فهرس المقال
🌿 قد يكون أثرك وجعا لم تورثه لأحد
حين تصعد الكلمات القديمة إلى لسانك
أخطأ طفلك، فصعدت إلى لسانك جملة قديمة تعرفها جيدا؛ الجملة نفسها التي كنت تسمعها صغيرا، ثم تحملها معك حتى بعد أن ينتهي الغضب ويعود البيت هادئا:
«أنت لا تفهم… ولن تفلح في شيء.»
كدت تقولها.
لكنك توقفت. أخذت نفسا، وصححت له خطأه من غير أن تحكم عليه كله. وبعد قليل عاد يلعب، كأن شيئا لم يحدث.
وأنت بقيت في مكانك، تعرف أن شيئا كبيرا حدث؛ فقد قاومت كلاما كان جاهزا في داخلك، أقدم من هذا الموقف، وأسرع إلى لسانك مما تمنيت.
لن يعرف طفلك مقدار ما احتجت إليه لتقول جملة أرحم. وقد يكبر وهو يظن أن تصحيح الخطأ دون إهانة أمر عادي.
وهذا العادي الذي سيعيشه، ربما كان من أشق ما تعلمته أنت.
الأثر الذي لا يراه أحد
قد يؤلمك أحيانا أن أحدا لا يرى هذا النوع من التعب. يرون هدوءك، ولا يعرفون ما قاومته لتبقى هادئا. يسمعون اعتذارك، ولا يعرفون أنك نشأت في مكان كان الكبير فيه يخطئ، ثم يكون على الصغير أن يصالحه.
ثم تسمع الكلام عن الأثر الذي ينبغي أن يتركه الإنسان، فتنظر إلى حياتك وتقول:
«أنا بالكاد أحاول إصلاح نفسي… ماذا تركت حتى الآن؟»
كأنك وضعت كل ما تفعله كي لا تؤذي أحدا خارج حساب العمل. وكأن مقاومة ما اعتدته لا تعد شيئا، ما دامت لم تنتج إنجازا ظاهرا يستطيع الناس الإشارة إليه.
هل يكون الأثر في أذى أوقفته؟
من قال إن الأثر لا يكون إلا في شيء أضفته، ولا يكون في أذى أوقفته؟
قال الله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12].
يكتب الله أعمال العباد، ويكتب ما نشأ عنها من خير أو شر كانوا سببا فيه، في حياتهم وبعد موتهم؛ فالأثر يتجاوز اللحظة التي باشروا فيها العمل. وهذا من المعاني التي يبينها تفسير السعدي للآية.
وحين تتأمل حياتك في ضوء هذا المعنى، يتسع نظرك إلى أفعال كنت تمر عليها سريعا.
توقفك عن الإهانة ابتغاء وجه الله طاعة ترجو أجرها عنده. وما قد يتعلمه منك طفلك، حين يرى أن الغضب لا يبيح تحقير الناس، باب آخر من الخير ترجوه. لا تعرف إلى أين يبلغ، ولا تملك أن تضمنه؛ لكن جهلك بما سيأتي لا يصغر قيمة ما تفعله الآن.
وقد لا تسمع منه يوما: «أشكرك لأنك لم تجعلني أخاف الاعتراف بخطئي.»
فالإنسان قد يشكر من خفف عنه وجعا يعرفه، لكنه لا يعرف كل وجع وقاه الله منه، ولا كل سبب سخره لحفظه.
ومن هنا تأتي مشقة خفية: قد تكون ثمرة إحسانك أن يعيش غيرك مطمئنا إلى درجة لا ينتبه معها إلى إحسانك.
وإذا غاب انتباهه، خفت صوت عملك في نفسك. ربما قلت: «كل هذا التعب، ولا أحد يشعر.»
من حقك أن تحتاج إلى التقدير. ويسرك أن يرى من تحب ما تبذله؛ فلا تجعل هذا الاحتياج تهمة في إخلاصك. لكن لا تجعل معرفتهم بتعبك هي التي تثبته أو تمحوه.
الله يعلم الجملة التي قلتها، ويعلم ما جاهدت نفسك فيه حتى تقولها. لا يحتاج إلى أن تقارن أمام أحد بين ما عانيته وما منحته، حتى يعلم حقيقة عملك.
الإحسان دون تحويله إلى دين
وهذا يفتح لك موضعا أهدأ في علاقتك بمن تحب: تستطيع أن تطلب منه الوفاء، دون أن تجعل إحسانك إليه دينا لا ينتهي.
فلا يحتاج طفلك أن يعرف تفاصيل كسرك كي يحق له أن يعيش آمنا، ولا يلزمه أن يحمل تاريخك كله حتى يكون لرحمتك به قدر.
قد يكون من أكرم ما تتركه: ألا يبدأ غيرك رحلة التعافي من الكلمة التي قلتها أنت.
وهذا لا يجعل ما وقع عليك خيرا، ولا يلزمك أن تشكر من آذاك لأنك تعلمت الرحمة. كان الظلم ظلما، وكان حقك أن تعامل برفق من البداية.
لكنك، حين تكف أذاك ابتغاء وجه الله، تعمل خيرا الآن؛ عملا لا يملكه من ظلمك، ولا يصح أن ينسب الفضل فيه إلى قسوته. التوفيق من الله، ولك سعيك ومجاهدتك.
حين تقع فيما كنت تخشاه
وربما لم تستطع ذلك في كل مرة.
ربما قلت الجملة، ورأيت أثرها في وجه من أمامك، ثم آلمك أنك فعلت ما كنت تتمنى ألا تفعله أبدا.
لا تحول عثرتك إلى حكم بأنك نسخة لا تتغير. ما زال أمامك عمل حقيقي: أن تعود، وتسمي خطأك، وتعتذر عنه دون أن تجعل من آذيته مسؤولا عن غضبك.
«أخطأت حين أهنتك. كان علي أن أصحح ما فعلت دون أن أجرحك.»
لا يمحو الاعتذار كل أثر تلقائيا، لكنه يبدأ إصلاحا، ويقدم لمن أمامك شيئا ربما افتقدته أنت طويلا: أن يرى صاحب السلطة عليه يعترف بالخطأ، ويحاول تغييره.
المسافة بين الغضب والكلمة
وفي المرة القادمة، قد تكون عبادتك في تلك المسافة القصيرة بين الغضب والكلمة؛ أن تتمهل لله، ثم تقول الحق بقدر ما يحتاجه الموقف، وتحفظ لمن أمامك كرامته.
قد ينتهي يومك بعدها بلا حكاية تستحق أن تروى. ينام طفلك، ويبقى الخطأ الذي صححته حادثة صغيرة في يومه.
أما أنت، فلا تحتقر يوما جاهدت فيه كي يكون قربك أمانا.
اللهم أصلح ما تركناه من أذى، وأعنا أن نحسن إلى عبادك، وألا نجعل أحدا يدفع ثمن ما أوجعنا.