تنتهي من الدعاء.
تقول: آمين.
ثم لا ينتهي شيء في داخلك.
تفتح عينيك، وتعود إلى الواقع نفسه: الخبر لم يأت، الباب لم يفتح، الحال لم يتغير، والشيء الذي سألت الله إياه ما زال بعيدًا كما كان.
في الأيام الأولى تقول:
سأدعو أكثر.
ثم تمضي الأيام.
فتتحول عينك بهدوء من المطلوب إلى نفسك.
ربما المشكلة فيَّ.
ربما دعائي بارد.
ربما يقيني ناقص.
ربما لو كنت أقرب إلى الله لاستجاب لي.
ثم تأتي العبارة التي لا تحب أن تسمعها حتى من نفسك:
ربما أنا ببساطة لا أستحق.
ومن هنا لا يعود الوجع هو فقد المطلوب وحده.
يضاف إليه جرح آخر:
أن تبدأ باستعمال ما لم تحصل عليه بوصفه معلومة عنك.
كأن كل باب مغلق يقول شيئًا عن قيمتك.
وكل دعاء لم تر أثره بعد يحمل تقييمًا خفيًا لعلاقتك بالله.
وكل تأخر يصبح ورقة جديدة في ملف الاتهام.
مع أن الحقيقة التي يجب تثبيتها منذ البداية هي:
تأخر ما طلبته ليس تقريرًا صادرًا من الله عن قيمتك.
أنت الذي قد يضع هذا المعنى فوق الحدث.
الحدث الذي تعرفه هو: دعوت، وما طلبته لم يقع إلى الآن.
أما:
«إذن أنا لا أستحق»…
فهذه نتيجة لم يخبرك الله بها.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين يكون لوم نفسك أسهل من عدم الفهم
النفس البشرية لا تتعب من الألم وحده.
تتعب أيضًا من الشيء الذي لا تستطيع تفسيره.
فإذا طال الدعاء، وبقي الواقع ساكنًا، يبدأ عقلك في البحث عن سبب.
ولا يملك الوصول إلى الغيب.
فيعود إليك.
يفتش فيك.
في صلاتك.
في خشوعك.
في ماضيك.
في أخطائك.
في مقدار يقينك.
حتى يجد تفسيرًا يمكن الإمساك به:
أنا السبب.
والغريب أن هذه الفكرة، على قسوتها، قد تمنح النفس شيئًا من الراحة الخفية.
لأنها تحول المجهول إلى معادلة.
إذا كانت المشكلة فيَّ، أستطيع إصلاح نفسي.
سأستغفر أكثر.
سأدعو بطريقة أفضل.
سأحاول أن أبكي أكثر.
سأرفع مستوى يقيني.
وحين أصل إلى الحالة المطلوبة، سيأتي ما أريده.
وهكذا تتحول العلاقة بالله من افتقار… إلى محاولة فك شفرة.
ويتحول الدعاء من عبادة وقرب… إلى اختبار أداء.
دعاء قوي: نتيجة.
دعاء ضعيف: تأخير.
قلب صالح: فتح.
قلب ناقص: منع.
لكن من قال إن القدر يعمل بهذه البساطة؟
القرآن كسر هذه المعادلة بكلمة واحدة
قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾ [الفجر: 15-17]
تأمل موضع:
﴿كَلَّا﴾
المشكلة لم تكن في وصف الحدث.
العطاء وقع فعلًا.
والتضييق وقع فعلًا.
لكن الإنسان أخذ الحدث من الخارج، ثم أدخله إلى تعريفه لنفسه.
أُعطيت = أنا مكرم.
مُنعت = أنا مهان.
فجاء القرآن ليقطع الرابط نفسه.
﴿كَلَّا﴾.
ليس كل عطاء شهادة على منزلتك.
ولا كل منع حكمًا عليك.
وهذا لا يخص المال وحده.
إنه يكشف عادة عميقة في النفس:
أننا نقرأ مكانتنا عند الله من خلال ما يقع لنا.
إذا فتح الباب، تنفسنا وقلنا: الله راض عني.
إذا أغلق، بدأنا نراجع قيمتنا.
إذا جاءت الإجابة بالصورة التي أحببناها، شعرنا أننا مسموعون.
وإذا تأخرت، خرج السؤال:
ماذا بي حتى لم أُعط؟
لكن القرآن لا يسمح لك أن تجعل حركة الدنيا جهاز قياس لمنزلتك عند الله.
حين تصبح الحاجة مرآة
أنت طلبت شيئًا.
ثم من شدة تعلق قلبك به، لم يعد مجرد شيء ترجوه.
أصبح مرآة.
كل يوم تنظر فيه إلى نفسك.
هل حصل؟
لا.
إذن هناك شيء ناقص فيَّ.
ومع الزمن قد لا تعود تطلب الحاجة وحدها.
بل تطلب معها دليلًا على أنك مقبول.
أنت لا تريد الفرج فقط.
تريد أن يقول لك الفرج:
أرأيت؟ لم تكن متروكًا.
أنت محبوب.
دعاؤك مسموع.
لك مكان عند الله.
وهنا يصبح ثقل الحاجة مضاعفًا؛ لأنها لم تعد تحمل نفسها وحدها.
حمّلتها سؤال هويتك كلها.
فإن جاءت، هدأت.
وإن تأخرت، اهتز تعريفك لنفسك.
وهذا حمل لا ينبغي أن تضعه على شيء من الدنيا.
ليس لأن الدنيا لا تؤلم.
بل لأنها لم تُخلق لتخبرك كم تساوي عند ربك.
حتى التوبة قد تتحول إلى مفاوضات
قد تقول:
إذن أتوب.
وهذا خير عظيم.
لكن راقب الفرق بين قلبين متشابهين في الظاهر.
قلب يقول:
يا رب، أنا عبد أخطئ، وأحب أن أرجع إليك، فاغفر لي وأصلحني.
وقلب يقول في داخله:
سأتوب أكثر… فلعل الله بعدها يعطيني ما أطلب.
الفرق دقيق.
ليس طلب الدنيا بعد التوبة خطأ.
لكن الخلل يبدأ حين تجعل إصلاح علاقتك بالله وسيلة ضغط على النتيجة.
فتستغفر.
ثم تنظر إلى الباب.
ما زال مغلقًا.
فتستغفر أكثر.
ثم تنظر.
ما زال مغلقًا.
فتبدأ بالشك في استغفارك.
ثم في قلبك.
ثم في نفسك كلها.
وهكذا يصبح التأخير آلة لا تنتهي لتوليد الاتهام.
أما العبودية فأهدأ:
أتوب لأنني محتاج إلى الله.
أدعوه لأن الدعاء عبادة وافتقار.
وأسأله حاجتي كاملة، بإلحاح، وبقلب يرجو فضله.
لكنني لا أجعل وقوع المطلوب هو الشهادة التي أنتظرها لأعرف هل أنا قريب منه أم بعيد.
زكريا لم يجعل طول الانتظار إدانة لدعائه
حين دعا زكريا عليه السلام وقد بلغ من الكبر مبلغًا بعيدًا، قال:
﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4]
لم تكن علاقته بالله مختصرة في سؤال واحد:
هل حصل المطلوب الآن أم لا؟
كان يعرف معنى أوسع:
أن الوقوف على باب الله ليس شقاء.
وأن السنين التي تمضي في الدعاء لا تتحول تلقائيًا إلى أدلة على أن العبد غير مسموع.
وهنا يقع الفرق.
إذا اختزلت استجابة الدعاء في لحظة تحقق الشيء فقط، صار كل ما قبلها عندك زمنًا ضائعًا.
لكن المؤمن لا يرى الدعاء بهذه الطريقة.
هو يريد حاجته حقًا.
ويتألم من غيابها حقًا.
ولا يحتاج إلى التظاهر بأنها لم تعد مهمة.
لكنه لا يسمح لهذا الغياب أن يقول عن الله ما لم يقله الله، أو أن يقول عن نفسه ما لا يعلمه.
أنت لا تحتاج إلى إثبات أهليتك للرحمة
ربما أكثر ما أتعبك أنك تحاول منذ مدة أن تصبح الشخص الذي «يستحق» أن يُعطى.
تحسن نفسك.
تراقب قلبك.
تراجع تقصيرك.
وتسأل:
هل أصبحت الآن أفضل؟
هل دعائي الآن أقوى؟
هل اقتربت بما يكفي؟
لكن من قال إنك تدخل على الله بورقة استحقاق أصلًا؟
أنت لا تأتيه لأن عندك ما يوجب عليه أن يعطيك.
أنت تأتيه لأنك فقير.
ولو كان باب الرحمة لا يفتح إلا لمن أثبت كمال أهليته، لما دخل إليه أحد.
أنت لم تدخل على ربك بورقة استحقاق… دخلت بفقرك.
وهذا لا يحط من قدرك.
بل يعيدك إلى موضعك الصحيح.
الافتقار شيء، واحتقار النفس شيء آخر.
الافتقار يقول:
يا رب، لا أملك لنفسي شيئًا، وأنت الكريم.
أما جلد الذات فيقول:
أنا أقل من أن ترحمني.
ومن قال إن الرحمة لا تصل إلا إلى من أثبت أنه مستحق لها بذاته؟
العبد لا يقف بين يدي الله حاملًا شهادة إنجاز.
يقف بحاجة.
بضعف.
برجاء.
وبعلم أن الفضل فضل الله، لا أجر على كمال لم يبلغه.
ولهذا قد يكون السؤال:
«هل أنا أستحق؟»
هو نفسه السؤال الذي أتعبك أكثر مما ينبغي.
أنت لا تطلب من ربك لأنك عظيم.
بل لأنك محتاج.
ولا ترجوه لأن لك عليه حقًا.
بل لأنك تعرف أنه كريم.
اترك مساحة لا تفسرها
قد يكون من أصعب أشكال الإيمان أن تقبل بوجود مساحة لا تعرفها.
لا تعرف لماذا لم يقع الأمر الآن.
لا تعرف متى يقع.
ولا تعرف بأي صورة.
ولا تعرف إن كان الطريق الذي تتخيله هو الطريق الذي سيجري به أمر الله.
وهذا الجهل يوجع.
لكنه أرحم من أن تملأه باتهامات من عندك.
إذا لم تعرف لماذا تأخر شيء، فلا تقل تلقائيًا:
لأنني سيئ.
وإذا لم تر أثرًا سريعًا لدعائك، فلا تقل:
لأن دعائي لا يكفي.
يمكنك أن تقول:
لا أعلم.
وهذه ليست هزيمة للعقل.
إنها أحيانًا عبودية صافية.
لا أعلم لماذا.
لكنني أعلم من أدعو.
لا أعلم ما الذي سيحدث.
لكنني أعلم أن جهلي بما يجري لا يمنحني حق اختراع تفسير يؤذيني.
ولا أعلم منزلتي عند الله من خلال هذا الباب المغلق، لذلك لن أجعل الباب يتحدث باسم الله.
دع الحاجة تبقى حاجة.
ولا تحولها إلى استفتاء على قيمتك.
ودع الدعاء يبقى دعاء.
لا تجعله اختبارًا يوميًا لجودة إيمانك.
تب.
وادع.
واسع.
وراجع نفسك فيما تعلمه من تقصير، لا فيما تتخيله من تهم خفية.
ثم إذا عاد إليك السؤال آخر الليل:
«يا رب… هل أنا الذي لا أستحق، أم أن دعائي لا يكفي؟»
فتذكر الكلمة التي قطع بها القرآن قديمًا هذا الربط بين ما يقع لك وبين ما تساويه:
﴿كَلَّا﴾.
ليس كل منع إهانة.
وليس كل تأخير حكمًا عليك.
ولست مطالبًا أن تفهم كل ما يجري كي تظل عبدًا يرجو الله.
يكفيك ألا تجعل ما لم تعرف حكمته… شاهدًا ضدك.