هناك وجع قد يسكن قلب أبيك أو أمك في كبرهما، ولا يخبرانك به، ليس لأنهما لا يشعران به، بل لأنهما لا يريدان أن يثقلا عليك حتى بالحديث عما يؤلمهما.
قد لا يكون أشد ما يؤلمهما ضعف الجسد، ولا كثرة الأمراض، ولا العجز عن بعض الأعمال التي اعتادا القيام بها طوال حياتهما. بل أن يشعرا، شيئًا فشيئًا، أن مكانتهما في البيت قد تغيّرت، وأن رأيهما لم يعد مهمًّا كما كان، وأن أبناءهما أصبحوا يتعاملون معهما كما لو أنهما طفلان لا يحسنان التفكير أو اتخاذ القرار.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
بر الوالدين عند الكبر: حين تتغيّر المعاملة
تخيّل أبًا كان يومًا مرجع أسرته. يسألونه فيجيب، ويستشيرونه فيشير، ويعودون إليه حين تختلف آراؤهم، ويطمئنون إلى وجوده حين تضطرب أمورهم.
ثم تمر السنوات. يضعف سمعه، وتتباطأ حركته، وربما ينسى بعض الأشياء، أو يحتاج إلى من يساعده في أمور كان يقوم بها وحده.
وذات يوم، يجلس بين أبنائه وهم يتحدثون عن شأن يخصه. يحاول أن يبدي رأيه، فيقاطعه أحدهم قائلًا: «يا أبي، أنت لا تعرف هذه الأمور، دعنا نتصرف نحن».
ربما لم يقصد الابن إهانته. وربما كان يرى أنه أقدر منه على معالجة الأمر.
لكن هل فكّر في وقع تلك الكلمات على قلب أبيه؟
ذلك الرجل الذي كان يعلّمه كيف يواجه الحياة، أصبح يسمع من ابنه أنه لا يعرف كيف يتصرف في شأن يخص حياته!
وقد يبتسم الأب، أو يسكت، أو يغيّر الحديث. لكن سكوته لا يعني بالضرورة أن الكلمة لم تؤلمه. وربما لم يوجعه اختلاف ابنه معه بقدر ما أوجعته الطريقة التي أُشعر بها أن رأيه لم يعد يستحق أن يُسمع.
وهناك أمٌّ قضت سنوات طويلة وهي تدير شؤون بيتها، وتعرف احتياجات أبنائها، وتتخذ من القرارات اليومية ما لا يكاد أحد ينتبه إلى كثرتها.
ثم تكبر. فتصبح أبطأ في بعض أعمالها، وربما تحتاج إلى المساعدة في ترتيب أغراضها، أو تكرّر سؤالًا، أو تنسى أين وضعت شيئًا. فيبدأ بعض أبنائها بمخاطبتها بنبرة لم يكونوا يجرؤون على مخاطبتها بها من قبل.
«كم مرة قلنا لك؟»
«لا تفعلي هذا!»
«أنتِ لا تفهمين!»
«اجلسي واتركي الأمر لنا!»
وقد يقول أحدهم معتذرًا: نحن نفعل ذلك خوفًا عليها، ونريد راحتها. وهذا قد يكون صحيحًا.
ولكن هل يكفي أن تكون نيتك الرحمة، إذا كانت طريقتك تجعل من تريد رحمته يشعر بالمهانة؟
تأمّل هذا جيدًا. ليس كل ما يفعله الإنسان بدافع المحبة يصل إلى قلب من يحب على هيئة محبة.
فقد تساعد أباك، ولكن بأسلوب يشعره بالعجز. وقد تخدم أمك، ولكن بكلمات تشعرها أنها أصبحت عبئًا. وقد تتولى شؤونهما طلبًا لراحتهما، ثم تنسى أن تسألهما عمّا يريدان، وكأن تقدّم العمر قد أسقط حقهما في الاختيار.
الحاجة إلى الرعاية لا تسقط الكرامة
وهنا ينبغي أن تنتبه إلى حقيقة عظيمة:
كبر والديك لا يعني أنك أصبحت أبًا لأبيك، أو أمًّا لأمك. أنت لا تزال ابنهما.
نعم، قد تتغيّر مسؤولياتك، وتزداد حاجتهما إليك، وقد تصبح أنت من يقودهما إلى الطبيب، ويعينهما على الحركة، ويتولى بعض شؤونهما المالية واليومية. لكن هذه المسؤوليات الجديدة لا تمنحك الحق في أن تسلبهما مكانتهما القديمة.
فالحاجة إلى المساعدة ليست فقدانًا للكرامة. والضعف الجسدي ليس دليلًا على ضعف الرأي. والنسيان العارض لا يعني أن الإنسان فقد قدرته على فهم كل ما يدور حوله.
وحتى إذا أصاب أحدهما مرض أثّر فعلًا في قدرته على الإدراك واتخاذ القرار، فإن حاجته إلى الحماية والرعاية لا تُسقط حقه في الرفق والاحترام، ولا تبيح إهانته أو الاستهانة بمشاعره.
وقد تستدعي بعض الحالات التي يتأثر فيها إدراك أحد والديك وقدرته على اتخاذ القرار تدخلًا لحمايته من ضرر محقق، مع الاستعانة بأهل الاختصاص عند الحاجة، ومراعاة حقوقه وكرامته.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تحمي إنسانًا مع حفظ كرامته، وأن تفرض عليه ما تراه مناسبًا وأنت تشعره بأنه لم يعد يفهم شيئًا.
ليس المطلوب أن تترك والديك يفعلان ما قد يضرّهما. وإنما المطلوب ألا تجعل حرصك عليهما سببًا في جرحهما.
كيف تساعد والديك دون أن تجرحهما؟
فكم من كلمة يمكن أن تُقال بطريقتين، وتؤدي الغرض نفسه، لكن إحداهما تُشعر الإنسان بالاحترام، والأخرى تُشعره بالانكسار!
يمكنك أن تقول لأبيك: «أنت لا تعرف، اترك الأمر لي».
ويمكنك أن تقول: «يا أبي، ما رأيك أن نتولى هذا عنك حتى لا تتعب؟»
ويمكنك أن تقول لأمك: «لقد أخبرتك بهذا عشر مرات!» ويمكنك أن تجيبها بهدوء، مدركًا أن تكرار السؤال قد يكون خارجًا عن إرادتها.
قد يبدو الفرق بسيطًا في الكلمات. لكنه ليس بسيطًا في القلب الذي يسمعها.
إن الإنسان حين يكبر لا يفقد حاجته إلى الشعور بقيمته. بل قد تصبح هذه الحاجة أشد حضورًا في نفسه، خصوصًا حين يرى بعض قدراته التي اعتاد الاعتماد عليها تتراجع.
فلا تضف إلى حزنه على ما فقده شعورًا بأنه فقد منزلته عند أحب الناس إليه. ولا تجعل عجزه عن حمل بعض أعباء الحياة سببًا في أن يشعر أنك لم تعد تحتمل وجوده إلا بوصفه مسؤولية ثقيلة.
تذكّر أن أباك قد يتألم حين يراك تتخذ قرارات تخص حياته دون أن تشاوره. وأن أمك قد يحزنها أن تتحدث عن ضعفها أمام الآخرين، ولو كنت تقصد وصف حالتها أو إظهار اهتمامك بها.
وأن كليهما قد يتردد في طلب المساعدة، لا لأنه لا يحتاج إليها، بل لأنه يخشى أن يرى الضيق على وجهك، أو يسمع منك كلمة تشعره أنه أثقل عليك.
وهنا يظهر معنى من معاني البرّ قد يغفل عنه الإنسان وهو منشغل بالخدمة. فليس البرّ أن تقضي حاجات والديك فحسب، بل أن تحفظ قلبيهما وأنت تقضي تلك الحاجات.
أن تعينهما دون أن تمنّ عليهما. وأن تصبر على بطئهما دون أن تُشعرهما أنهما يعطّلان حياتك. وأن تستمع إلى حديثهما، ولو سبق أن سمعته.
وأن تستشيرهما فيما يستطيعان إبداء الرأي فيه، لا لأنك مضطر إلى الأخذ بكل رأي، بل لأنك لا تريد أن يشعر أحدهما أنه أصبح غريبًا عن شؤون أسرته. وأن تحرص على ألا يتحول وجودهما بين أبنائهما إلى وجود صامت، لا ينتظر منه أحد حديثًا أو رأيًا.
القول الكريم وخفض الجناح من الرحمة
تأمّل كيف وجّهنا الله سبحانه وتعالى إلى برّ الوالدين عند الكبر، فقال:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
لم ينهنا الله عن العقوق الظاهر فحسب، بل نهانا حتى عن كلمة التأفف. تلك الكلمة الصغيرة التي قد تخرج حين يضيق الصدر، أو يتكرر الطلب، أو تزداد المشقة.
ثم أمرنا بالقول الكريم. وتأمّل وصف القول بأنه كريم. فليست المسألة أن تخاطب والديك بكلمات خالية من السب والإهانة فقط. بل أن يكون خطابك لهما خطاب تكريم، يحمل من الاحترام واللطف ما يليق بمكانتهما.
ثم قال سبحانه:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
ما أعظم هذا التوجيه! أن تخفض لهما جناحك من الرحمة. لا أن تتعالى عليهما لأنك أصبحت أقوى جسدًا، أو أكثر علمًا بشؤون العصر، أو أقدر على تدبير بعض الأمور.
فقد تكون أعلم من أبيك بالتقنية، وأقدر من أمك على إنجاز المعاملات، وأسرع منهما في فهم بعض المستجدات. لكن هذه المزايا لا تجعل قدرك عند الله أعلى من قدرهما، ولا تبيح لك أن تتصرف معهما باستعلاء.
وما أجمل أن يجتمع فيك أمران: أن تكون قويًّا بما يكفي لتحمل عنهما ما شقّ عليهما، ومتواضعًا بما يكفي حتى لا يشعر أحدهما أنك تتفضل عليه.
فأنت حين تساعد أباك على المشي لا تحتاج إلى أن تُشعره بأنه عاجز. وحين تعيد شرح أمر لأمك لا تحتاج إلى أن تُشعرها بأنها بطيئة الفهم. وحين تتولى شأنًا من شؤونهما لا تحتاج إلى أن تذكّرهما في كل مرة بأنك من يقوم به.
دع المساعدة تصل إليهما، ولا تجعل معها ما يجرح كرامتهما.
اترك لهما ما يستطيعان
وهناك أمر آخر يستحق أن تقف عنده طويلًا.
قد ترى أباك يصرّ على فعل شيء بنفسه، مع أنك تستطيع فعله أسرع منه. وقد ترى أمك تحاول ترتيب بعض أغراضها، ولو استغرق ذلك منها وقتًا أطول. فتستعجل أخذ الأمر منهما. وربما تظن أنك بذلك تريحهما.
لكن هل سألت نفسك: ربما كان في قدرتهما على فعل بعض الأشياء بأنفسهما شعور عزيز عليهما بالاستقلال؟ ربما لم يكونا يبحثان عن أسرع طريقة لإنجاز العمل، بل عن الإحساس بأنهما ما زالا قادرين على العطاء والفعل؟
لهذا، ما دام الأمر آمنًا ومناسبًا لقدراتهما، فلا تسارع دائمًا إلى انتزاع كل مهمة من أيديهما.
ساعد حين يحتاجان، واترك لهما ما يستطيعان. فمن الرحمة أن تعين الإنسان على ما عجز عنه، ومن الرحمة أيضًا ألا تسلبه ما بقي له من قدرة.
ثم تذكّر شيئًا قد لا تنتبه إليه إلا متأخرًا. أن أباك الذي أصبح بطيئًا في المشي، كان يومًا ينتظر خطواتك الأولى بفرح. وأن أمك التي ربما تكرر عليك السؤال اليوم، كانت تسمع منك السؤال نفسه مرات كثيرة، وتجيبك وهي ترجو أن تفهم.
التعب في الرعاية لا يبيح الإهانة
وليس معنى هذا أن ما بذلاه لك يمنع أن تشق عليك رعايتهما أحيانًا. فقد تكون الرعاية مرهقة فعلًا، وقد تضيق بك الظروف، وتتزاحم عليك المسؤوليات، وربما تحتاج إلى مساعدة إخوتك أو غيرهم حتى تستطيع القيام بحقوقهما.
لكن التعب شيء، والإهانة شيء آخر.
قد تتعب وأنت بارّ. وقد تحتاج إلى الراحة وأنت رحيم. وقد تعجز عن تلبية بعض طلباتهما دون أن تكون عاقًّا.
فليس المطلوب منك أن تمتلك قدرة لا تنفد، ولا أن تنكر احتياجاتك الإنسانية. وإنما أن تجاهد نفسك حتى لا يتحول تعبك إلى قسوة عليهما، وأن تبحث عما يعينك على رعايتهما من غير أن تجعل قلبيهما يدفعان ثمن إرهاقك.
محبتهما لا تتغير بتغيّر قدرتهما
واعلم أن من أشد ما يحتاج إليه الوالدان في كبرهما أن يطمئنا إلى أن محبة أبنائهما لم تتغير بتغيّر قدرتهما على العطاء.
أن يشعر أبوك أنك ما زلت تحب مجالسته، ولو لم يعد قادرًا على مساعدتك كما كان. وأن تشعر أمك أنك ما زلت تأنس بحديثها، ولو أصبحت تحتاج إلى أن تعيد بعض ما تقوله. أن يبقى لهما مكان في قلبك، لا بوصفهما شخصين يحتاجان إلى الرعاية فحسب، بل بوصفهما أباك وأمك، بكل ما تحمله هاتان الكلمتان من منزلة ومعنى.
فإياك أن تجعل والديك يشعران بأنهما كلما ازدادا حاجة إليك، نقصت قيمتهما في عينيك.
لقد أمضيا سنوات من عمرهما وهما يريانك تكبر، ويفرحان بازدياد قوتك واستقلالك. فلا تجعل كبرهما سببًا في أن يحزنا كلما رأيا قوتك تقابل ضعفهما بالتضجر أو التعالي. وإذا كان الله قد مدّ في عمر أحدهما حتى رأيت ضعفه بعد قوته، فاعلم أن بين يديك بابًا عظيمًا من أبواب البر، يحتاج إلى صبر ورحمة وحسن معاملة.
اقرأ أيضًا
لا تؤجل لطفك إلى وقت الندم
ولا تؤجل لطفك إلى يوم تتمنى فيه لو أنك قلت كلمة أحنّ، أو جلست جلسة أطول، أو أجبت سؤالًا متكررًا بصدر أوسع. فالوالدان لا يبقيان مع أبنائهما إلى الأبد.
وقد يأتي يوم تدخل فيه البيت، فتفتقد ذلك الصوت الذي كنت تسمعه يناديك. وتفتقد تلك الأسئلة التي كنت تضيق أحيانًا بتكرارها. وتنظر إلى المكان الذي اعتاد أحدهما الجلوس فيه، فتدرك أن هناك أشياء كانت تتكرر في حياتك حتى ظننت أنها لن تنتهي.
فلا تنتظر ذلك اليوم حتى تعرف قيمة اللحظات التي تعيشها معهما الآن.
اجلس إلى أبيك، وأنصت إليه. واقترب من أمك، وأشعرها أن وجودها نعمة في حياتك. وإذا رأيت ضعفهما، فلا تنظر إليهما بعين من يرى عبئًا جديدًا، بل بعين ابن يعرف أن لهما حقًّا عظيمًا عليه، وأن من توفيق الله له أن يعينه على أداء هذا الحق.
فوالداك حين يكبران لا يحتاجان إلى أن تعيد تربيتهما، بل يحتاجان إلى أن يزداد برّك بهما، وأن يبقى احترامك لهما حاضرًا حتى في أشد لحظات ضعفهما.
قد لا تستطيع أن تعيد إليهما شبابهما. ولا أن تمنع عنهما كل ألم. ولا أن توقف ما يتركه العمر من آثار على الجسد والذاكرة.
لكن تستطيع، بعون الله، ألا تجعل تقدّمهما في العمر سببًا في أن يفقدا الشعور بكرامتهما ومكانتهما في قلبك.
وإذا أحسّا يومًا أنك ترحمهما دون أن تستصغرهما، وتحميهما دون أن تحتقر رأيهما، وتساعدهما دون أن تُشعرهما بالعبء، فقد منحتَ قلبيهما شيئًا لا تشتريه الأموال، ولا تعوّضه كثرة الخدمات.
منحتهما الطمأنينة إلى أن مكانتهما عندك لم تهرم، وإن هرم الجسد.
اللهم ارزقنا برّ والدينا أحياءً وأمواتًا، وألهمنا الرحمة بهما، وأعنّا على أداء حقوقهما، واغفر لنا ما قصّرنا فيه من حقهما.
اللهم من كان والداه على قيد الحياة، فبارك له في صحبتهما، وارزقه الإحسان إليهما، واجعل وجودهما بابًا إلى رضاك.
ومن فقد أحدهما أو كليهما، فارحمهما واغفر لهما وارفع درجاتهما، واجزهما عن إحسانهما خير الجزاء.
﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
آمين يا رب العالمين.