في البداية لم تكن المشكلة بهذا الحجم. كانت لها مساحة معقولة في ذهنك. كنت تستطيع أن تتخيل لها حلا.
مبلغا يأتي.
شخصا يساعد.
فرصة تفتح.
مهلة تمتد.
بابا واحدا لو تحرك، لتحرك معه كثير من الأشياء.
ثم مرت الأيام. ولم تبق المشكلة كما هي. بدأت تتغذى من الوقت.
الدين الذي كان يحتاج إلى مبلغ محدد، أصبح وراءه التزام آخر. والتأخير جر تأخيرا. والحاجة التي كان يمكن احتواؤها صارت تتشابك مع حاجات أخرى. وما كان يحتاج في خيالك إلى سبب واحد، صار يحتاج إلى سلسلة كاملة من الأسباب.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين لا تكفي الأسباب التي تعرفها
ثم وصلت إلى مرحلة أشد قسوة: لم يعد قلبك يقول: أحتاج إلى فرصة جيدة. بل صار يقول: حتى الفرصة الجيدة التي أستطيع تخيلها لم تعد تكفي.
وهنا يتغير الخوف. في البداية كنت تخاف لأن الحل لم يأت. أما الآن فأنت تخاف لأنك لم تعد ترى في عالمك كله حلا بحجم المشكلة.
تنظر إلى دخلك. إلى من تعرف. إلى أقصى ما يمكن أن يعطيك أحد. إلى فرصك. إلى قدراتك. إلى كل منفذ تعرفه. ثم تجمعها في رأسك، وتقف أمام المشكلة، فتشعر أن الكفة لا تزال مائلة.
ليس قليلا. بل بصورة تخيفك. وتقول: ماذا ستفعل هذه الأسباب كلها أمام هذا الحمل؟
وهنا يدخل القلب في نوع آخر من الضيق. ليس ضيق من فقد سببا. بل ضيق من صار يشعر أن نفس جنس الأسباب التي يعرفها لم يعد كافيا.
كأنك لا تحتاج بابا صغيرا يفتح. بل تحتاج شيئا يضرب العقدة من أصلها. شيئا لا تعرف كيف يأتي. ولا من أين. ولا عبر من. ولا بأي ترتيب.
وهنا قد يقول الإنسان في نفسه: الأمر لم يعد يحتاج إلى حل عادي. أنا أحتاج إلى فرج من الله لا أستطيع حتى أن أتصور طريقه.
وهذه لحظة شديدة الحساسية. لأنك في جهة تؤمن أن الله على كل شيء قدير. وفي جهة أخرى، عقلك لا يكف عن القياس.
يقيس حجم المشكلة. ويقيس حجم ما في يدك. ثم يعود إليك بالنتيجة نفسها:
لا يكفي.
لا يكفي.
لا يكفي.
وكأن قلبك يعيش بين حقيقتين لا يلتقيان بسهولة:
الله قادر على كل شيء.
و:
كل ما أراه أمامي لا يستطيع أن يفعل شيئا أمام هذا.
حين يصبح الدعاء دعاء من استنفد الحسابات
وهنا تبدأ ليالي الدعاء. ليست دعوات باردة. ولا كلمات تقولها ثم تنسى. بل دعاء من شخص استنفد الحسابات.
دعاء من يعرف أنه لا يملك الخطة. ولا الطريق. ولا الشخص. ولا المال. ولا حتى الفكرة التي يمكن أن يبني عليها أملا واقعيا.
فيأتي إلى الله كما يأتي من انقطعت به الأسباب إلى من لا تنقطع قدرته.
يبكي. ويتضرع. ويقول: يا رب.
ليس لأن عنده حلا يريد من الله أن يباركه. بل لأنه لم يعد يرى حلا أصلا.
وهنا يكون صدق الافتقار شديدا.
لكن شدة الافتقار لا تعني أن الصباح التالي سيأتي على الصورة التي يريدها القلب.
وهذه هي النقطة التي توجع.
حين تستيقظ على الواقع نفسه
تنام بعد ليلة طويلة. ربما لأول مرة منذ أيام يلين شيء فيك. ربما تقول: لعل الله يفتح. لعل هذه الليلة لا تشبه ما قبلها.
ثم يأتي الصباح. وتفتح عينيك. فتجد الرقم نفسه. والدين نفسه. والباب نفسه. والحاجة نفسها. ولا اتصال. ولا خبر. ولا شيء مما كنت تتعلق به قد تحرك.
وهنا لا يوجعك فقط أن المشكلة ما زالت موجودة. يوجعك أنك دخلت إلى الله البارحة بكل هذا الافتقار… ثم استيقظت على المشهد نفسه.
فتأتيك جملة خافتة. ربما لا تحب حتى أن تعترف بها:
ما الذي فعلته كل تلك الليالي إذا كان الواقع لم يتحرك؟
وهنا يبدأ الحصار الحقيقي. لأنك لا تستطيع أن تغلق باب الله. وأنت تعلم أنه لا باب لك غيره.
لكن في الوقت نفسه، كلما عدت إليه، تذكرت أنك عدت إليه بالأمس أيضا.
دعوت بالأمس. وبكيت بالأمس. ورجوت بالأمس. ثم جاء صباح الأمس كما جاء صباح اليوم.
فيبدأ القلب يخاف من أن يعيد الرحلة نفسها. يدعو. يرجو. يتماسك. ثم يستيقظ على الشيء نفسه.
وهنا قد يتحول الألم من مشكلة خارجك إلى معادلة داخلك:
أنا لا أملك سببا يكفي، وما أطلبه من الله لم أره بعد، إذن أنا محاصر من كل الجهات.
قدرة الله ليست جزءا من مجموع أسبابك
لكن هذه المعادلة ناقصة. لأنها تحسب كل شيء تقريبا… إلا الشيء الذي لا يمكن إدخاله في الحساب:
أن قدرة الله ليست جزءا من مجموع أسبابك.
هذه نقطة لو استقرت في القلب، أعادت للمشهد حجمه الحقيقي.
أنت تنظر إلى ما عندك وتقول: لا يكفي. وقد تكون صادقا.
تنظر إلى من حولك وتقول: لا أحد منهم يستطيع. وقد تكون صادقا.
تنظر إلى السبب الذي كنت تنتظره وتقول: حتى لو جاء الآن، لن يحل كل شيء. وقد تكون صادقا أيضا.
لكن الخطأ يبدأ حين تنتقل من:
لا أرى سببا يكفي.
إلى:
لا يمكن أن يوجد مخرج.
الأولى وصف لما بلغته حساباتك. والثانية حكم على غيب لا تحيط به.
من حيث لا يحتسب: ما لا يدخل في جدولك
قال الله تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ﴾.
الطلاق: 2-3
تأمل: ﴿مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ﴾.
لأن الإنسان تحت الضغط يحتسب طوال الوقت.
من أين؟ كم؟ متى؟ عبر من؟ لو جاء كذا، هل يكفي؟ لو ساعدني فلان، ماذا يبقى؟ لو تأخر هذا، ماذا يحدث لذاك؟
وأحيانا يكون أكثر ما يتعبك أنك حسبت كل شيء. ثم اكتشفت أن الناتج لا يزال مخيفا.
لكن الآية تفتح في جدار الحساب معنى لا يصنعه الحساب نفسه:
ليس كل رزق داخل جدولك. وليس كل مخرج مرئيا قبل أن يأتي. وليس كل ما يقدره الله لك ملزما أن يمر عبر القنوات التي يعرفها عقلك.
وهذا لا يعني أن تتوقف عن الأخذ بالأسباب. ولا أن تنتظر خرقا للعادات. ولا أن تسمي كل مجهول «معجزة».
لكن يعني شيئا أدق:
لا تجعل عجز أسبابك دليلا على أن قدرة الله تقف عند حدودها.
الأسباب محدودة. والله ليس سببا بينها. هو رب الأسباب.
وهذا فرق هائل.
لأنك حين تقول: ما عندي لا يكفي. فأنت تتحدث عن نفسك.
وحين تقول: لا يوجد ما يكفي. فأنت بدأت تتحدث عن الوجود كله.
ومن أعطاك علم الوجود كله؟
هنا يحتاج القلب إلى أن يتواضع أمام جهله، لا أمام المشكلة.
أن يقول:
يا رب، أنا حقا لا أرى.
لا أملك.
لا أفهم كيف يمكن لهذا أن ينحل.
ولا أستطيع أن أبني لنفسي سيناريو مقنعا.
لكن عجز خيالي ليس حدا لقدرتك.
أنا عاجز عن تخيل المخرج، لا عن الإيمان برب المخرج.
وهذه ليست جملة للتجميل. بل تصحيح لموضع الخلل.
لأن قلبك تحت الضغط يريد أن يرى الطريق قبل أن يطمئن.
لكن الإيمان لا يعطيك دائما خريطة الطريق. إنما يمنعك من أن تجعل غياب الطريق المرئي برهانا على عدم وجود ما يقدره الله.
دعوت ولم يتغير الواقع: ماذا يعني ذلك؟
ثم يأتي السؤال الأشد ألما:
حسنا. لكنني دعوت. مرارا. وبحرقة. ولم يتغير الواقع. ماذا أفعل بهذا؟
لا تجب نفسك بإجابة مصطنعة.
لا تقل: لأن الفرج قريب جدا. أنت لا تعلم ذلك.
ولا تقل: كل هذا كان ضروريا ليحدث شيء بعينه. أنت لا تعلم ذلك أيضا.
لكن تستطيع أن تقول شيئا واحدا صادقا:
عدم تغير الواقع بعد دعائي لا يعني أن دعائي كان عبثا، ولا أن الغيب أعطاني حكما نهائيا بأن الواقع سيبقى كما هو.
هذه المساحة صعبة. لأن النفس تحب النتائج المرئية.
تدعو فتريد أن ترى. تبكي فتريد أن ترى. تتضرع فتريد أن ترى.
فإذا لم تر، يبدأ الألم في ترجمة التأخر إلى معنى.
لكن ليس كل ما لم تره نفيا. وليس كل تأخر حكما بالمنع. وليس كل صباح متشابه حكما على بقية الطريق.
ربما أكثر ما يجب أن تحميه الآن هو هذا الحد الفاصل:
الواقع يقول: لم يتغير شيء إلى الآن.
ولا يقول:
لن يتغير شيء.
وهذا الفرق قد يكون ضئيلا في الكلمات. لكنه واسع جدا في القلب.
لأن «إلى الآن» تترك الغيب لله. أما «إلى الأبد» فتأخذ منه ما لا تملكه.
حين تعود إلى الله ولا تعرف كيف يأتي المخرج
وإذا كنت الليلة ستعود إلى الله مرة أخرى، فلا تذهب إليه متظاهرا بالقوة.
اذهب إليه كما أنت.
قل:
يا رب، أنا خائف.
يا رب، المشكلة كبرت حتى لم أعد أرى سببا يكفيها.
يا رب، حسبت كل شيء حتى أتعبني الحساب.
يا رب، أنظر إلى حالي فأشعر أن ما بيدي أصغر من أن يفعل شيئا.
يا رب، دعوتك كثيرا، ويؤلمني أنني أستيقظ على الواقع نفسه.
يا رب، أخاف أن أرجو ثم أتألم من رجائي.
قل هذا كله.
لكن اترك في نهاية الدعاء جملة واحدة تحمي قلبك من أن يتحول الضغط إلى عقيدة:
يا رب، أنا لا أرى كيف… لكنني أعلم أن عدم رؤيتي ليس حكما على قدرتك.
هذه هي العبودية حين تنقطع التصورات.
ليس أن تعرف الطريق. بل أن تعرف من هو رب الطريق.
وليس أن تملك خطة كبيرة. بل أن تعرف أن الله لا تضيق قدرته حين تضيق خطتك.
وليس أن تستيقظ غدا فتجد كل شيء تغير بالضرورة. بل أن تستيقظ، وإن وجدت المشهد نفسه، فلا تسمح له أن يقول لك ما لم يقله الله.
فالمشكلة قد تكون كبيرة. وأسبابك قد تكون صغيرة. وحيلتك قد تكون منقطعة.
لكن لا تجعل هذه الثلاثة تكتب الجملة الرابعة:
إذن لا مخرج.
فهذه ليست لك.
يكفيك أن تقول:
لا أراه.
وتترك لله ما لا تراه.