لماذا لا يحميني الله من الألم إذا كان يحبني؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

💔 يا رب… إذا كنت تحب عبدك، فلماذا لا يحميه الحب من الألم؟

أقسى ما يفعله الألم أحيانا أنه لا يوجعك وحده؛ بل يجعلك تعيد تفسير علاقتك بالله.

فبدل أن يبقى السؤال: «لماذا حدث هذا؟» يظهر تحته سؤال أشد إيلاما: «لو كان الله يحب عبده… فكيف يصل إليه شيء يعرف الله أنه سيكسره هكذا؟»

رجل يتأمل أفقا مضيئا تحت سماء عاصفة تعبيرا عن سؤال لماذا لا يحميني الله من الألم
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

أنت لا تقولها اعتراضا بالضرورة. ربما تقولها لأنك تعرف الحب من تجربتك البشرية: حين تحب إنسانا، تؤلمك دموعه، وتتمنى لو استطعت أن تدفع عنه ما يخيفه.

فتنظر إلى الله، وهو القادر الذي لا يعجزه شيء، ثم تنظر إلى ما أصابك، فينشأ داخلك ذلك الارتباك: «أنا لو استطعت أن أحمي من أحب، لفعلت… فلماذا لم يحمِني الله من هذا؟»

لماذا لا يحميني الله من الألم؟ حين نقيس محبة الله بمقياس بشري

وهنا يقع الخلط.

ليس لأن رغبتك في الحماية خطأ، ولا لأن وجعك قليل، بل لأن القلب أخذ صورة بشرية عن الحب، ثم جعلها المقياس الوحيد لمحبة الله: إذا أحبني، فلن يدع شيئا يؤلمني يصل إلي.

الألم لا يكشف مكانتك عند الله

لكن لو كان هذا صحيحا، لكان أحب عباد الله إليه أبعد الناس عن الألم. ولم يكن الأمر كذلك.

الأنبياء عرفوا المرض والفقد والخوف والأذى والحزن، ولم يكن ما أصابهم دليلا على أن الله أبغضهم أو تخلى عنهم.

إذن هناك شيء يجب أن يفترق في قلبك:

الألم يخبرك أنك تألمت؛ لكنه لا يخبرك بمكانتك عند الله.

وهذا التفريق قد يكون من أصعب ما يحتاج إليه القلب وهو موجوع.

لأن الألم لا يأتي وحده. يأتي ومعه تفسير.

حدث الشيء الذي كنت تخشاه، فيقول قلبك: «الله كان يعرف كم أخاف هذا.» ثم يضيف: «وقد دعوت ألا يحدث.» ثم ينظر إلى النتيجة ويهمس: «ومع ذلك حدث.»

وهنا تبدأ الجملة الأخطر في التشكل: «إذن ماذا يعني هذا عني عند الله؟»

قد لا تنطقها. وقد تستغفر بمجرد مرورها. لكنها توجعك؛ لأنك لم تفقد شيئا فقط، بل بدأت تخاف أن يكون ما فقدته قد كشف لك شيئا مخيفا عن علاقتك بالله.

حين يتحول الوجع إلى تفسير لعلاقتك بالله

وهنا ينبغي أن تتوقف.

لأنك انتقلت من حقيقة تعرفها إلى غيب لا تعرفه.

الحقيقة هي: وقع ما يؤلمك.

أما أن وقوعه يعني أن الله لا يحبك، أو أنك هنت عليه، أو أنه تخلى عنك، فهذه معان لم يخبرك الله بها.

والوجع، مهما اشتد، لا يملك مفاتيح هذا الغيب.

وكما أننا لا نملك أن نقول لك عن بلاء بعينه: «وقع لك هذا لأن الله يحبك»، فلا تملك أنت أن تقول لنفسك: «وقع لي هذا، إذن الله لا يحبني.»

البلاء وحده ليس بطاقة تكشف منزلة العبد عند الله.

وهذا مهم؛ لأن بعض المواساة تحاول إنقاذ القلب بجزم مقابل: «أنت تتألم لأن الله يحبك.» وقد يكون في الكلام حسن قصد، لكنه يخبر عن غيب لا نملكه في بلاء شخص بعينه.

لا تحتاج أن تخترع سببا خفيا لما حدث حتى تحمي إيمانك. ويكفي أيضا ألا تسمح للألم أن يخترع سببا مضادا.

لا تعرف لماذا وقع هذا الأمر بعينه؟ قل: لا أعرف.

لا تفهم الحكمة الخاصة منه؟ قل: لا أفهم.

لكن لا تجعل «لا أعرف لماذا وقع» تتحول إلى: «إذن أعرف ماذا يعني عند الله.»

فهذه قفزة يصنعها الألم، لا العلم.

ما ودعك ربك وما قلى: لا تجعل التأخر يكتب التفسير

وفي سورة الضحى جاء تصحيح بالغ الدقة:

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.

فحين تأخر الوحي، وأراد أهل الباطل أن يجعلوا من التأخر معنى آخر، جاء الرد لا بإنكار التأخر، بل بإنكار التفسير:

لم يودعك ربك. ولم يبغضك.

وهذا باب عظيم للقلب:

ليس كل شيء يؤلمك يحمل التفسير الذي يخيفك.

قد يقع الألم، ويبقى السؤال بلا جواب تفصيلي.

وقد تدعو، ولا ترى الصورة التي طلبتها.

وقد تمر عليك أيام تقول فيها: «أنا أفهم الكلام عن رحمة الله… لكن هذا الشيء بالذات لا أستطيع أن أفهمه.»

لا يلزمك أن تتظاهر بالفهم. ولا أن تسمي الألم جميلا. ولا أن تقول إنك بخير وأنت لست كذلك.

لكن لا تحمل قلبك فوق ألمه ألما آخر لم يأمرك الله به: أن يحول ما حدث إلى حكم على محبة الله لك.

محبة الله ليست نسخة من مقاييسنا البشرية

أنت حين تحب إنسانا، قد ترى أن أعظم صورة للحب هي أن تمنع عنه الوجع كله.

لكن الله ليس كمثله شيء.

ولا تُقاس أفعاله إلى عباده بحدود فهمنا نحن للحب.

نحن نرى اللحظة. ونتألم داخلها. ونعرف ما كنا نتمنى ألا يحدث.

أما علم الله وحكمته ورحمته فليست محصورة فيما استطعنا نحن أن نفهمه من هذه اللحظة.

وهذا لا يعني أن تقول لنفسك: «إذن سيحدث بعد هذا شيء يعوضني حتما.» فأنت لا تعلم.

ولا: «إذن هذا الألم مقدمة لفرج دنيوي قريب.» فأنت لا تعلم.

الإيمان هنا أهدأ من ذلك وأصدق.

أن تقول: «يا رب، أنا لا أفهم لماذا وصل إلي هذا، لكنني لن أجعل جهلي بالحكمة يعلمني عنك ما لم تقل.»

كيف تحمي معرفتك بالله وأنت موجوع؟

قد تبكي وأنت تقولها. وقد يبقى السؤال. وقد لا يخف الألم فور سماع الكلام. لا بأس.

فالمقصود ليس أن نقنعك بأن ما أصابك لم يكن موجعا.

بل أن نحمي معرفتك بالله من أن يكتبها الألم وحده.

فإذا لم تعرف لماذا حدث ما حدث، فلا تجعل الجرح يجيب عن سؤال لم يعط علمه.

ولا تجعل أسوأ لحظة في حياتك تشرح لك من هو الله.

قد لا تعرف الآن إلا شيئين: أنك موجوع. وأن ربك أعظم من التفسير الذي يصنعه وجعك في ساعة الانكسار.

فلا تضف إلى الواقع غيبا من عندك.

ولا تطالب قلبك أن يحب الألم.

فقط لا تجعل الألم حجة على الله.

وقل:

يا رب، إن عجزت عن فهم ما وقع، فلا تجعل عجزي عن الفهم يفسد معرفتي بك. واحفظ قلبي من أن ينسب إليك ما لم تقل، واجعلني أعبدك بما علمتني عنك، لا بما يوحيه إلي وجعي.

تعليقات

عدد التعليقات : 0