أحيانًا لا تكون مشكلتك أنك لا تؤمن أن الله رحيم.
بل أنك تنظر إلى ما حدث لك، ولا تعرف أين تضع رحمته في المشهد. تبحث عنها في التفاصيل فلا تراها: في الباب الذي أُغلق، في الشيء الذي دعوت طويلًا ولم يتغير، في خسارة كنت ترجوه ألا تقع، في أمر قلت في نفسك قبل وقوعه: يا رب، أي شيء إلا هذا. ثم وقع هذا بالذات.
وقد يخرج السؤال منك بهذه الصيغة: لماذا لا أرى رحمة الله في البلاء الذي أعيشه؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
وهنا لا يكون السؤال الذي يؤلمك: هل الله رحيم؟ أنت تعرف الجواب.
لكن السؤال الذي يمزق شيئًا في داخلك أعمق:
إذا كان الله رحيمًا بي… فلماذا لا أستطيع أن أرى الرحمة في الذي يحدث لي؟
وهنا يبدأ جرح من نوع آخر. ليس جرح ما حدث فقط، بل جرح أنك لا تعرف ماذا يعني ما حدث.
حين لا تعرف ماذا يعني ما حدث
قد تستطيع أن تتحمل الألم حين تعرف سببه. تقول: حدث كذا لأجل كذا. انتهى هذا لأن شيئًا آخر سيبدأ. ذهب هذا لأن بقاءه كان سيؤذيني.
لكن ماذا تفعل حين لا تعرف شيئًا من ذلك؟ حين يكون كل ما في يدك هو الألم نفسه؟ لا تفسير. لا نهاية ظاهرة. لا جواب يشرح لماذا أخذت الأمور هذا الطريق بالذات.
هنا يبدأ العقل في فعل شيء شديد الإنسانية: يملأ الفراغ. فالنفس لا تحب أن تعيش أمام حدث بلا تفسير. تريد قصة. تريد سببًا. تريد جملة تجعل ما حدث قابلًا للفهم.
فإذا لم تجد تفسيرًا للحدث… قد تبدأ، من شدة الوجع، في تفسير موقف الله منك.
ربما أنا لا أستحق. ربما تُركت. ربما هذا التأخر يقول شيئًا عن منزلتي عند الله. ربما لو كان الخير مرادًا لي لما وصل الأمر إلى هذا الحد.
وربما تصل إلى الجملة التي تخاف حتى من الاعتراف بها:
لو كنت عزيزًا على الله… هل كنت سأُترك أبكي هكذا؟
وهنا تقع النقلة الأخطر. لقد بدأت بسؤال: لماذا حدث هذا؟ ثم وجدت نفسك أمام سؤال آخر تمامًا: ماذا يعني هذا عن ربي وموقفه مني؟
وهذان ليسا سؤالًا واحدًا.
قد تجهل سبب ما وقع. لكن جهلك بالسبب لا يمنحك علمًا بموقف الله منك. قد لا تعرف لماذا تأخر الفرج. لكن عدم معرفتك لا يعني أنك عرفت أنك متروك. قد لا ترى الرحمة في اللحظة التي تعيشها. لكن عدم رؤيتك لها ليس برهانًا على غيابها.
الألم يخبرك بما تشعر به، لا بما عند الله لك.
الألم يخبرك بما تشعر به لا بما عند الله لك
وهذه واحدة من أكثر النقاط حساسية في البلاء: أن يتجاوز الألم حدوده.
فبدل أن يقول: أنا موجوع. يبدأ يقول: إذن أنا مهان.
وبدل أن يقول: لا أفهم. يقول: إذن لا خير في الذي يحدث.
وبدل أن يقول: لقد طال الأمر. يقول: إذن نُسيت.
وهكذا يصبح الألم، من غير أن تنتبه، مفسرًا للغيب.
وهنا ينبغي أن تفصل بين شيئين: ما حدث لك، وما استنتجته منه.
الحدث قد يكون مؤلمًا فعلًا. الخسارة حقيقية. والتأخير حقيقي. والباب المغلق حقيقي. والليالي التي بكيت فيها ليست وهمًا.
لكن الجملة التي أضفتها بعد ذلك: «إذن الله تركني.» ليست جزءًا من الحدث. هذه قراءة للحدث. وقد تكون القراءة أشد إيذاء لقلبك من الحدث نفسه.
ولهذا يأتي القرآن ليعيدك إلى حد معرفتك:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 216]
تأمل الآية من داخل جرحك.
أنت تعلم شيئًا. لكن ليس كل شيء.
تعلم أنك تألمت. تعلم أنك دعوت. تعلم أن ما تمنيته لم يقع. تعلم أن شيئًا كنت تخافه قد وقع.
لكن ماذا تعلم بعد ذلك؟
هل تعلم جميع ما سبق هذه اللحظة؟ هل تعلم جميع ما سيأتي بعدها؟ هل تعلم ما كان سيقع لو جرى الأمر كما تمنيت؟ هل تعلم جميع وجوه الحكمة المحيطة بما وقع؟
لا.
وهنا لا يطلب منك الإيمان أن تختلق إجابات.
لا تحتاج أن تقول: أكيد سيعوضني الله بكذا. أكيد بعد شهر سأفهم. أكيد أغلق هذا الباب لكي يفتح لي بابًا أفضل.
قد يقع شيء من ذلك، وقد لا يقع بالصورة التي رسمتها.
حسن الظن بالله لا يعني أن تكتب نهاية جميلة من عندك ثم تسميها يقينًا.
حسن الظن أن تثق بالله قبل أن تعرف كيف ستنتهي القصة.
أن تقول:
يا رب، أنا لا أفهم. وهذه حقيقة.
أنا أتألم. وهذه حقيقة.
كنت أتمنى غير ما وقع. وهذه حقيقة.
لكنني لن أضيف إلى هذه الحقائق شيئًا لا أعلمه:
لن أقول إنك تركتني. لن أقول إنني هنت عليك. لن أقول إن هذا الألم أثبت لي أنك لا تريد بي خيرًا.
لأنني ببساطة… لا أعلم ذلك.
وهنا يصبح قولك: «لا أدري» من أنضج ما تقوله لقلبك.
لا أدري لماذا وقع هذا. لا أدري لماذا طال. لا أدري لماذا بهذه الصورة تحديدًا. لا أدري ماذا سيحدث بعده.
لكنني أعرف حدودي. وأعرف أن جهلي ليس دليلًا.
عدم معرفتك بالتفسير لا يتحول تلقائيًا إلى معرفة بالسوء.
وهذا هو الموضع الذي يخطئ فيه القلب كثيرًا. إنه يكره الفراغ إلى درجة أنه قد يفضّل تفسيرًا مؤلمًا على ألا يملك تفسيرًا أصلًا.
فيقول: على الأقل فهمت الآن… أنا متروك. أنا محروم. أنا لا أستحق. انتهى أمري.
لكن انتبه: قد تكون لم تفهم شيئًا. قد تكون فقط أغلقت باب السؤال بجواب صنعه الألم.
وهذا الجواب لا يصبح حقيقة لأنه جعلك تتوقف عن الحيرة.
أحيانًا اليقين الذي نشعر به في أشد ساعات الانكسار ليس علمًا. إنه الألم وقد استقر في صورة جملة.
ولهذا لا تجعل قوة شعورك بالدلالة دليلًا على صحة الدلالة نفسها.
قد تشعر بقوة أنك تُركت. لكن الشعور بالهجر ليس خبرًا من الغيب.
قد تشعر أنك هنت. لكن وجعك لا يمنحك نافذة على ما عند الله.
وقد تشعر أن هذا الطريق لا يحمل لك إلا السوء. لكن إحساسك بنهاية الطريق لا يعني أنك رأيت نهايته.
فما ظنكم برب العالمين؟
وهنا يأتي السؤال القرآني الذي ينبغي أن يقف عنده قلبك طويلًا:
﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[الصافات: 87]
قف هنا.
قبل أن تجيب من داخل الجرح… اسأل الألم نفسه:
بأي حق صرت تتكلم عن الله؟
أنت تعرف أنني أتألم. لكن هل تعرف أن الله تخلى عني؟
أنت تعرف أنني بكيت. لكن هل تعرف أنني هنت عليه؟
أنت تعرف أن الباب أُغلق. لكن هل تعرف أن رحمته أُغلقت معه؟
أنت تعرف أنني لا أفهم. لكن هل صار جهلي بما حدث علمًا بما عند الله؟
أنت تعرف أنني خفت. لكن هل الخوف شاهد على الغيب؟
ثم قبل أن تقول في أشد ساعاتك: «تركني الله.» توقف قليلًا.
هل هذه الحادثة هي أول شيء تعرفه عن ربك؟ ألم تعرفه قبلها؟
ألم تمر بك أيام ظننت أن الأمر قد ضاق حتى لا يكاد يتسع لنَفَس آخر، ثم أعانك الله على العبور؟
ألم تنجُ من كرب كنت في وسطه لا تعرف كيف ستخرج؟
ألم تمر بأزمة خانقة بدت لك يومًا أكبر من قدرتك، ثم صارت بعد سنوات شيئًا تنظر إليه من بعيد وتقول: كيف تجاوزت كل هذا؟
ألم تأتك ألطاف لم تطلبها أصلًا؟ وأسباب لم تكن في حسابك؟ وأبواب ظهرت بعدما ظننت أن كل الأبواب قد انتهت؟
ألم تُحفظ من أشياء لم تعرف خطرها إلا بعد أن مضت؟ ألم يُيسّر لك في أوقات كنت ترى فيها أن كل شيء يتعسر؟ ألم تحمل من الأيام ما كنت تظن أنك لن تستطيع حمله؟
لا تجعل حادثة واحدة تمحو ما عرفت من رحمة الله
أنت تعرف أشياء. أشياء بينك وبين الله لا يعرفها أحد كما تعرفها أنت.
مواقف قلت فيها يومًا: لولا لطف الله بي هنا، ماذا كنت سأفعل؟
فلماذا حين جاءت هذه الحادثة تحديدًا، جعلتها تمحو كل ما قبلها؟
لماذا صار ألم اليوم أقوى في حكمك من رحمة سنوات؟
لماذا تأخذ أشد ليلة مرّت بك، وتجعلها الشاهد الوحيد على علاقتك بالله؟
لقد عرفت عن الله قبل هذه الحادثة ما يكفي لكي لا تجعل هذه الحادثة وحدها تعرّفه لك.
ليس معنى ذلك أن تقول: لقد نجاني من قبل، إذن سينجيني الآن بالطريقة التي أريدها.
لا.
فأنت لا تملك أن تكتب شكل ما سيأتي. ولا أن تلزم القدر بالصورة التي تتمناها.
لكن تستطيع أن تقول شيئًا أصدق:
الذي عرفته من ربي طوال الطريق لا أمسحه لأنني الآن أتألم.
فإذا قال لك الألم: «تركك.» اسأله: ومن الذي أعانني في المرات التي ظننت فيها أنني لن أقوم؟
وإذا قال: «تخلى عنك.» فاسأله: ومن الذي أخرجني من أشياء كنت أراها يومًا نهاية الطريق؟
وإذا قال: «لم تعد الرحمة معك.» فقل: وهل يُمحى كل ما أعرفه من رحمة الله لأنني لم أفهم هذه الصفحة؟
قد تكون هذه الصفحة أقسى صفحات قصتك. وقد تكون أكثرها غموضًا. لكنها ليست الكتاب كله.
فلا تجعل صفحة واحدة لم تفهمها تكذب كل الصفحات التي عرفت فيها ربك.
وهنا يعود السؤال:
﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
أتجعل ظنك بربك ابن هذه الساعة وحدها؟ أم ابن ما عرّفك به عن نفسه، وما عرفت من فضله، وما مر بك من لطفه، وما حفظك به في أيام تعرفها جيدًا؟
الألم الحاضر له حق أن يُسمع. لكن ليس له حق أن يمحو الذاكرة كلها.
لا تسمح لأشد ساعة في حياتك أن تتحدث باسم حياتك كلها مع الله.
ما لم تفهمه من القدر لا ينسخ ما عرفته عن الله
ثم حين يقول لك الألم: «لقد تخلى عنك.» قل له: من أين عرفت؟
وقد قال الله سبحانه:
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
[الأحزاب: 43]
هل الألم يملك أن يقول إن الله تخلى عنك، بينما ربك يخبرك أنه بالمؤمنين رحيم؟
ليس معنى الآية أنك لن تتألم. وليست وعدًا بأن كل ما تطلبه سيقع. لكنها تمنعك من أن تجعل الألم دليلًا على نقيض ما أخبر الله به عن نفسه.
وحين يقول لك وجعك: «لو كان الله رؤوفًا بك، لما وصلت إلى هذه الحال.» اسأله: وهل صرت أنت أعرف بالله من كلام الله عن نفسه؟
وقد قال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[البقرة: 143]
فهل عدم قدرتك على رؤية الرأفة الآن يعني أنها غابت؟ أم يعني فقط أنك لا تراها؟
وهنا فرق هائل.
أن تقول: «أنا لا أرى موضع الرحمة.» هذه جملة تصف حدود رؤيتك.
أما أن تقول: «لا رحمة في الذي يجري.» فهذه جملة تتجاوز ما تعرفه.
عدم رؤيتك للرحمة ليس دليلًا على غياب الرحمة.
وحين يهمس لك الألم: «ما حدث بك كثير جدًا… لا يمكن أن يكون هذا عدلًا.» قف أيضًا.
هل شدة ما تشعر به تمنحك حق الحكم على الله؟
وقد قال سبحانه:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[فصلت: 46]
قد تقول: لكنني لا أفهم عدل ما حدث.
وهذا مختلف.
عدم فهمك شيء. ونسبة الظلم إلى الله شيء آخر.
قد تبقى أمام الحادثة سنوات ولا تعرف لماذا جرت بهذه الصورة. لكن هناك فرقًا بين أن تقول: «لم أفهم.» وبين أن تجعل جهلك قاضيًا يحاكم ربك.
ما لم تفهمه من القدر لا ينسخ ما عرفته عن الله.
وهنا تتغير وظيفة الآيات كلها.
هي لا تأتي لتخبرك لماذا وقع هذا البلاء بعينه. ولا تقول لك ما الذي سيحدث غدًا. ولا تَعِدك بأن ما فقدته سيعود. ولا ترسم لك النهاية التي تتمناها.
إنها تفعل شيئًا آخر بالغ الأهمية: تضع حدودًا لما يحق لألمك أن يستنتجه.
يجوز له أن يقول: أنا موجوع. لكن لا يحق له أن يقول: إذن الله غير رحيم بي.
يجوز له أن يقول: لا أفهم. لكن لا يحق له أن يقول: إذن لا حكمة.
يجوز له أن يقول: هذا ثقيل جدًا. لكن لا يحق له أن يقول: إذن أنا مظلوم من ربي.
يجوز لك أن تبكي. لكن دموعك ليست وثيقة تخبرك أنك هنت على الله.
يجوز لك أن تسأل. لكن سؤالك لا يمنحك جوابًا من الغيب.
وهنا تعود الآية مرة أخرى، لكنك تسمعها الآن بطريقة مختلفة:
﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
حين تسقط التفسيرات كلها… ماذا يبقى في قلبك عن ربك؟
هل يبقى الرحمن رحمنًا حتى حين لا تعرف أين مرت الرحمة؟
هل يبقى الرحيم رحيمًا حتى حين تمتلئ عيناك بالدموع؟
هل يبقى العدل ثابتًا حتى حين لا تستطيع أن تفهم الميزان؟
هل يبقى الله عندك كما عرّف نفسه… أم أن آخر ضربة هي التي ستعيد تعريفه في قلبك؟
هذه هي المعركة.
ليس المطلوب أن تقنع نفسك أن الألم جميل. ولا أن تسمي الخسارة نعمة وأنت لا تعرف حقيقتها. ولا أن تبتسم لأنك تخشى أن يكون حزنك سوء ظن.
قد تبكي. قد تتعب. قد تقول: يا رب، لقد بلغ مني هذا مبلغًا عظيمًا. يا رب، لا أفهم. يا رب، كنت أتمنى غير هذا. يا رب، ارحمني وفرج عني.
كل ذلك لا يهدم حسن ظنك.
فالعبد قد يجتمع في قلبه ألم شديد ومعرفة ثابتة بربه.
المشكلة تبدأ عندما تسمح للألم أن يتحول من شاهد على حالك إلى شاهد على الله.
حين يعود إلى قلبك: «لو كنت عزيزًا عليه لما بكيت.» فقل: دموعي تثبت أنني موجوع، ولا تثبت أنني هنت على الله.
وحين يقول: «لو كان رحيمًا لرأيت رحمته.» فقل: أنا لا أرى كل شيء.
وحين يقول: «لو كان يريد بك خيرًا لفهمت.» فقل: ومنذ متى صار فهمي شرطًا لحكمة الله؟
وحين يقول: «هذه الضربة أكبر من أن يكون وراءها تدبير حكيم.» فقل: أنت تعرف مقدار ألمي، لكنك لا تعرف الغيب.
وهكذا تعيد الألم إلى حجمه الحقيقي.
لا تنكره. لكن لا تمنحه علمًا لا يملكه.
لا تطرده. لكن لا تجعله مفسرًا لله.
هل تحتاج أن تفهم كل شيء حتى تثق بالله؟
وقد يكون وراء حاجتك إلى التفسير شيء آخر أعمق.
أنت لا تريد معرفة السبب فقط. أنت تريد أن تستعيد شيئًا من السيطرة.
لو عرفت لماذا وقع، هدأت. لو عرفت متى ينتهي، صبرت. لو عرفت ماذا سيحدث بعد شهر، تحملت اليوم. لو أُعطيت ضمانًا بأن كل هذا سينتهي بالطريقة التي تريدها، لربما خف ألمك كثيرًا.
وكأن النفس تقول: يا رب، أعطني الخطة… وحين أفهمها سأطمئن.
لكن ماذا لو لم تُعط الخطة؟
ماذا لو لم تعرف لماذا؟
ماذا لو لم تعرف إلى متى؟
ماذا لو بقي شيء من قصتك غير مفهوم؟
هل تصبح الثقة بالله معلقة على وصول الشرح؟
هنا يظهر فرق بالغ الأهمية:
أن تعرف حكمة الله في هذا الحدث شيء، وأن تعرف أن الله حكيم شيء آخر.
الأولى قد تُحجب عنك. أما الثانية فقد عرّفك الله بها.
أنت لا تعرف حكمة كل تفصيل. لكن إيمانك بحكمة الله لا يبدأ يوم تفهم التفاصيل.
وكذلك رحمته.
قد لا تعرف أين موضع الرحمة في هذا الحدث الآن. لكن رحمة الله ليست حقيقة تنتظر مصادقة إحساسك بها حتى تكون ثابتة.
وهنا يصبح السؤال أعمق:
هل تحتاج أن تفهم كل ما يفعله الله بك حتى تستطيع أن تثق به؟
أم أن معرفتك بالله هي التي تحملك حين تعجز عن فهم ما جرى؟
فرق هائل بين الاثنين.
في الأولى تقول: أرني السبب، ثم أطمئن إليك.
وفي الثانية تقول:
أنا لا أعرف السبب…
لكنني أعرف ربي.
قد تقول: لكن الذي وقع قاسٍ جدًا.
نعم.
وهناك أشياء تقع على الإنسان فتغير أيامه فعلًا. أشياء لا تُحل بعبارة جميلة. أشياء تستيقظ معها وتنام معها. أشياء كنت تستبعد أن تستطيع العيش بعدها، ثم وجدت نفسك مضطرًا إلى أن تحملها يومًا وراء يوم.
لكن حتى هنا:
حجم الألم يخبرك عن حجم الجرح، لا عن مقدار رحمة الله بك.
ولا تجعل شدة الضربة تتحول إلى مقياس لمكانتك عند الله.
ولهذا حين يبكي قلبك من شيء لم تفهمه، لا تضف إلى دموعك جرحًا ثانيًا: أن تقول: حتى الله لم يعد يريدني.
يكفيك ألم ما وقع.
لا تجعل تفسيرًا بلا دليل يضيف إليه ألمًا آخر.
وحين يعود السؤال في الليل: يا رب، لماذا أنا؟ قد لا تجد جوابًا.
وحين تقول: لماذا لم يُدفع عني هذا؟ قد لا تجد جوابًا.
وحين تقول: لماذا تأخر ما دعوت به؟ قد لا تجد جوابًا.
ليس كل سؤال في الحياة سيأتيك معه تفسير.
وهذا مؤلم.
احرس الحد الفاصل بين ما تعرفه وما لا تعرفه
لكن هناك شيئًا تستطيع فعله: أن تحرس الحد الفاصل بين ما تعرفه وما لا تعرفه.
تقول:
أعرف أنني أتألم. لكن لا أعرف أنني متروك.
أعرف أن الباب أغلق. لكن لا أعرف أن الخير انتهى.
أعرف أنني لم أر ما طلبته بعد. لكن لا أعرف أن الله أعرض عني.
أعرف أنني لا أرى موضع الرحمة. لكن الله قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
أعرف أن الضربة موجعة. لكن الله قال:
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
أعرف أنني لا أفهم عدل المشهد. لكن الله قال:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
فمن أصدق؟
ما أخبر الله به عن نفسه… أم التفسير الذي صنعه ألمي في أسوأ ليلة مررت بها؟
وهنا يعود السؤال للمرة الأخيرة:
﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
لا: ما ظنكم بالمشهد؟ فقد يكون المشهد موجعًا.
ولا: ما ظنكم بالغد؟ فالغد محجوب.
ولا: ما ظنكم بالنهاية؟ فلستم تعلمونها.
بل:
﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
هذا هو الأصل الذي ترجع إليه حين تتبعثر بقية الإجابات.
وقد لا تأتيك في النهاية إجابة كاملة.
ربما تمر سنوات ويبقى شيء فيك يقول: ما زلت لا أفهم لماذا كان لا بد أن يحدث الأمر بهذه الصورة.
ولا بأس أن تبقى بعض الأسئلة أسئلة.
أنت لا تحتاج إلى أن تفهم كل قدر لكي تبقى واثقًا بربك.
ولا تحتاج إلى أن ترى الحكمة كلها لكي تمنع الألم من أن يكتب لك عقيدة جديدة.
قد يبقى السؤال. وقد تبقى الذكرى مؤلمة. وقد تحتاج وقتًا طويلًا حتى يهدأ أثرها.
لكن يمكنك أن تمنع شيئًا واحدًا من الحدوث:
أن يصبح ما جهلته عن القدر أقوى في قلبك مما عرفتَه عن الله.
وحين لا تعرف ماذا تقول، لا تحتاج إلى خطاب طويل.
قل:
يا رب، أنا موجوع. وأنت تعلم.
يا رب، لا أفهم. وأنت تعلم.
يا رب، أخاف أن يفسر ألمي لي ما لا أعلمه عنك.
فلا تجعل وجعي يتكلم باسمك في قلبي.
يا رب، لا أطلب أن أفهم كل شيء الآن.
لكنني أطلب ألا يفسد ما لا أفهمه معرفتي بك.
ثم إذا عاد الألم وقال لك: انظر إلى ما حدث لك.
فقل: أنظر إليه. وأنا موجوع. لكنني لا أرى القصة كلها.
وإذا قال: لو كنت عزيزًا لما بكيت هكذا.
فقل: دموعي تقول إنني أتألم… ولا تقول إنني هنت على الله.
وإذا قال: لو كان الله رحيمًا لرأيت الرحمة الآن.
فقل: عدم رؤيتي ليس علمًا بالعدم.
وإذا قال: أنت لا تفهم شيئًا.
فقل: صحيح. لكنني لن أجعل ما لا أفهمه حجة على ما أعرفه عن ربي.
وهنا يبدأ حسن الظن الحقيقي.
ليس حين تحصل على تفسير. بل حين تتوقف عن اختراع تفسير يؤذي علاقتك بالله.
ليس حين تختفي الدموع. بل حين تفقد الدموع قدرتها على إقناعك أنك هنت.
ليس حين تعرف لماذا حدث كل شيء. بل حين تستطيع أن تقول وسط عدم الفهم:
يا رب، أنا لا أعرف لماذا وقع ما وقع…
لكنني أعرف أن جهلي لا يملك أن يخبرني أنك تخليت عني.
فبكاؤك من شدة الضربة التي لم تفهم سببها… ليس دليلًا على أن الله قد تخلى عنك.
وليس طول حيرتك برهانًا على أنك هنت عليه.
ولا عدم قدرتك على رؤية الرحمة الآن دليلًا على أنك علمت أنها غائبة.
قد يبقى في يدك سؤال بلا جواب.
لكن لا تجعل السؤال نفسه يصنع الجواب.
وحين لا تعرف لماذا حدث ما حدث… ابق عند الحد الذي تعرفه:
أنا موجوع… لكنني لست عالمًا بالغيب.
ثم دع آخر كلمة في قلبك لا تكون للألم.
بل لما قاله ربك عن نفسه:
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.