كيف أتقبل ما حدث ولم أختره؟ حين يؤلمك أنك لم تكن صاحب الكلمة الأخيرة

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🕊️ حين لا يكون الوجع في الفقد وحده… بل في أنك لم تختر ما حدث

أحيانًا لا يؤلمك ما حدث وحده.

بل يؤلمك أن شيئًا في داخلك ما زال يقول:

لم يكن ينبغي أن يحدث هكذا.

كنت ترى طريقًا آخر أكثر رحمة في نظرك، ونتيجةً أهدأ على قلبك، وبابًا لو بقي مفتوحًا لما اضطررت إلى احتمال كل هذا الوجع.

ولهذا قد تنتهي الحادثة في الخارج، لكنها لا تنتهي في داخلك.

تعيدها. وتراجع تفاصيلها. وتتخيل النسخة الأخرى من حياتك؛ تلك التي كان يمكن أن تكون لو لم يقع ما وقع.

طريق حجري يتفرع بين باب مغلق ومسار مفتوح نحو الضوء، تعبيرًا عن تقبل ما حدث حين يجري القدر على غير ما اخترنا.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يؤلمك أنك لم تختر ما حدث

ولو تأمل الإنسان هذا النوع من الألم، لاكتشف أن في قلبه جرحين، لا جرحًا واحدًا:

جرح ما فقده فعلًا.

وجرح أنه لم يكن صاحب الكلمة الأخيرة فيما سيبقى وما سيذهب.

وهذا الجرح الثاني أعمق مما نظن؛ لأن النفس لا تريد الخير فقط، بل تريد أحيانًا أن تختار صورته، وموعده، وطريقه، وما الذي يبقى معها أثناء الوصول إليه.

فإذا جاءت الحياة على غير الخريطة التي رسمتها، لم يقل القلب فقط: أنا أتألم.

بل قد يقول، في خفاء شديد:

لماذا هذه الصورة تحديدًا؟
لماذا لم يحدث الأمر بالطريقة الأخرى؟
لماذا أُخذ هذا وبقي ذاك؟

وهنا يبدأ الوجع في صناعة معنى أكبر من نفسه.

فتتحول عبارة: «هذا يؤلمني» إلى عبارة أخرى أخطر:

«إذن ما وقع لم يكن ينبغي أن يقع.»

والفرق بينهما كبير.

الأولى وصف لضعفك الإنساني.

أما الثانية فقد تتحول، من حيث لا تشعر، إلى خصومة طويلة مع واقع قد وقع وانتهى؛ فتعيش ممسكًا بما كان ينبغي، في نظرك، أن يكون، عاجزًا عن الوقوف أمام ما كان بالفعل.

القلب يحتاج إلى هداية بعد المصيبة

ولهذا كان في قول الله تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

معنى بالغ الدقة.

فالآية لا تقول إن المؤمن لا يتألم، ولا تقول إن المصيبة تتحول فورًا إلى شيء يسهل فهمه، ولا تعد بأنك ستعرف الحكمة الخاصة من كل ما وقع لك.

لكنها تنقل القضية إلى موضع آخر:

﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.

كأن أخطر ما بعد المصيبة ليس أن يبقى في حياتك شيء مفقود فحسب، بل أن يضل قلبك وهو يحاول تفسير المفقود.

قد تبقى الحادثة نفسها، لكن القلب يحتاج إلى أن يُهدى في قراءتها.

يُهدى، فلا يجعل الألم دليلًا على أن الله أهمله، ولا يجعل عدم الفهم برهانًا على سوء ما قُدِّر، ولا يحوّل رغبته في صورة أخرى إلى حكم على الصورة التي وقعت.

وهنا يبدأ التسليم من مكان أعمق بكثير من عبارة نرددها بألسنتنا.

التسليم ليس أن تقول عن المؤلم إنه غير مؤلم، وليس أن تمحو أمنيتك، وليس أن تقنع نفسك بأنك لم تكن تريد ما فقدت.

فقد يبكي الإنسان وهو مستسلم، وقد يشتاق وهو مستسلم، وقد يقول: يا رب، كنت أحب أن يكون الأمر غير هذا، ثم لا يجعل أمنيته ميزانًا يحاكم به حكمة الله.

ليس كل حزن اعتراضًا، وليس كل تمنٍّ منازعة.

المشكلة ليست في أن قلبك كان يريد، بل حين تتحول الرغبة إلى دعوى خفية تقول:

لا أستطيع أن أرى الخير إلا إن جاءني في الصورة التي اخترتها.

إنا لله: الحقيقة التي تصحح سؤال الفقد

وهنا تأتي كلمة من أثقل كلمات العبودية وأرحمها في الوقت نفسه:

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

نحن نرددها عند المصائب كثيرًا، لكن معناها يهدم شيئًا شديد العمق في النفس.

﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾.

أي أن نقطة البداية لم تكن قط أننا نملك أنفسنا، ثم يأتي القدر فينتزع منا بعض ما نملك.

نحن لله أصلًا.

وأعمارنا لله.

ومن نحب لله.

وأرزاقنا لله.

وما بقي في أيدينا، وما خرج منها، كله تحت ملكه وتدبيره.

وهذا المعنى لا يلغي ألم الفقد، لكنه يصحح السؤال الذي يولده الفقد.

فبدل أن يقف القلب أمام الله وكأنه يقول: لماذا تصرفت في شيء أملكه؟

يتذكر الحقيقة الأولى:

أنا نفسي مملوك لله.

ثم تأتي الحقيقة الثانية:

﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

فليست القصة كلها فيما خسرته هنا، وليس هذا العمر هو الموضع الذي يجب أن تكتمل فيه كل أمنياتك، وتُفهم فيه كل أقدارك، وتُغلق فيه كل الأسئلة.

أنت في طريق رجعة إلى الله.

وهذا وحده يغيّر حجم أشياء كثيرة في القلب؛ ليس لأنها أصبحت صغيرة في ذاتها، بل لأنها لم تعد القصة كلها.

وربما من أصعب ما يتعلمه العبد أن يعيش بين حقيقتين في وقت واحد:

أن يقول: هذا يؤلمني حقًا.
وأن يقول: ومع ذلك، لست أعلم من الله بما ينبغي أن يكون.

هذه المسافة هي موضع عبودية دقيقة.

التسليم لا يشترط فهم الحكمة

فالعقل يريد أن يفهم قبل أن يهدأ، والنفس تريد أن ترى البديل قبل أن تسلّم، والقلب يريد أحيانًا ضمانًا يقول له: إن رضيت اليوم، فسيأتيك غدًا ما كنت تريد أو خير منه بالصورة التي تتمناها.

لكن الإيمان لا يقوم على هذه الصفقة.

أنت لا ترضى عن الله لأنك ضمنت النتيجة التالية، ولا تتوكل عليه لأنك عرفت ما وراء المنع، ولا تسلّم لأنك اكتشفت أخيرًا لماذا حدث كل شيء.

بل لأنك عرفت من هو الله، وعرفت في الوقت نفسه حدودك أنت.

ولهذا كان قوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

يقرر في باب أمر الله ورسوله أصلًا عظيمًا في العبودية:

أن المؤمن ليس هو المرجع الأعلى فوق أمر الله.

وهذه الحقيقة نفسها تربي في القلب معنى يحتاجه أمام القدر أيضًا: أن العبودية لا تعني أن يكون الله موافقًا لما اخترناه، بل أن نبقى عباده حين تأتي الحياة على غير اختيارنا.

الرضا لا يقتل الرغبة

وهنا يظهر سر عجيب في قوله تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.

فالرضا في الآية لم يُنهِ الرغبة.

قالوا:

﴿رَضُوا﴾

ثم قالوا:

﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.

وهذا من أجمل ما يحتاج إليه القلب حين يظن أن أمامه خيارين فقط:

إما أن يرضى، فيقتل أمنيته.

وإما أن يبقي أمنيته، فيظل ساخطًا.

ليس الأمر كذلك.

يمكن للقلب أن يقول:

يا رب، هذا ما وقع، وأنا عبدك، ولا أعلم من الغيب ما تعلم.

ثم يقول، في اللحظة نفسها:

وإليك ما زلت أرغب.

فالرضا لا يعني نهاية الدعاء، والتسليم لا يعني موت الرجاء، والاعتراف بالقدر لا يعني أن يتحول الإنسان إلى حجر لا يشتاق ولا يتمنى.

الرضا لا يقتل الرغبة؛ إنما ينزع منها دعوى أن الخير لا يكون إلا في الصورة التي اخترتها.

حين تظل تعيد كتابة الماضي

وهنا يتحرر القلب من عبء بالغ القسوة: عبء أن يظل يعيد كتابة الماضي.

أن يظل يقول:

لو بقي هذا…
لو لم يحدث ذاك…
لو جاء الأمر قبل عام…
لو اختارني بدل غيري…
لو فُتح ذلك الباب…
ولو استطعت أن أعود إلى تلك اللحظة…

بعض هذه الخواطر طبيعي، خصوصًا حين يكون الجرح طريًا، لكن الاستقرار فيها يحوّل الحياة إلى محاكمة دائمة لشيء لا يمكن إعادته.

وأنت لا تحتاج كي تؤمن إلى أن تعرف ماذا كان سيحدث لو سلكت الطريق الآخر.

يكفي أن تعرف أن ما أصابك لم يخرج عن علم الله وإذنه، وأن علمه محيط بما لا يحيط به علمك:

﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

قد لا تعرف لماذا أُغلق هذا الباب، وقد لا تعرف لماذا تأخرت تلك الأمنية، وقد لا تعرف لماذا بقي في قلبك هذا الفراغ كل هذه المدة.

ولا يلزم أن نخترع لكل جرح تفسيرًا.

بعض الراحة لا تأتي من العثور على إجابة للسؤال:

لماذا وقع هذا؟

بل من سقوط وهم أعمق:

أنك لا تستطيع أن تكون بخير مع الله حتى تعرف لماذا.

يمكنك أن تجهل الحكمة الخاصة، ولا تجهل ربك.

ويمكن أن تضيق بما وقع، ولا تسيء الظن بمن قدّره.

ويمكن أن تسأل الله تغيير حالك، وأنت في الوقت نفسه لا تجعل قبولك لله معلّقًا على أن يغيّر الحال.

وهذه منزلة شاقة؛ لأن النفس تحب الله حين ترى الطريق أحيانًا، ثم تُختبر معرفتها به حين يختفي الطريق.

عندها لا يبقى معها تفسير كامل.

يبقى معها:

حسبنا الله.

حين تصبح الصورة أصغر من الله في قلبك

لا بمعنى أن ما فقدناه لا قيمة له، ولا بمعنى أننا لن نبكي، بل بمعنى أعمق:

إن انكسرت الصورة التي كنت أظن أن حياتي لا تستقيم إلا بها، فلن أجعل الصورة أكبر من الله في قلبي.

وإن لم أفهم ما فعلت بي الأيام، فلن أجعل جهلي بما وراء الحدث علمًا بسوء معناه.

وإن بقيت لي أمنية، فسأحملها إلى الله، لا أجعلها خصومة معه.

هذه هي الطمأنينة التي لا تحتاج إلى الكذب على النفس:

أن تقول:

أنا موجوع.
وأنا لا أفهم.
وما زلت أتمنى.
لكنني لله.
وإليه أرغب.
وإليه أرجع.

وقد لا يكون أول لطف تراه بعد المصيبة أن يتغير ما حولك.

قد تكون أول الهداية أن يتوقف قلبك عن استخراج عقيدة كاملة من لحظة ألم.

فلا يقول، لأن بابًا أغلق: لقد تُركت.

ولا يقول، لأن دعاءً لم يرَ صورته بعد: لقد ضاع.

ولا يقول، لأن الحياة لم تأتِ كما اختار: ليتني كنت أنا صاحب الاختيار الأخير.

بل يعود إلى مقامه الحقيقي:

عبدٌ يسأل، ويرجو، ويبكي، ويأخذ بالأسباب، ويطلب من الله ما يحب، ثم لا يشترط على ربه أن تأتي رحمته من الباب الذي رسمه.

كيف أتقبل ما حدث ولم أختره؟

وحين يصل القلب إلى هذه المساحة، لا يصبح كل شيء مفهومًا، لكنه يصبح أقل خصومة.

ولا تختفي الأسئلة كلها، لكنها تكف عن الوقوف بينك وبين الله.

ويبقى في داخلك معنى هادئ:

يا رب، ما زلت أريد أشياء كثيرة، لكنني أريدك فوق ما أريد.

وما زلت أتمنى أن تتغير أشياء في حياتي، لكنني لا أريد أن يتحول ما أتمنى إلى ميزان أزن به حسن تدبيرك.

فاهد قلبي فيما أصابه، ولا تجعل ألمي يعلمني عنك ما لم تقله أنت عن نفسك.

واجعلني إليك راغبًا، بك مستغنيًا، وإليك راجعًا.

```[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0