هناك تعبٌ لا يجرؤ بعض الناس على الشكوى منه؛ لأنهم يخشون أن تبدو شكواهم وكأنها شكوى ممن يحبون.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
تعب الرعاية والشعور بالذنب
قد تكون ابنًا يرعى أمًّا أنهكها المرض، أو ابنةً تقوم على شؤون أبٍ أثقلته السنون، أو أمًّا تسهر على طفل يحتاج إلى عناية لا تنقطع، أو إنسانًا أصبحت تفاصيل حياة أحد أحبّته معتمدة عليه. تقوم بما تستطيع، وتؤجل بعض حاجاتك، وتعيد ترتيب يومك كلما طرأ أمر جديد.
وربما تمرّ أيام لا تجد فيها ساعة هادئة لنفسك، أو ليلة تنامها دون أن يوقظك نداء، أو وقتًا تجلس فيه دون أن تفكر فيما ينبغي عليك فعله بعد قليل. ومع ذلك، لا تتمنى أن يُحرم منك من تحب، ولا أن يحتاج إليك فلا يجدك.
أنت تحبّه حقًّا… لكنك تتعب حقًّا أيضًا.
ثم تأتي لحظة لا يكون فيها التعب وحده هو ما يؤلمك. ربما تضيق نفسك من كثرة المسؤوليات، أو تتمنى أن يتولى أحد غيرك الرعاية لبعض الوقت، أو تشعر بالضيق حين تُنادى للمرة الخامسة وأنت لم تسترح من النداء الأول. فتفاجئك فكرة موجعة:
كيف أضيق وأنا أرعى إنسانًا أحبه؟
كيف أتمنى أن أبتعد قليلًا، وهو الذي لا يستطيع الاستغناء عني؟
أتراني أصبحت أقل رحمة؟ أم أن محبتي لم تكن كما أظن؟
وهكذا لا تعود تحمل تعب الرعاية وحده، بل تحمل فوقه شعورًا بالذنب لأنك تعبت.
المحبة لا تلغي حاجتك إلى الراحة
يا صاحب القلب الذي أنهكته المسؤولية…
من قال إن صدق المحبة يعني ألّا تتعب؟ ومن قال إن الرحمة لا تكون صادقة إلا إذا كان صاحبها قادرًا على العطاء دون أن يحتاج إلى شيء؟
ليس كل ضيقٍ من المسؤولية ضيقًا ممن نحب، وليس كل رغبةٍ في الراحة رغبةً في التخلي.
قد تتمنى أن تتوقف المسؤوليات ساعة، دون أن تتمنى لحظة واحدة أن يغيب من تحب عن حياتك.
وقد تشتاق إلى أيام كنت فيها أقدر على الخروج والنوم والتفرغ لنفسك، ثم تخجل من هذا الاشتياق؛ لأن تلك الأيام سبقت مرض أبيك، أو عجز أمك، أو احتياج طفلك المستمر إليك. لكن تأملك لحياتك قبل هذه المسؤولية لا يعني أنك تتمنى زوال صاحبها.
إنك ربما تفتقد شيئًا من حياتك القديمة، وتحب حياتك التي تضمّه في الوقت نفسه. وهذان الشعوران ليسا بالضرورة متناقضين. فقد تحب إنسانًا بكل قلبك، وتتمنى لو كانت الظروف التي تمران بها أرحم بكما معًا.
وهنا ينبغي أن تنتبه إلى حقيقة قد تغيب عنك: الإنسان الذي ترعاه ليس عبئًا في ذاته، ولا تنتقص حاجته إليك من قدره أو كرامته؛ لكن مسؤولية الرعاية قد تكون ثقيلة فعلًا، مهما عظمت المحبة. وليس من الإنصاف أن تنكر ثقلها حتى تثبت أنك تحب.
لنفسك عليك حق
لقد خلقك الله بشرًا، لك طاقة تتفاوت، وجسد يحتاج إلى النوم، ونفس تحتاج إلى السكينة، وقلب قد يضعف صبره حين تتراكم عليه المسؤوليات. وقال سبحانه:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
وقال النبي ﷺ:
«وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا» [رواه البخاري: 1153].
فتأمل… حتى نفسك التي تنشغل عنها برعاية غيرك، لها عليك حق. وليس الوفاء بحقوق من تحب أن تنسى جميع حقوقك، حتى تبلغ من الإنهاك ما يُضعف قدرتك على أداء ما تحملت.
إن كنت تستطيع أن تطلب من إخوتك المشاركة في رعاية والديك، فليس في ذلك ما يناقض البر. وإن احتجت إلى من يعينك في رعاية طفلك، فليس ذلك اعترافًا بنقص محبتك له.
وإن وجدت وسيلة آمنة لتستريح قليلًا، دون أن تضيّع حق من ترعاه، فلا تجعل شعورك بالذنب يحرمك منها. فطلب العون ليس دائمًا هروبًا من المسؤولية؛ قد يكون من الأسباب التي تعينك على الاستمرار فيها بإحسان.
من يرعون الآخرين يحتاجون إلى الرعاية
لكنني أعلم أن الأمر ليس بهذه السهولة عند الجميع. فقد تكون وحيدًا في الرعاية، أو بعيدًا عن أهلك، أو عاجزًا عن الاستعانة بمن يساعدك، أو محاطًا بأشخاص يعرفون مقدار ما تبذله، لكنهم لا يستطيعون مشاركتك فيه.
وربما سمعت كثيرًا من يقول لك: اصبر واحتسب. وهي وصية عظيمة، لكنك قد تحتاج، مع التذكير بأجر الصبر، إلى من يسألك:
وكيف حالك أنت؟
متى كانت آخر مرة نمت فيها مطمئنًا؟
وهل هناك شيء أستطيع أن أحمله عنك؟
فمن يقومون على رعاية الآخرين يحتاجون هم أيضًا إلى الرعاية. ومن يخففون آلام أحبّتهم قد تكون في قلوبهم آلام لا يجدون وقتًا للحديث عنها.
وكم من إنسان يظن الناس أنه بخير لأنه ما زال قادرًا على القيام بما عليه، بينما لا يعلمون مقدار الجهد الذي يبذله ليظل قادرًا!
بين الشعور بالتعب وإيذاء من ترعاه
ولعل من أشد ما يحتاج إليه هذا الإنسان أن يفهم الفرق بين أمرين: أن تشعر بالتعب، وأن تجعل تعبك أذًى لمن ترعاه.
الأول شعور بشري لا يستوجب منك جلد نفسك. أما الثاني، فهو ما ينبغي أن تجاهد نفسك في تجنبه.
فقد يكون من ترعاه عاجزًا عن تغيير حاله، وربما يتألم هو أيضًا لأنه يحتاج إلى مساعدتك، ويخشى أن يكون سببًا في إرهاقك. فلا تجعل ما أثقلته الظروف على قلبك يخرج في كلمة تكسره، أو نظرة تُشعره بأنه أصبح غير مرغوب فيه.
وإذا وجدت التعب يشتد عليك حتى خشيت أن تفقد صبرك، فخفف ما تستطيع تخفيفه، واطلب العون حيث أمكن، وخذ من الراحة ما لا يعرّض من ترعاه للأذى.
وإن أخطأت في لحظة إنهاك، فلا تجعل الخطأ نهاية حكمك على نفسك، بل أصلح ما تستطيع، واعتذر إن جرحت، وابحث عن سبب يمنع تكراره. فالمحبة الصادقة لا تعني أنك لن تخطئ أبدًا، وإنما تظهر أيضًا في حرصك على إصلاح ما أفسده التعب.
المشقة لا تنفي صدق ما تبذل
ثم تذكّر أمرًا آخر… لا تجعل قيمة ما تبذله مرتبطة بقدرتك على فعله دون شكوى أو دمعة.
قد تخدم أمك وأنت متعب، وتحتسب ما تبذله عند الله. وقد تسهر على طفلك وقلبك يتمنى النوم، وتؤدي حقه مع ذلك. وقد تمر بك لحظة تبكي فيها من شدة الإرهاق، ثم تمسح دموعك وتعود إلى ما تستطيع فعله.
لا يلزم أن يكون العمل سهلًا عليك حتى يكون صادقًا، ولا أن يكون قلبك خاليًا من المشقة حتى ترجُو أجر ما تبذل.
فالله يعلم ما لا يراه الناس. يعلم ساعات الرعاية التي لا يشهدها أحد، والجهد الذي تبذله حين لا تكون في أفضل أحوالك، وما تحاول كتمانه من ضيق حتى لا تؤذي به قلبًا عزيزًا عليك. ويعلم كذلك حاجتك إلى الرحمة وأنت تحاول أن تكون رحيمًا.
فلا تحتقر ما تبذله، ولا تتخذ من فضيلة الاحتساب سببًا لتعذيب نفسك، ولا تجعل حاجتك إلى المساعدة تهمةً في حق محبتك.
ولعلنا نحن أيضًا بحاجة إلى مراجعة الطريقة التي ننظر بها إلى من يرعون أحبّتهم. ليس كافيًا أن نقول لهم: ما أعظم صبركم. فقد يكون أعظم من الثناء أن نشاركهم ساعة من المسؤولية، أو نخفف عنهم عملًا، أو نمنحهم فرصة يستريحون فيها دون أن يضطروا إلى تبرير حاجتهم إلى الراحة.
فالمواساة ليست دائمًا كلمة تقال؛ قد تكون يدًا تمتد لتخفف حملًا طال انفراده بكتف واحدة.
اقرأ أيضًا
امنح نفسك شيئًا من الرحمة
وأخيرًا، يا من أثقلك حبٌّ لا تريد التفريط فيه… إذا جاءك ذلك الشعور المؤلم، وقلت لنفسك: لو كنت أحبه حقًّا لما تعبت من رعايته، فتذكّر:
ليس مطلوبًا منك أن تكون بلا تعب حتى تكون صادقًا في محبتك، ولا أن تنهار حتى يثبت أنك لم تقصّر.
من حق من تحب أن يجد منك الرحمة والإحسان بقدر استطاعتك، ومن حقك أيضًا أن تحتاج إلى الرحمة والعون. فلا تجعل الأمر كأن أحدكما لا بد أن يتألم حتى يكون الآخر بخير.
واسأل الله أن يعينك على أداء ما عليك، وأن يسخّر لك من يخفف عنك، وأن يحفظ قلبك من القسوة ولسانك من الأذى، وألّا يحرمك أجر ما تحتسبه عنده.
وإذا لم تجد اليوم من يحمل معك بعض ما تحمل، فلا تضف إلى ثقل المسؤولية قسوةً منك على نفسك. فقد يكون الذي تحتاج إليه في هذه اللحظة، بعد طول ما بذلت من الرحمة لغيرك، أن تمنح نفسك شيئًا من تلك الرحمة.
اللهم أعن كل من يرعى مريضًا، أو يبر والدًا، أو يسهر على ضعيف، أو يحمل مسؤوليةً أثقلت قلبه وجسده. اللهم ارزقه صبرًا لا يقسو به على نفسه، ورحمةً لا يضيع بها حق من يرعاه، وعونًا يخفف عنه ما استطاع، وأجرًا عظيمًا على ما صبر واحتسب.
آمين.