تسمع: «الله يعينك»، فتومئ برأسك، وفي داخلك جملة لم تقلها: «أعرف… لكن كيف سأحتمل لو حدث فعلًا؟». تبحث الآن عن صورةٍ للعون، وحين لا تجدها، قد يبدو لك ما لا تستطيع تصوّره كأنه لن يكون.
وقد يكون الخوف من مواجهة البلاء وحدك هو ما يختبئ خلف خوفك من الغد: لا الحدث وحده، بل سؤال العون إذا وقع.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
قد تنتظر نتيجة فحص، فتسبقها إلى أيام العلاج، وغيابك عن عملك، وحاجة أهلك إليك. تتخيّل هاتفك في يدك، وتراجع أسماء من يمكن أن تتصل بهم، ثم تقول: «كل واحد عنده ما يكفيه. في النهاية سأواجه هذا وحدي».
لم تعرف النتيجة بعد، لكنك عشت احتمالها الأشد، ثم أضفت إليه أمرًا آخر: أن تلك الأيام، إن جاءت، ستكون خاليةً من كل ما يعينك. وهكذا يتضاعف الفزع؛ مرةً مما قد يقع، ومرةً من الوحدة التي افترضت أنها ستصحبه.
الخوف من مواجهة البلاء وحدك لا يعني ضعف الإيمان
وهذا موضع يحتاج إلى رحمة ودقة، قبل أن يحتاج إلى موعظة.
فالخوف الذي يهجم عليك ليس حكمًا على إيمانك، والخاطر الذي يفزعك وتكرهه لا يصير اعتقادًا لك لمجرد إلحاحه. حتى خوفك من أن تُترك وحدك قد يكون استغاثةً مضطربة، لا اعتراضًا على ربك. فلا تجعل كل رجفة محاكمةً لقلبك.
قال الله عن موسى عليه السلام:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. [القصص: ٢١]
اجتمع في الموقف نفسه خوفه، وأخذه بسبب النجاة، ودعاؤه ربَّه. لم يكن زوال الخوف شرطًا للالتجاء.
متى يتحول الخوف إلى معنى يحتاج المراجعة؟
فأين المعنى الذي يستحق المراجعة؟
قد يتسلل حين تقول في نفسك: «إذا وقع هذا الذي أخشاه، فمعناه أن الله تركني». هنا أضفت إلى احتمال الحدث حكمًا على صلتك بربك؛ وجعلت وقوع الألم دليلًا على غياب العون، كأن الكفاية لا تكون إلا بمنع ما تكره.
تأمّل الفرق بين أن تقول: «يا رب، أخاف هذا، فاصرفه عني»، وبين أن تتبنّى معنى: «إن لم يُصرف عني، فلا رعاية لي». الأولى افتقار يسأل الله العافية. والثانية تجعل لصِدق الرعاية علامةً وحيدة اختارها الخوف: ألّا يقع هذا الأمر.
حين تطلب من الطمأنينة أن ترى كيف سيأتي العون
وقد يطلب القلب في هذه الحال أمرين معًا: أن يُعان، وأن يُكشف له الآن كيف سيُعان. فإذا غابت عنه التفاصيل، لم يجد ما يسكن إليه، مع أنه يعرف وعد الله. كأن الطمأنينة صارت معلّقة بشرطٍ لم يُوعَد به: أن يرى طريق النجاة كاملًا قبل أن يخطو.
عدم معرفتك بصورة العون ليس علمًا بغيابه.
وإذا كان وراء خوفك يومٌ قاسٍ خذلك فيه الناس، فلهذا الخوف قصة تستحق أن تُسمع. ربما طلبت المساندة فلم تجدها، واضطررت إلى حمل ما تمنيت أن يشاركك فيه أحد. لا يلزمك أن تسمي تلك الوحشة أمرًا هينًا. لكن الذين خذلوك بشر؛ فلا تجعل حدود وفائهم حدودًا لرجائك في الله.
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
يقول سبحانه:
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. [الطلاق: ٣]
هو حسبه: كافيه. وفي الآية نفسها وعدٌ بالكفاية، وإخبارٌ بأن أمر الله نافذ، وأن لكل شيء قدرًا. فنتوكل عليه في جلب ما ينفع ودفع ما يضر، ونفوّض إليه تدبير الأمر؛ دون أن نشترط لكفايته صورةً أو توقيتًا من عندنا.
تسأل الله أن يحفظ صحتك وأهلك ورزقك، وتلحّ في سؤال العافية؛ فهذا من افتقارك إليه. وتسأله الثبات والرشد والصبر إن نزل بك ما تكره. إن احتياجك إلى هذا العون لا ينفي كفايته؛ وأهل التوكل أنفسهم يمرضون ويحزنون ويحتاجون إلى من يواسيهم. فلا تختصر رعاية الله في حياةٍ لا تحتاج فيها إلى الصبر.
ولست محتاجًا كي تطمئن إلى أن تخترع لنفسك تفاصيل جميلة تقابل التفاصيل المخيفة: «سيأتي فلان، وسيفتح هذا الباب، وسينتهي الأمر في أيام». يكفي أن تكفّ عن معاملة المشهد الذي صنعه خوفك بوصفه معرفةً كاملة بالغد.
والذي عرفتَه من صدق الله ووعده أحقّ أن ترجع إليه من حكمٍ صنعته في ساعة فزع.
ماذا تفعل حين تعود جملة «سأُترك وحدي»؟
وحين تعود إليك جملة «سأُترك وحدي»، لا تدخل معها في محاكمة طويلة، ولا تضف إليها: «إذن أنا سيئ الظن بالله». سمِّ حاجتك بصدق: «أنا خائف، ولا أرى الآن كيف سأواجه هذا». ثم وجّهها إلى ربك: «يا رب، اصرف عني ما أخاف، وأعنّي فيما لا أملك دفعه».
ثم خذ من الأسباب ما تستطيع اليوم: اسأل عمّا تحتاج إلى معرفته، واطلب المساندة، ورتّب ما يمكن ترتيبه. لا تجعل ثقتك بالله سببًا لترك هذه الأبواب، ولا تجعل عجزك عن إكمال الخطة دليلًا على انسداد كل باب.
وقد تفعل ذلك كله، ويبقى في صدرك خوف. فلا تجعل سرعة هدوئك امتحانًا لقبول دعائك أو صحة توكلك. تستطيع أن ترجع إلى الله وقلبك يرتجف، وأن تسأله العافية دون أن تملك وعدًا بأن كل ما تخشاه سيُصرف.
يمكن أن تقول بصدق: «لا أعرف كيف سأحتمل»، ثم تحمل هذه الجملة نفسها إلى الله، وتكملها:
«ولهذا، يا رب، أسألك ألّا تكلني إلى نفسي».