يا رب… أخاف أن أدعوك ثم أستيقظ على اليوم نفسه

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

أحيانا لا يكون أصعب ما في الدعاء أنك لم تحصل بعد على ما تريد.

بل أنك أصبحت تخاف من اللحظة التي تلي الدعاء.

تدعو في الليل. تتكلم مع الله بصدق. يهدأ شيء في صدرك. وربما يجرؤ قلبك للحظات أن يتخيل أن القادم قد يكون مختلفا.

باب مغلق مع ضوء فجر خافت وسجادة صلاة في مشهد يرمز إلى الخوف من الاستيقاظ على اليوم نفسه بعد الدعاء
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يأتي الصباح كما كان

ثم يأتي الصباح.

تنظر حولك.

المشكلة نفسها. الخبر نفسه. الباب نفسه مغلق. والشيء الذي دعوت أن يتغير ما زال في مكانه.

وهنا لا يؤلمك الواقع وحده.

يؤلمك أنك كنت قد رجوت قبل ساعات.

كأن القلب يقول لنفسه:

لماذا سمحت لي أن أصدق أن الغد ربما يكون مختلفا؟

ولهذا، بعد تكرار الأيام، قد يحدث شيء خفي جدا:

لا تتوقف عن الدعاء.

لكن تبدأ في الدعاء بقلب يضع يده على قلبه.

تقول:

يا رب، أعطني.

وفي مكان لا يسمعه أحد في داخلك صوت آخر يقول:

لكنني أخاف أن أفتح عيني غدا فأجد كل شيء كما هو.

وهذا الصوت ليس بالضرورة اعتراضا على الله.

قد يكون قلبا أتعبه تشابه الصباحات.

مرة بعد مرة دعوت. ومرة بعد مرة استيقظت على المشهد نفسه.

حتى بدأ عقلك يتعلم علاقة لم يأمره الله أن يتعلمها:

الدعاء يعقبه الانتظار. والانتظار يعقبه اليوم نفسه. واليوم نفسه يعقبه الألم نفسه.

حين يصبح الرجاء نفسه موضع خوف

فصار قلبك لا يخاف فقط من استمرار الوجع.

صار يخاف من الرجاء الذي يسبق اكتشاف استمراره.

وهنا يصل الألم إلى مكان شديد الحساسية:

لم يعد يهدد راحتك فقط.

بدأ يهدد قدرتك على الرجاء.

لأن النفس حين تجرح من المكان نفسه مرات، تحاول أن تحمي نفسها.

فتقول لك:

لا تتوقع كثيرا.

لا تفرح حين تدعو.

لا تسمح لقلبك أن يذهب بعيدا.

ادع… لكن لا تنتظر شيئا.

كي لا تتألم.

ويبدو هذا في ظاهره حكمة.

لكنه في حقيقته قد يكون الألم وهو يعلم القلب كيف ينجو منه.

وهنا قد يلتبس على القلب الفرق بين الرضا واليأس؛ لأن الانطفاء قد يبدو أحيانا أكثر أمانا من الرجاء.

والمشكلة أن الألم ليس معلما معصوما.

قد يعلمك الحذر حيث تحتاج الحذر.

وقد يعلمك أيضا الخوف حيث لا تملك دليلا.

ذاكرتك تعرف الأمس لا الغد

قد يقول لك:

لأن الأمس تكرر كثيرا، فغدا سيشبهه أيضا.

لكن هذه ليست معرفة.

هذه ذاكرة تحاول أن تتنبأ.

تشابه الأيام الماضية لا يمنحك علما باليوم الذي لم يأت بعد.

أمس تعرفه.

واليوم تعيشه.

أما الغد فلم يسلم إلى ذاكرتك حتى تحكم عليه.

الإيمان لا يعني ضمان صورة الغد

وهنا يصبح الإيمان دقيقا جدا.

ليس الإيمان أن تقول لنفسك:

غدا بالتأكيد سيتغير كل شيء.

فأنت لا تعرف ذلك.

وليس حسن الظن بالله أن تحدد الصورة التي يجب أن تأتي بها الإجابة، ثم تسمي ثقتك بهذه الصورة يقينا.

إنما الإيمان هنا أن ترفض الأمرين معا:

ألا تجعل الرجاء وعدا لم يعدك الله بتفاصيله.

وألا تجعل الألم نبوءة لم يمنحها الله علم الغيب.

هذه المساحة بينهما هي العبودية.

أن تقول:

يا رب، سأدعوك.

لا لأنني أملك ضمانا أن صباح الغد سيأتي بالشكل الذي أريده.

ولا لأنني نسيت الصباحات التي أوجعتني.

بل لأنك أنت الله.

ولأن الدعاء ليس رهانا أضعه على شكل الغد.

إنه عبودية أتوجه بها إلى ربي.

قال الله:

﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَستَجِب لَكُم﴾.

فأنت مأمور بالدعاء، موعود بالإجابة كما يشاء الله، لا مأذون لك أن تجعل صورة بعينها أو توقيتا بعينه شرطا لتصدق أن دعاءك لم يضع.

وهذا المعنى يلتقي مع معنى ألا تترك الدعاء في منتصف الألم؛ لأن طول الانتظار لا يحول الدعاء إلى عبث، ولا يجعل تكرار الأيام حكما على ما لم يأت بعد.

وهذا قد يكون مؤلما؛ لأن النفس تريد أحيانا أكثر من الدعاء.

تريد علامة سريعة تطمئنها إلى أنها لن تستيقظ على الألم نفسه.

تريد أن تقول:

يا رب، سأرجو… لكن أعطني ما يضمن أن هذا الرجاء لن يوجعني مرة أخرى.

وهذا مفهوم من قلب متعب.

لكن لا تحول هذا الخوف إلى عقيدة.

لا تجعل الخوف يتكلم باسم الغيب

يجوز أن تخاف من الغد.

لكن لا تقل إنك تعرفه.

يجوز أن يوجعك تشابه الأيام.

لكن لا تجعل التشابه قانونا على قدر الله.

يجوز أن تقول:

يا رب، تعبت من أن أستيقظ على الأمر نفسه.

هذا صدق.

لكن هناك مسافة هائلة بين أن تقول:

تعبت من تكراره.

وبين أن يقول قلبك:

وسيظل يتكرر.

الأولى خبر عما عشته.

والثانية حكم على ما لم تعشه بعد.

وهذا هو الموضع الذي يحتاج فيه قلبك إلى الرحمة.

لا أن توبخه لأنه خاف.

بل أن تنزع من الخوف وظيفة ليست له.

الخوف يحذرك.

لكنه لا يعلم الغيب.

والذاكرة تذكرك.

لكنها لا تكتب القدر.

والأيام المتشابهة تخبرك بما كان.

لكنها لا توقع نيابة عن الله على ما سيكون.

لا تجعل الأمس يوقع عن الله على الغد.

ربما تدعو الليلة ثم تستيقظ غدا ولا ترى التغير الذي تمنيت.

هذا ممكن.

ولا ينبغي أن نواسي القلب بوعد لم يعطنا الله إياه.

لكن إن حدث ذلك، فلا تضف إلى ألم الغد معنى آخر:

لا تقل:

إذن لن يتغير شيء أبدا.

ولا:

إذن كان رجائي خطأ.

ولا:

إذن كان ينبغي ألا أرفع قلبي من البداية.

دع اليوم يكون يوما.

ولا تجعله حكما مؤبدا.

ودع الدعاء يبقى دعاء.

لا تحوله إلى اختبار لله:

إن تغير المشهد، استطعت أن أرجو.

وإن لم يتغير، أغلقت باب الرجاء.

فأنت حين تدعو لا تقف أمام نتيجة.

أنت تقف أمام ربك.

ومن هنا يأتي الفرق بين مجرد غياب التغير المرئي وبين السؤال: لماذا لا أرى عونا بعد الدعاء؟؛ فعدم رؤيتك لما تمنيت فور الدعاء لا يمنحك علما بما وراء اللحظة التي تعيشها.

كيف تدعو وأنت خائف من تكرار الألم؟

وهذه ربما أصعب عبودية بعد طول الألم:

أن تظل قادرا على قول «يا رب» دون أن تطلب من نفسك أن تعرف ماذا سيحدث بعدها.

أن ترفع حاجتك إلى الله دون أن تفاوض قلبك على ضمان.

أن تعترف:

يا رب، أنا أريد هذا جدا.

وأخاف أن أستيقظ غدا فأجده كما هو.

وأنا لا أعلم ما قدرت لي.

لكنني لا أريد أن أجعل خوفي يتكلم باسم الغيب.

ولا أن أجعل الأيام التي مضت تحكم على ما لم تأت به الأيام بعد.

فإن كان قلبك قد أصبح يخاف من الرجاء نفسه، فلا تطلب منه أن يعود دفعة واحدة كما كان.

يكفي أن يبقى بينك وبين الله باب لا تغلقه.

باب اسمه:

يا رب، أنا خائف من أن أتألم مرة أخرى… لكنني ما زلت آتي إليك.

وفي بعض الليالي، قد تكون هذه أصدق كلمة يملكها قلب أنهكه تشابه الأيام.

تعليقات

عدد التعليقات : 0