كيف تنمو محبة الله في القلب؟ حين تصبح أكبر من كل ما سواها

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

مقدمة: اللحظة التي تكشف تعلقاتك

انتبه لهذه اللحظة جيدًا:

حين تخلو بنفسك بعد يوم طويل، وتغلق الباب، وتطفئ الهاتف، وتستلقي في سريرك… ما الذي يشغل قلبك أولًا؟ أي هم يطفو على سطحه دون استئذان؟ أي اسم ترتاح إليه نفسك حين لا يراك أحد؟

هذه اللحظة لا تخبرك بمن هو ربك — فربك هو الله لا إله سواه — لكنها تكشف لك مقدار تعلقك به، ومقدار ما زاحم محبته في قلبك.

وهنا يقع الجرح الذي لا يجرؤ أكثرنا على النظر إليه:

كم من الأشياء زاحمت محبة الله في قلوبنا، حتى صار حظه منها أضيق مما ينبغي؟
شخص في خلوة هادئة يتأمل ليلًا في تعبير عن محبة الله في القلب والأنس بذكره وتقديم محبته على سائر المحبوبات.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

أولًا: قصور المحبوبات الفانية

إن الله جل وعلا خلق القلب ليعرفه ويحبه ويأنس به، فإذا عمر القلب بمحبة الله استقام ميزانه، وإذا استولت عليه محبة ما سواه على وجه يزاحم حق الله اضطرب.

والمؤمن يحب والديه، وزوجه، وولده، ورسوله ﷺ، والصالحين، ويحب ما أحل الله له من متاع الدنيا، لكن محبة الله تبقى فوق ذلك كله، حاكمة عليه، فلا يقدم شيئًا منها على مرضاته سبحانه.

قال الله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.

لم يقل إنهم لا يحبون سواه.

بل قال:

أشد حبًا لله.

فهذه هي القضية.

أن تكون في قلبك محاب كثيرة، لكن تبقى محبة الله فوقها، تضبطها ولا تزاحمها، وتقودها ولا تقودها.

فإذا تحولت محبة مخلوق إلى تعلق يزاحم حق الله، أو صارت مرضاته مقدمة على مرضاة الله، اختل ميزان القلب.

ولِمَ؟

لأن كل مخلوق ناقص مفتقر إلى ربه.

قد يغيب حين تحتاجه.

وقد يتغير.

وقد يعجز عنك مهما أحبك.

وهو إلى الفناء صائر.

فالمخلوق، مهما بلغ قربه منك، لا يستطيع أن يمنح قلبك ما لا يملكه إلا الخالق.

وقد قال ابن القيم رحمه الله في معنى التعلق بغير الله تعلقًا يصرف القلب عنه:

«من أحب شيئًا غير الله عذب به.»

وليس العذاب أن ينزع منك محبوبك دائمًا، بل قد يكون من أشد العذاب أن يبقى معك، ثم تكتشف أن قلبك طلب منه ما لا يستطيع أن يعطيه.

ليس الخطأ أن تحب إنسانًا.

الخطأ أن تطلب منه أمانًا لا يملكه.

وليس الخطأ أن تحب المال.

الخطأ أن تجعله ضمانك الأخير.

وليس الخطأ أن تتمسك بأمل.

الخطأ أن يصبح الأمل في قلبك أكبر من اعتمادك على من بيده تحقيقه أو صرفه.


ثانيًا: العبادة التي تجمع الأركان الثلاثة

يقع خطأ شائع في فهم عبادة الله:

يظن بعض الناس أن الترقي في العبادة يعني ترك الخوف والرجاء، والاقتصار على المحبة.

وهذا فهم منقوص.

فالعبادة الكاملة عند أهل السنة تقوم على ثلاثة أركان قلبية عظيمة:

محبة لله، وخوف منه، ورجاء فيه.

وقد أثنى الله على أنبيائه بذلك فقال:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90].

وقال سبحانه في وصف عباده المؤمنين:

﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16].

فالخوف من النار ليس عبادة ناقصة.

والرجاء في الجنة ليس مقامًا دون المحبة.

بل المؤمن يحب الله، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه.

يخاف لأنه يعرف جلاله.

ويرجو لأنه يعرف رحمته وفضله.

ويحبه لأنه يعرف كماله وإحسانه.

وليست القضية أن تترقى عن الخوف والرجاء، بل أن لا يكون قلبك خاليًا من المحبة وأنت تؤدي العبادة بجسدك.

أن تصلي، لكن قلبك لا يعرف بين يدي من يقف.

وأن تقرأ القرآن، لكن قلبك لم يتعلم أن يبحث فيه عن ربه.

وأن تدعو طويلًا من أجل حاجتك، ثم لا يخطر لك أن من أعظم حاجاتك أن تعرف الله أكثر.

فالعبادة ليست حركة الجسد وحده.

بل أن يتحرك القلب مع الجسد:

محبة.

وخوفًا.

ورجاء.


ثالثًا: كيف تنمو محبة الله في القلب؟

محبة الله لا تأتي بمجرد التمني.

لا تقول لقلبك:

أحب الله.

فيحب بمجرد الأمر.

بل للمحبة أسباب تغذيها وتزيدها.

ومن أعظمها:

أن تعرف الله بأسمائه وصفاته.

فالقلوب كلما ازداد علمها بربها على الوجه الصحيح، كانت معرفتها من أعظم أسباب ازدياد محبتها له.

تعرف أنه الرحيم، ثم تعود بذاكرتك إلى مواضع رحمته بك.

تعرف أنه الستير، فتتذكر كم من خطأ لم يفضحك به.

تعرف أنه الغفور، فتفهم لماذا ما زال باب التوبة مفتوحًا بعد كل تقصير.

تعرف أنه الرزاق، فتراجع سنواتك، وترى كم مرة جاءك رزق لم تكن تعرف طريقه.

تعرف أنه الحكيم، فتتعلم ألا تجعل جهلك بسبب الشيء دليلًا على غياب الحكمة عنه.

وتعرف أنه القريب، فتفهم أنك لا تحتاج إلى خطاب منمق حتى تدعوه.

يكفي أن تقول:

يا رب.

ومن أعظم أبواب المعرفة بالله تدبر كتابه، فإن القرآن يعرفك بربك، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ووعده، ووعيده، ورحمته، وحكمته.

ومن أسباب المحبة أيضًا أن تتفكر في نعمه.

فالقلوب مفطورة على حب من أحسن إليها.

وكم من نعمة عشنا داخلها حتى نسينا أنها نعمة.

جسد يعمل.

ستر لم ينكشف.

باب رزق فُتح.

ذنب لم يفضح.

مصيبة صرفت ولم نعلم بها.

ناس أحبونا.

وآلام مرت ثم اكتشفنا أننا نجونا منها أكثر مما كنا نظن.

لكن حين يرى الإنسان النعمة وينسى المنعم، تدخل الغفلة.

وقد تكون الغفلة في بعض المواطن أشد أثرًا على القلب من كثير من الذنوب؛ لأن الذنب قد يوقظ صاحبه، أما الغافل فقد لا يشعر أصلًا أنه بعيد.

ومن أسباب المحبة كذلك أن تذكر الله في الخلوات.

وأن تؤدي فرائضه.

ثم تتقرب إليه بالنوافل.

فقد جاء في الحديث القدسي:

«وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.»

ومن أسباب حياة القلب كذلك صحبة الصالحين، ومجالس الذكر، وقيام الليل، وصدق الخلوة بالله حين يهدأ الناس.

وليس المطلوب أن تبكي كل ليلة.

ولا أن ترى في نفسك حالًا خارقًا.

إنما المطلوب أن يكون لك مع الله شيء لا يعرفه الناس.

دعوة لا يسمعها أحد.

ركعتان لا يعلم بهما أحد.

استغفار بعد ذنب لم يكتشفه أحد.

ذكر بينك وبين الله فقط.

فهذه الخبايا تعلم القلب أن يلتفت إلى الله لا إلى أعين الخلق.


رابعًا: أطيب ما في الدنيا

ونقل ابن القيم عن بعض المحبين:

«مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها.»

قيل:

وما أطيب ما فيها؟

قال:

«محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه.»

يا الله.

أطيب ما في الدنيا.

ليس لأن المال لا قيمة له.

ولا لأن الأهل لا يُحبون.

ولا لأن النجاح لا يفرح به.

بل لأن كل هذه الأشياء مهما عظمت تبقى محدودة.

أما القلب، ففيه احتياج لا يملؤه شيء منها:

أن يعرف ربه.

أن يحبه.

أن يأنس بذكره.

أن يعرف إلى أين يعود حين تضيق الطرق.

أن يعرف أن فوق الأسباب ربًا لا يعجزه شيء.

وأن لا يعيش عمره كله ينتقل من شيء إلى شيء وهو يظن:

ربما التالي يكفيني.

مال أكثر.

بيت أكبر.

مكانة أعلى.

حب أكبر.

قبول أكثر.

ثم يصل.

ويبقى في القلب موضع لم يمتلئ.

لأن المشكلة لم تكن دائمًا أن النعمة قليلة.

بل أحيانًا أن القلب طلب من النعمة ما لم تُخلق لتعطيه.

قال الله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

لم يقل إن المؤمن لن يحزن.

ولا إنه لن يخاف.

ولا إنه لن يتألم.

ولكنه أخبرك أين يجد القلب طمأنينته الأعمق.


خاتمة: قربه سبحانه ممن دعاه

فيا أيها المنهك، يا من أتعبتك التعلقات، وأخافتك الخسارات، وكسرتك الوعود التي لم تتم…

ارجع إلى رب قال في محكم تنزيله:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].

لا تقل:

قلبي قاسٍ، فلا فائدة من البداية.

ولا تحتقر بداية صادقة مع الله.

قد تبدأ بركعتين.

بآية تقرؤها على مهل.

بدعوة قصيرة.

باستغفار لا يسمعه أحد.

بجلسة تسأل فيها نفسك:

ماذا أعرف عن الله فعلًا؟

ليس المطلوب أن تصنع شعورًا.

ولا أن تجبر عينك على البكاء.

ولا أن تتظاهر بحال لم تصل إليه.

يكفي أن تأتي بقلبك كما هو.

وتقول:

يا رب، قد شغل قلبي عنك ما لا يغنيه، فرد قلبي إليك ردًا جميلًا.

وقل:

اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي، ومن الماء البارد.

فهذا من الدعاء الذي جاء عن النبي ﷺ في ذكر دعاء داود عليه السلام.

ولا تجعل ضعف محبتك اليوم حكمًا على ما يمكن أن يصير إليه قلبك غدًا.

فالمحبة تنمو.

والمعرفة تنمو.

والقلب الذي طال انشغاله يمكن أن يعود.

ومع كل طاعة تقدم فيها مرضاة الله على هواك، ومع كل ذكر في خلوة، ومع كل آية تعرفك بربك، ومع كل مرة ترى النعمة فتتذكر المنعم…

يتغير ميزان القلب قليلًا قليلًا.

حتى يأتي يوم تكتشف فيه أن الدنيا لم تختف من قلبك، لكن حجمها تغير.

وأنك ما زلت تحب الناس، لكنك لم تعد تطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.

وأنك ما زلت تطلب الرزق، لكنك تعرف أن الرزاق أكبر من الرزق.

وأنك ما زلت تخاف، لكن خوفك لم يعد يعرفك بالله تعريفًا قاسيًا.

وأنك ما زلت تتمنى، لكن أمنياتك لم تعد تأخذ في قلبك مكانًا أكبر من ربك.

وهنا تفهم شيئًا من معنى قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.

اللهم اجعلنا ممن عرفك فأحبك، وأحبك فأطاعك، وأطاعك فطلب رضاك، وارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم في دار كرامتك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0