التعلق بالله بدل الناس: إلى من يطلب قلبك ما لا يملكه إلا الله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
رجل يجلس على سجادة صلاة في مشهد هادئ يعبّر عن التعلق بالله بدل الناس ورد القلب إلى ربه

يا من أتعبه التعلّق، وأرهقته مراقبة الناس، وأوجعه أن يقترب أحد ثم يبتعد، وأن يَعِد ثم يتغيّر، وأن يملأ مكانًا في القلب ثم يتركه فارغًا…

لعل مشكلتك لم تكن يومًا أنك أحببت أكثر مما ينبغي.

لعل جرحك أعمق من ذلك.

أنت في الحقيقة كنت تطلب من المخلوق شيئًا لا يملكه المخلوق.

كنت تريد قلبًا لا يتغيّر عليك، وحضورًا لا يغيب، ورحمة تعرف ضعفك كله ولا تمل منك، وقوة تستطيع أن تنقذك حين تعجز، وأمانًا لا تهدده الأيام، وحبًا لا ينتهي بالموت.

وهذه الأشياء لا توجد كاملة في أحد من الخلق.

ولهذا يتعب القلب حين يعلّق ثقله كله بإنسان؛ لا لأن الإنسان سيئ بالضرورة، ولكن لأنه مخلوق محدود، وأنت حمّلته في داخلك وظيفة لا يحتملها إلا الخالق.

تريد منه أن يكون حاضرًا دائمًا، وهو قد يغيب.

أن يفهم كل ما فيك، وهو لا يرى إلا بعضك.

أن يطمئنك كلما خفت، وهو نفسه يخاف.

أن يبقى، وهو راحل مثلك.

أن يحميك من كل شيء، وهو لا يملك لنفسه كل شيء.

ثم إذا عجز، انكسر قلبك.

حين يكشف الانكسار موضع التعلق

يا عبد الله…

ليس كل انكسار في التعلّق عقوبة.

وقد يكون في بعض الانكسارات رحمة؛ إذ تكشف للإنسان أنه حمّل قلبه بالمخلوق أكثر مما يحتمل، وطلب منه ما لا يملكه.

الله لم يخلق في صدرك هذا القلب لتملأه بصورة إنسان، ولا بثناء الناس، ولا بمنصب، ولا بنجاح، ولا بمال.

خلق لك قلبًا لا يستقر استقراره الأعظم إلا بمعرفته ومحبته والافتقار إليه.

قال سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.

لم يقل: لا يحبون أحدًا.

بل علّمهم ترتيب الحب.

أن تحب أمك، وأباك، وأهلك، وأصحابك، وتحسن إليهم، وتفرح بقربهم؛ لكن تبقى محبة الله فوق كل محبة، ومرضاته فوق كل مرضاة.

ترتيب الحب دون إلغاء محبة الناس

هناك فرق بين أن تحب إنسانًا، وبين أن تجعل نجاتك معلقة به.

بين أن تفرح بقربه، وبين أن يصبح رضاك عن نفسك مرهونًا برضاه.

بين أن تحزن لفراقه، وبين أن تشعر بعده أن حياتك كلها فقدت معناها.

إذا صار المخلوق هو الذي يمنحك قيمتك، ويحدد سلامك، ويملك مفاتيح يومك كله؛ فأنت لا تعذب نفسك لأنك تحب، بل لأنك وضعت في يد عبد مفاتيح لا يملكها إلا الرب.

وهنا يبدأ الشفاء.

ليس بأن تقتل مشاعرك.

ولا بأن تتحول إلى إنسان قاسٍ لا يحب.

بل بأن تعيد الأشياء إلى أحجامها.

المخلوق نعمة، وليس إلهًا.

والرفيق أنس ورحمة من الله، وليس بديلًا عن الله.

والحب هدية، وليس غاية القلب الأخيرة.

والأسباب أبواب، أما الذي بيده ما وراء الأبواب فهو الله.

من النعمة إلى المنعم

وإذا أردت أن تعرف لماذا يظل القلب يعود إلى ربه مهما ابتعد، فانظر إلى الشيء الذي يبحث عنه في تعلقاته كلها.

كلما أحببت إنسانًا، أحببت فيه جمالًا.

ومن الذي خلق الجمال؟

وكلما احتميت بإنسان، كنت تبحث عن الرحمة.

ومن الذي أودع الرحمة في قلبه؟

وكلما فرحت بعطاء، فمن الذي أرسل العطاء؟

وكلما اطمأننت إلى وجود أحد بجانبك، فمن الذي أبقاه في حياتك تلك اللحظة؟

نحن كثيرًا ما نتعلق بالأثر وننسى المنعم.

نحب الهدية حتى تشغلنا عن المُهدي.

ومن تمام الإيمان أن تتعلم أن ترى النعمة طريقًا إلى شكر المنعم، لا حجابًا عنه.

حين تحب وجهًا جميلًا، قل في قلبك: يا رب، هذا من جمال خلقك.

وحين تجد قلبًا رحيمًا، قل: يا رب، أنت الذي أودعت هذه الرحمة فيه.

وحين يطرق بابك خير، قل: جاءني من الله ولو حملته يد بشر.

بهذا تتحول النعم من حبال تشدك إلى الدنيا، إلى جسور تعيد قلبك إلى الله.

وحينها لن تحتاج دائمًا إلى أن تفقد ما تحب حتى تتذكر ربك.

ستراه من خلال آثار فضله في العطاء، قبل أن تبحث عن رحمته عند المنع.

كيف ينمو حب الله في القلب؟

لكن كيف يستيقظ حب الله في قلب يقول صاحبه: أنا أعرف أن الله يستحق الحب، ولكني لا أشعر؟

الحب لا يُنتزع من القلب بالأوامر.

الحب ينمو بالمعرفة.

وأنت لا تستطيع أن تعظم محبة من لا تعرفه حق المعرفة.

ولهذا فإن من أعظم أسباب ضعف محبتنا لله أننا نعرف كثيرًا من أوامره، لكننا لا نتأمل كثيرًا من هو سبحانه.

اعرف ربك.

اعرف من الذي كان يسترك وأنت تعصيه.

من الذي أطعمك في أيام لم تذكره فيها.

من الذي أبقى قلبك ينبض بينما كنت غافلًا عنه.

من الذي رأى منك أشياء لو رآها بعض الناس ربما تغيّرت نظرتهم إليك، ثم فتح لك بعد ذلك باب التوبة ولم يفضحك.

من الذي تقول له في لحظة واحدة: يا رب، وقد تأتي هذه الكلمة بعد شهور من الغفلة، ثم تجد باب الدعاء مفتوحًا.

قال سبحانه:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.

قريب: حين لا يحتاج الدعاء إلى موعد

تأمل كلمة:

قريب.

أنت قد تحتاج إلى موعد حتى تقابل إنسانًا.

وقد تحتاج إلى رسالة كي يسمح لك أحد أن تدخل حياته.

وقد تنادي شخصًا فلا يسمعك.

أما رب العالمين…

فلا تحتاج قبل دعائه إلى موعد.

ولا إلى كلام بليغ.

ولا إلى صورة متماسكة عن نفسك.

ولا إلى أن تخفي ارتباكك.

يكفي أن تقول وأنت منكسر:

يا رب.

إن الذي يسمع دبيب النملة يعلم ارتجاف قلبك.

والذي يعلم السر وأخفى يعلم تلك الجملة التي لم تستطع أن تقولها لأحد.

وأنت حين تتعلق بالله لا تتعلق بمن يحتاج منك أن تشرح له كل شيء.

أنت تتعلق بمن علم كل شيء قبل أن تنطق.

وهذه وحدها راحة لو ذاقها القلب، لخف تعلقه بما سواها.

وليست القضية محبة العبد لربه وحدها؛ فقد أخبر الله عن محبته لعباده فقال:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.

ما أعظمها من كلمة.

ربك يحب التوابين.

ويحب المتطهرين.

ويحب المحسنين.

ويحب المتقين.

وجاء في الحديث القدسي الصحيح:

«وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.»

فتخيل أن من أعظم الغايات التي يمكن أن تسعى إليها في حياتك ليست أن يعرفك الناس، ولا أن يعجبوا بك، ولا أن يفتقدوك إذا غبت.

بل أن تسعى في أسباب محبة الله لك.

فأي نعمة يمكن أن تعدل نعمة محبة الله لعبده؟

العبادة وإعادة القلب إلى مركزه

ومن هنا تفهم سر العبادات.

الصلاة ليست حركات تؤديها حتى تنتهي.

الصلاة موعد قلب أنهكته الدنيا، ليقف بين يدي من لا يخفى عليه شيء من أمره.

والسجود ليس انحناء جسد فقط.

السجود هو لحظة تضع فيها عن كتفيك وهم أنك يجب أن تدبر كل شيء وحدك.

تضع جبهتك على الأرض وكأنك تقول:

يا رب، تعبت من حمل نفسي، فأعنّي بلطفك.

والذكر ليس تكرار كلمات.

الذكر إعادة القلب إلى مركزه كلما سحبته الأشياء بعيدًا.

ولهذا قال الله:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

لم يقل إن الحياة ستخلو من الألم.

لكنه أخبرك أين يجد القلب طمأنينته.

وقد يبكي المؤمن ويكون قلبه مطمئنًا.

وقد يفقد شيئًا عزيزًا، ويبقى في داخله أصل لا يسقط؛ لأنه متعلق بمن لا يزول.

وهذا هو سر التعلّق بالله:

أن تصبح الأشياء عندك محبوبة، لكنها ليست أساس وجودك.

تأتي فتشكر.

وتذهب فتحزن.

لكن الحزن لا يتحول إلى انهيار من فقد أصل حياته.

لأن ربك سبحانه باق لا يزول.

إن ابتعد الناس، فهو قريب.

إن تغيّرت القلوب، فهو سبحانه كامل لا يتغير في كماله.

إن أُغلقت الأبواب، فباب التوبة والدعاء إليه مفتوح.

إن رأيت نفسك لا تستحق الرجوع إليه لكثرة تقصيرك، فاسمع نداءه:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

تأمل…

أسرفوا، ومع ذلك قال:

يا عبادي.

لم يأمرهم أن ييأسوا.

بل نهاهم عن القنوط.

فكيف لا يحب القلب ربًا هذه رحمته؟

وكيف نظن أن الطريق إليه لا يصلح إلا لمن لم يخطئ؟

باب التوبة لم يُفتح للعصاة بعد أن يصلحوا أنفسهم وحدهم، بل ليرجعوا إلى الله فيتوب عليهم.

كيف يتحرر القلب من التعلق المفرط؟

لا تنتظر أن يصبح قلبك كاملًا حتى تقبل على الله.

أقبل عليه بقلبك المبعثر.

قل له:

يا رب، في قلبي تعلقات تؤذيني، فطهرها مما يبعدني عنك.

يا رب، أحب أشياء أكثر مما ينبغي، فرد حبي كله إلى موضعه.

يا رب، عرّفني بك؛ فإن معرفتك بأسمائك وصفاتك من أعظم أسباب محبتك.

ثم اصنع شيئًا صغيرًا، ولكن داوم عليه.

اجلس كل يوم دقائق لا تطلب فيها من الله شيئًا من الدنيا.

لا مالًا.

ولا نجاحًا.

ولا حلًا لمشكلة.

اجلس لتقول فقط:

الحمد لله أنك ربي.

الحمد لله أن لي بابًا إليك.

الحمد لله أنك تعرفني رغم أن الناس لا يعرفون مني إلا القليل.

الحمد لله أنك لم تتركني إلى نفسي.

وستكتشف مع الأيام أن أعظم عطايا العبادة ليست دائمًا الشيء الذي طلبته.

أحيانًا يكون من أعظم ما يقع لك أثناء الدعاء أن يتغير القلب الذي يسأل.

تدخل الدعاء تريد حاجة.

وتخرج منه وأنت أهدأ، وأعرف بربك، وأقل تعلقًا بالحاجة نفسها.

وهنا يبدأ الغنى.

ليس الغنى أن تمتلك كل ما تريد.

الغنى أن لا يمتلكك ما تريد.

أن تستطيع أن تقول:

يا رب، أحب هذه النعمة، ولكنني أحبك أكثر.

أريد هذا الأمر، ولكن إن صرفته عني فلا تصرف قلبي عنك.

أفرح إن أعطيتني.

وأدعوك إن منعتني.

أنا عبدك في عطائك ومنعك، عبدك في الفرح والحزن.

عندها يبدأ القلب يتحرر.

لأن كل تعلق مفرط بغير الله يهمس لك:

إن فقدتني انتهيت.

أما التعلق بالله فيذكرك:

مهما فقدت، ما دام باب ربك مفتوحًا لك، فليس الطريق منتهيًا.

فلا تكره قلبك لأنه تعلّق.

علّمه إلى أين يتجه.

ولا تعاقب نفسك لأنك بحثت عن الحب.

أرشد قلبك إلى مصدر الحب.

ولا تحاول أن تخرج الناس من قلبك جميعًا.

ضع محبة الله فوق كل محبة، وستأخذ الأشياء أماكنها الصحيحة.

وحين يعمر القلب بمحبة الله لا يصبح فارغًا من الناس.

بل قد يصبح أرحم بهم.

لأنك لن تطالبهم بعد ذلك أن يكونوا لك كاملين.

لن تطلب منهم ما لا يملكون.

ستسامح نقصهم؛ لأنك لم تعد تنتظر منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.

ستحبهم دون أن تعبد حضورهم.

وستفقدهم دون أن تفقد ربك.

وستعطيهم دون أن تتسول منهم قيمتك.

وهذا من أجمل آثار التعلق بالله:

أنه لا يعزلك عن الخلق.

بل يحررك من استعباد الخلق.

تاريخ سري بينك وبين الله

فيا من تبحث عن قلب لا يتركك…

باب ربك لم يُغلق في وجهك.

ويا من تريد من يفهمك…

ربك يعلم ما لم تستطع أنت أن تفهمه من نفسك.

ويا من أتعبك تغير المحبة…

هناك محبة إذا ذاق القلب أثرها، صغرت أمامها أشياء كثيرة، ما دام طريقه إلى ربه مفتوحًا.

ارجع إليه.

لا رجوع الخائف فقط.

بل رجوع المحب والراجي والخائف جميعًا.

صل لأنك تريد أن تقف بين يديه.

اذكره لأن ذكره حياة للقلب.

اقرأ كلامه وأنت تستشعر أنك مخاطب به، مأمور أن تهتدي بنوره.

واستغفره لا لأنك تفر من العقوبة فقط، بل لأنك لا تريد أن يبقى الذنب حجابًا بينك وبين ما يحب الله منك.

واجعل لك خبيئة عمل لا يعلمها إلا الله:

ركعتين.

صدقة.

دعوة في جوف الليل.

دمعة صادقة.

أو ذكرًا لا يراك فيه أحد.

ابنِ بينك وبين الله تاريخًا سريًا من الطاعة والمحبة.

وحين تضيق الدنيا يومًا، ستجد في قلبك طريقًا محفوظًا تعرفه جيدًا:

إليه.


اللهم لا تجعل في قلوبنا محبوبًا يزاحم محبتك، ولا خوفًا من الخلق يغلب خوفنا منك، ولا رجاءً في أحد يقطع رجاءنا فيك.

اللهم عرّفنا بك حتى نزداد حبًا لك، وأذق قلوبنا لذة الأنس بذكرك، واجعل أنسنا بك أعظم من تعلقنا بكل ما يفنى.

اللهم إن تعلقت قلوبنا بما يفنى، فردها برفق إلى من لا يفنى.

وإن شغلتنا نعمك عنك، فخذ بأيدينا حتى نرى فضلك في كل نعمة، ونصل بالنعمة إلى شكر المنعم.

وإن كسرت الدنيا شيئًا فينا، فلا تجعل الكسر نهاية الطريق، واجعل لنا فيه باب رجوع صادق إليك.

اللهم اجعلنا ممن قلت فيهم:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.

فما فاز قلب بفوز أعظم من أن يحب الله، ويسعى فيما يحبه الله، ويرجو أن يكون ممن أحبهم الله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0