستفي بها، لمجرد أنك تخشى أن تقول لهم: لا أستطيع الآن.

وقد ثبت في صحيح البخاري إقرار النبي ﷺ لقول سلمان رضي الله عنه:

«إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ».

فقال النبي ﷺ: «صدق سلمان». (صحيح البخاري، ١٩٦٨).

تأمل هذا التوازن. لم يجعل حق الأهل سببًا لإسقاط حق النفس، ولا جعل حق النفس ذريعة للتخلي عن الأهل. بل لكل ذي حق حقه.

فلا تظن أن العطاء الصادق يعني أن تنسى نفسك تمامًا، أو أن الوفاء يقتضي أن تعد بما لا تملك، أو أن تحمل من المسؤوليات ما يتجاوز استطاعتك.

إن استطعت أن تعين فأعن، واحتسب ما تقدمه عند الله. وإن ضاقت بك الأسباب، فاصدق مع أهلك، وأخبرهم بما تستطيع وما لا تستطيع، بالحكمة والرفق اللذين يحفظان محبتكم.

فليس كل عجز تقصيرًا، وليس كل اعتذار عن طلب تخليًا عن المسؤولية. وقد يكون الصدق الهادئ أرحم بعلاقتكم من وعود تظل تثقل صدرك، وتزيد عليك الخوف كلما اقترب موعد الوفاء بها.

الغربة قد توجع من سافر ومن بقي

ولكن هناك جانبًا آخر من هذه الحكاية ينبغي ألا نغفل عنه. ليس كل أهل ينتظرون المال قد نسوا الإنسان الذي يرسله. فقد تكون الأم محتاجة فعلًا، والوالد عاجزًا عن الكسب، والزوجة تواجه مسؤوليات ثقيلة وحدها، والأطفال ينتظرون احتياجات لا يستطيعون تأجيلها.

وقد يكون بعضهم يخفي عنه همومه أيضًا؛ لأنه لا يريد أن يزيد عليه التعب. فالغربة قد توجع من سافر، كما قد توجع من بقي ينتظر عودته.

والحياة ليست دائمًا طرفًا يعطي وطرفًا يأخذ دون إحساس. قد يكون الجميع متعبين، والجميع يحب بعضه، لكن كل واحد منهم لا يرى من تعب الآخر إلا ما يصل إليه.

ولهذا لا ينبغي أن تتحول هذه الكلمات إلى اتهام للأهل، ولا إلى دعوة للمغترب أن يقسو عليهم أو يمنّ بما يقدم لهم. وإنما هي دعوة إلى أن يرى بعضنا بعضًا بقلوب أكثر رحمة.

يا أهل المغترب: اسألوا عن الإنسان قبل احتياجاتكم

يا أهل المغترب... قد يكون ابنكم أو أخوكم أو زوجكم أبعد الناس عن أعينكم، لكنه ليس أقلهم حاجة إلى اهتمامكم. لا تجعلوا حديثكم معه كله عن المصروف، والإيجار، والديون، وما ينبغي إرساله في الشهر القادم.

اسألوه أحيانًا عن يومه. عن صحته. عن عمله. عن غربته. واسألوه سؤالًا لا يشعر معه أنه مطالب بإجابة تطمئنكم فحسب:

هل أنت مرتاح؟ وهل هناك شيء نستطيع أن نخففه عنك؟

وإذا أخبركم بأنه لا يستطيع إرسال ما طلبتم، فلا تجعلوا أول ما يخشاه أن تفهموا عجزه على أنه قلة محبة. اسمعوا منه قبل أن تحكموا عليه.

فقد يكون في قلبه من الحزن بسبب عجزه ما يكفيه. وقد يكون احتياجه في تلك اللحظة إلى تفهمكم أعظم من احتياجه إلى أي شيء آخر.

وتذكروا أن بعض الناس لا ينتظرون من أحبائهم حلولًا لمشكلاتهم. يكفيهم أحيانًا أن يشعروا أن مكانتهم في قلوب أهلهم لا تتغير حين تقل قدرتهم على العطاء.

وما أعظم الفرق بين أن يتصل بك أهلك ليسألوك: ماذا أرسلت لنا؟ وأن يتصلوا بك ليقولوا: اشتقنا إليك، وأردنا أن نطمئن عليك.

قد تكون المكالمتان من أهل يحبونك. لكن الثانية قد تصل إلى موضع في قلبك لا تصله الأموال كلها.

حين يبقى موعد راحتك مؤجلًا

أيها المغترب... ربما قرأت هذه الكلمات وتذكرت موقفًا لم تستطع أن تنساه. يومًا كنت فيه شديد التعب، ولم تجد من تبوح له. أو ليلة ضاقت عليك فيها الهموم، ثم جاءتك رسالة من أهلك تتحدث عن حاجة جديدة، فلم تعرف أتبدأ بالرد عليها أم بمحاولة تهدئة ما في صدرك.

وربما تذكرت سنوات مضت وأنت تؤجل أشياء تحبها، وتقول لنفسك: حين تتحسن الظروف سأفعلها.

سأعود لأزور أهلي.
سأجلس مع أطفالي.
سأرتاح قليلًا.
سأبدأ حياة أكثر هدوءًا.

ثم تمضي الأيام، وتتغير الحاجات، وتظهر مسؤوليات جديدة، ويظل موعد راحتك مؤجلًا. حتى تجد نفسك أحيانًا تسأل:

إلى متى سأظل هكذا؟
ومن يشعر بي كما أشعر بالجميع؟
ومن يحمل همي كما أحمل همومهم؟

إن كنت تحمل همومًا لا يعرفها أهلك، فإن الله يعلمها

وهنا أريدك أن تنتبه إلى معنى أعظم من كل ما سبق. إن كنت تحمل همومًا لا يعرفها أهلك، فإن الله يعلمها. وإن كنت عاجزًا عن وصف ما تشعر به، فإن الله لا يخفى عليه شيء من أمرك.

يعلم سعيك، وتعبك، وصدق نيتك، وما تقدر عليه وما تعجز عنه. يعلم ما تخفيه في صدرك حين تطمئن أهلك، وما تقوله في نفسك حين تنظر إلى مالك القليل وحاجاتك الكثيرة. ويعلم تلك اللحظات التي لا يراك فيها أحد، حين تغلق باب غرفتك، وتسقط عن وجهك ملامح القوة التي حاولت أن تظهر بها أمام الناس.

ولكن احذر أن تفهم هذا المعنى على أن الله وعدك بأن تزول كل مشكلاتك في وقت قريب، أو أن الغربة ستنتهي كما تتمنى، أو أن كل ما حرمت نفسك منه ستنال عوضه في الدنيا على الصورة التي ترجوها. فليس هذا ما نملك أن نجزم به.

إنما الحقيقة التي يطمئن إليها المؤمن أن ربه عليم بحاله، سميع لدعائه، رحيم بعباده، لا يخفى عليه شيء من آلامهم وأعمالهم. وأن قربه من الله لا يتوقف على تحسن راتبه، ولا على انتهاء غربته، ولا على قدرته على إرضاء كل من حوله.

ولك في نبي الله يعقوب عليه السلام عبرة عظيمة حين قال:

﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].

تأمل... نبي كريم لم يمنعه إيمانه من الحزن، ولم يمنعه صبره من الشكوى إلى ربه.

فكيف تستحي أنت من أن تقول لله ما يؤلمك؟ كيف تظن أن عليك أن تبدو قويًّا حتى بين يديه، وهو الذي يعلم ضعفك قبل أن تتكلم؟

إذا ضاق صدرك، فادعه. إذا أثقلتك المسؤوليات، فاسأله العون. إذا خفت أن تعجز عن الوفاء بحقوق من تحب، فاسأله الرزق الحلال والتوفيق والسداد.

وإذا شعرت أن أحدًا لا يفهم ما تمر به، فلا تجعل هذا الشعور يحرمك الأنس بمناجاة ربك.

التوكل لا يعني أن تحمل كل شيء وحدك

ولكن تذكر أيضًا أن التوكل على الله لا يعني أن تكتم كل همومك عن الناس. فقد يجعل الله لك من أهلك أو أصحابك من يستمع إليك، ويعينك، ويشير عليك بما ينفعك.

فلا تحرم من يحبك فرصة الوقوف إلى جانبك لمجرد أنك اعتدت أن تكون أنت الذي يقف إلى جانب الجميع. ولا تنتظر حتى يشتد عليك الأمر لتخبر من تثق به أنك تحتاج إلى مساعدة.

ليس مطلوبًا منك أن تحكي لكل الناس تفاصيل حياتك، ولكن ليس مطلوبًا منك أيضًا أن تحمل كل شيء وحدك. فالقوة ليست أن تعجز عن قول: «أنا متعب»، وإنما أن تعرف متى تصبر، ومتى تستعين، ومتى تعترف بأن طاقتك محدودة دون أن تفقد ثقتك بالله.

احتسب عطاءك، واحفظ حقك في التقدير

وأريدك أن تتأمل أمرًا آخر. قد تكون غربتك قد أخذت منك سنوات كثيرة. وقد تكون قدمت لأهلك أشياء عظيمة لا يعرفون مقدار ما كلفتك. لكن لا تجعل محبتك لهم تتحول مع الوقت إلى حساب دائم لما أعطيت وما لم يقدّروه. فإن فعلت، فقد تجد نفسك تحمل مع تعب الغربة مرارة أخرى تثقل قلبك.

أحسن إليهم ما استطعت، واطلب منهم أن يتفهموا ظروفك، وعبّر عن احتياجاتك بصدق، واحفظ حقوقك دون أن تفسد محبتك. واجعل من عملك وعطائك ما تحتسب أجره عند الله.

فليس شرطًا أن يعرف الناس كل ما ضحيت به حتى يكون لتضحيتك معنى. وليس شرطًا أن يشكروك على كل معروف حتى يستحق المعروف أن تفعله. لكن هذا لا يمنعك من أن تحتاج إلى التقدير، ولا يسقط حقك في المعاملة الحسنة.

فأنت لا تطلب المستحيل حين تتمنى أن تسمع ممن تحب كلمة تشعرك أنهم يرون تعبك، لا ما تقدمه فقط. وأنت لا تنتقص من عطائك حين تتمنى أن تكون محبوبًا لذاتك، لا لقدرتك على تلبية الاحتياجات.

وربما يكون من أجمل ما تسمعه يومًا من أهلك:

نحن نحبك، سواء استطعت أن ترسل إلينا هذا الشهر أم لم تستطع. نشتاق إليك، ولا نريد أن يكون تعبك ثمنًا لصمتك عن نفسك. اهتم بصحتك، وأخبرنا حين تتعب. إن احتجنا إلى شيء أخبرناك، وإن عجزت تفهمنا ظروفك. فأنت عندنا أغلى من المال الذي ترسله.

ما أعظم هذه الكلمات حين تكون صادقة! وما أرحم البيت الذي يعرف أفراده أن المسؤولية لا تلغي الحاجة إلى الحنان، وأن من اعتاد العطاء قد يكون أشد الناس حاجة إلى من يطمئنه بأنه ليس وحده.


لا تجعل حياتك معلقة على نهاية الغربة

أيها المغترب... لعل غربتك تطول، ولعلها تقصر. ولعل الله ييسر لك العودة، أو يكتب لك البقاء حيث أنت مدة لا تعلمها. ولكن لا تجعل حياتك كلها معلقة على اليوم الذي تنتهي فيه الغربة.

عش ما تستطيع من الخير في يومك. صل رحمك، واطمئن على أهلك، واعتن بصحتك، واحفظ صلاتك، وخذ من الراحة ما تحتاج إليه، ولا تستصغر نعمة تجدها بين يديك لأنك مشغول بما لم يتحقق بعد.

واعمل واجتهد، لكن لا تجعل قيمتك في عين نفسك مرهونة بمقدار ما تكسب، أو بما تستطيع أن تقدمه للآخرين. فأنت عبد لله قبل أن تكون مصدر رزق لأحد. ولك قلب يحتاج إلى الطمأنينة، وجسد يحتاج إلى الراحة، وروح تحتاج إلى الأنس بالله.

وإن كان الناس قد اعتادوا منك أن تكون سندًا، فلا تجعل ذلك ينسيك حاجتك إلى سندك الأعظم: ربك سبحانه وتعالى. ادعه بقلبك كله، واستعن به، وخذ بالأسباب التي أتاحها لك، ولا تيأس من رحمته إذا تأخر عنك ما ترجو.

وإذا جاء يوم لم تستطع فيه أن تحقق لأهلك ما يتمنون، فلا تجعل عجزك عن شيء خارج استطاعتك حكمًا على نفسك بأنك خذلتهم. قد لا تستطيع أن تحمل عن أهلك كل همومهم، ولكنك تستطيع أن تحبهم بصدق، وأن تسعى لهم بأمانة، وأن تعتذر عما تعجز عنه برفق.

وقد لا يعرف أهلك كل ما حملته من أجلهم. لكن الله يعلم.

وقد لا تجد في كل مرة من يسألك عن حزنك. لكن باب الدعاء إلى الله مفتوح.

وقد تضطر أن تواجه أيامًا شديدة لا تخلو من الوحدة والتعب. لكن لا تجعل شدة تلك الأيام تنسيك أن لك ربًّا تسمع منه وعد الرحمة، وترجو منه العون والهدى والتثبيت.

وفي نهاية الأمر، لعل أكثر ما يحتاج إليه المغترب ليس أن يتوقف أهله عن طلب ما يحتاجون إليه، ولا أن يشعروا بالذنب كلما قبلوا منه معروفًا. وإنما أن يبقى بينهم ذلك المعنى الذي يجعل الأسرة أسرة حقًّا: أن يظل الإنسان عزيزًا في قلوب أهله، سواء كان قادرًا على العطاء أو محتاجًا إلى من يعينه.

فإذا كنت مغتربًا، فلا تنس نفسك وأنت تعتني بمن تحب. وإذا كان لك مغترب بعيد، فلا تنس قلبه وأنت تنتظر عودته أو عطاءه. فقد يعتاد الناس أن يجدوا في إنسان سندًا كلما احتاجوا، حتى ينسوا أنه يحتاج هو أيضًا إلى من يسنده.

وربما كان أوجع ما في غربته أنه كلما سئل عما يستطيع تقديمه وجد جوابًا، لكنه ينتظر منذ زمن طويل سؤالًا آخر:

كيف حال قلبك أنت؟

دعاء للمغترب وأهله

اللهم يا لطيف يا رحيم، كن عونًا لكل مغترب أثقلته المسؤوليات، وأتعبه السعي، وأوجعه البعد عن أهله. اللهم ارزقه رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا، وأعنه على أداء الحقوق، وقضاء الديون، وحفظ الأمانات.

اللهم آنس وحشته، واشرح صدره، ويسر أمره، واحفظه من كل سوء. اللهم أصلح ما بينه وبين أهله، واجعل بينهم مودة ورحمة وتفاهمًا، ولا تجعل ضيق الرزق سببًا في قطيعة أو جفاء.

اللهم إن كان متعبًا فقوّه، وإن كان مهمومًا ففرّج همه، وإن كان حائرًا فاهده إلى أرشد أمره. اللهم لا تجعل الغربة تشغله عنك، واجعل له من ذكرك أنسًا، ومن طاعتك نورًا، ومن التوكل عليك قوة وثباتًا.

واجمعه بأهله على خير، واكتب له ولهم ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم. آمين يا رب العالمين.

تعليقات

عدد التعليقات : 0