هل طول البلاء يعني أن الله لا يريدني؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
شخص يتأمل أمام نافذة ممطرة في مشهد يعبّر عن طول البلاء والخوف من تفسيره كعلامة رفض من الله

🌧️ حين يجعلك طول البلاء تظن أن الله لا يريدك

قد تحكي للناس كل ما حدث لك، وتخفي عنهم الجملة التي صرت تخاف منها:

«لو كان لي عند الله قدر، لما تركني هكذا».

تحتاج إليه أكثر من أي وقت، لكنك تتردد في دعائه، كأنك مقبلٌ على مَن لا يريد سماعك. والخاطر الذي يهجم عليك وتكرهه، لا يصير اعتقادًا تتبنّاه لمجرد أنه أفزعك أو تكرر في ذهنك.

فقد شكا بعض الصحابة إلى النبي ﷺ خواطر يستعظمون النطق بها، فقال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»؛ لما وجدوه من كراهتها وتعاظمها، لا لصحة تلك الخواطر. [رواه مسلم]

فلا تُحاكم إيمانك بعد كل فكرة، ولا تخلط بين حيرة تطلب لها فهمًا، وحكمٍ تتبنّاه على ربك.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يتحول البلاء إلى تفسير للرفض

تتلقى خبرًا بأن العلاج سيطول، فتخاف وتتعب. وهذا مفهوم.

ثم تعود إلى البيت، وتتذكر كم دعوت، وكم رجوت أن تسمع خبرًا مختلفًا، فتقول في نفسك:

«هو يعلم أنني بالكاد أتحمل… لماذا يحدث لي هذا أيضًا؟».

وقد تتسلل من وراء السؤال إجابة لم يقلها لك أحد:

«لأن أمري لا يعنيه».

تلك الجملة لم تكن في الخبر الذي سمعته. ما علمته هو أن علاجك سيطول. أما أنك لا تُراد بخير، وأن رحمة الله بعيدة عنك، فتفسيرٌ قد يصنعه الخوف حين يتجاوز وصف ما أصابك إلى الحكم على ربك. وشدة إحساسك بهذا التفسير لا تحوّله إلى علم. وقد تتمسك النفس بالجواب القاسي لأن الحيرة أنهكتها.

تقول:

«الآن فهمت، أنا لا أُراد بخير».

فتشعر أنها أنهت السؤال. لكنها لم تعرف شيئًا جديدًا عن الله؛ كل ما حدث أنها أعطت ظنّها اسم اليقين. ثم تصير كل شدة لاحقة دليلًا آخر في نظرها، حتى تضيق قدرتها على رؤية ما يخالف هذا الحكم.

الضيق واقع… والحكم الذي يُبنى عليه قد يكون مردودًا

وفي القرآن مثال واضح على هذا الخلط:

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾.
[الفجر: 16]

ضاق الرزق، فقال الإنسان: أهانني ربي. لم يقف عند وصف حاله، بل جعل حاله تفسيرًا لمنزلته عند الله.

فجاء الرد:

﴿كَلَّا﴾.

فليس ضيق الرزق بذاته دليلًا على الإهانة، كما أن سعته ليست بذاتها دليلًا على الكرامة.

تأمل موضع التصحيح:

الضيق واقع، والحكم الذي بُني عليه مردود. لم يُطلب من المتألم أن ينكر ما وقع حتى يصحح ما فهم.

وهذا فرق تحتاجه حين تشتد عليك أيامك:

تستطيع أن تقول:

«أنا موجوع»

بصدق كامل، من غير أن تُلحق بها:

«إذن الله لا يرحمني».

صدقُ الألم لا يعني صدقَ ما تستنتجه منه عن الله.

لا تخترع تفسيرًا مريحًا لما لا تعلم حكمته

ولا يلزمك لكي تردّ التفسير المؤذي أن تخترع تفسيرًا مريحًا.

لا تحتاج أن تقول:

«حدث هذا لأن الله سيعطيني كذا».

أو:

«تأخر الأمر لأن عوضًا محددًا ينتظرني».

أنت لا تعرف ذلك. يكفي أن تحفظ لما تعلمه عن ربك مكانه، وألا تجعل ما خفي عليك من حكمة بلائك ناقضًا لما تعلمه عن رحمته وعدله وحكمته. وأشد ما يؤلم في هذا التحول أنه قد يغيّر طريقتك في اللجوء إلى الله. تصبح محتاجًا إلى الدعاء، ومستوحشًا منه في الوقت نفسه. لا تريد أن تتذلل وأنت تتوهم أنك مرفوض، فتنسحب لتقي نفسك وجعًا آخر.

ثم تجد نفسك مع المصيبة، ومع وحشة الابتعاد. لهذا يحتاج قلبك إلى معرفةٍ تحمي لجوءه، لا إلى توبيخٍ يزيد خوفه.

أيوب عليه السلام: الألم لا يمنع الاسترحام

تأمل نداء أيوب عليه السلام وهو في بلائه:

﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
[الأنبياء: 83]

جمع في دعائه بين حقيقتين: حقيقة ما يجد، وحقيقة ما يعرف عن ربه. أخبر عن الضر، واسترحم الله، والضر لم يُكشف بعد. فلم ينتظر حتى يزول ألمه ليعود إلى ربه، ولم يرَ في شدة ما أصابه ما يمنعه من أن يقول: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

وهنا متسعٌ لأن تتألم وتسترحم معًا؛ أن تطلب كشف ما أصابك، وتبذل السبب لدفعه، وتقول إنك تعبت، من غير أن تتحول شكواك إلى اتهام. فطلب العافية لا يناقض الإيمان بالقدر، واحتياجك إلى رحمة الله ليس اعتراضًا على تدبيره. أنت تدعوه أن يكشف عنك ما نزل بك، وأنت لا تعرف حكمته الخاصة فيه؛ ولا تعارض بين الأمرين.

ماذا تفعل حين يعود خاطر «الله لا يريدني»؟

وقد تقول:

«أفهم هذا، لكن قلبي ما زال منقبضًا».

لا يلزم أن ينشرح صدرك فورًا حتى تصدق في الرجوع.

دع الشعور يأخذ وقته، وأعطِ الفكرة قدرها الصحيح:

هي تفسير مضطرب، وليست خبرًا عن الله. وحين تدعو، لا تختبر رحمة الله بسرعة ما تشعر به بعد الدعاء؛ توجّه إليه بحاجتك كما هي.

إذا عاد معنى:

«الله لا يريدني»

فلا تدخل في محاكمة طويلة لكل خاطر.

استعذ بالله، وارجع إلى الحقيقة المحددة:

«أنا أمرّ ببلاء، ولا أعرف حكمته الخاصة».

ثم اسأل الله العافية والهداية والثبات. بهذا تُبقي السؤال في موضعه، ولا تسمح له بأن يتحول إلى حكمٍ على الله. وإن وجدت أنك استرسلت حتى تبنّيت سوء الظن، فتب إلى الله منه، ولا تجعل خطأ الأمس حجةً على أن رجوعك اليوم مردودٌ. حتى هذا الخلل تُقبل به على الله طالبًا إصلاحه؛ لا تنتظر أن تصلح وحدك ثم تأتيه.

ربما بقي ما يؤلمك حين تنتهي من هذه الكلمات.

لكن يمكنك أن تحمل إلى دعائك شيئًا كنت تخجل منه:

خوفك على ثقتك بالله نفسه. تسأله شفاء قلبك كما تسأله كشف ضرّك، وتستعين به على المعنى الذي أتعبك، كما تستعين به على الحدث الذي أصابك.

اللهم اكشف ضرّي، وأصلح ظنّي بك، ولا تجعل ما خفي عليَّ من حكمتك يصرفني عن الرجاء في رحمتك.
شخص يتأمل أمام نافذة ممطرة في مشهد يعبّر عن طول البلاء والخوف من تفسيره كعلامة رفض من الله

🌧️ حين يجعلك طول البلاء تظن أن الله لا يريدك

قد تحكي للناس كل ما حدث لك، وتخفي عنهم الجملة التي صرت تخاف منها:

«لو كان لي عند الله قدر، لما تركني هكذا».

تحتاج إليه أكثر من أي وقت، لكنك تتردد في دعائه، كأنك مقبلٌ على مَن لا يريد سماعك.

والخاطر الذي يهجم عليك وتكرهه، لا يصير اعتقادًا تتبنّاه لمجرد أنه أفزعك أو تكرر في ذهنك.

فقد شكا بعض الصحابة إلى النبي ﷺ خواطر يستعظمون النطق بها، فقال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»؛ لما وجدوه من كراهتها وتعاظمها، لا لصحة تلك الخواطر. [رواه مسلم]

فلا تُحاكم إيمانك بعد كل فكرة، ولا تخلط بين حيرة تطلب لها فهمًا، وحكمٍ تتبنّاه على ربك.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يتحول البلاء إلى تفسير للرفض

تتلقى خبرًا بأن العلاج سيطول، فتخاف وتتعب. وهذا مفهوم.

ثم تعود إلى البيت، وتتذكر كم دعوت، وكم رجوت أن تسمع خبرًا مختلفًا، فتقول في نفسك:

«هو يعلم أنني بالكاد أتحمل… لماذا يحدث لي هذا أيضًا؟».

وقد تتسلل من وراء السؤال إجابة لم يقلها لك أحد:

«لأن أمري لا يعنيه».

تلك الجملة لم تكن في الخبر الذي سمعته.

ما علمته هو أن علاجك سيطول.

أما أنك لا تُراد بخير، وأن رحمة الله بعيدة عنك، فتفسيرٌ قد يصنعه الخوف حين يتجاوز وصف ما أصابك إلى الحكم على ربك.

وشدة إحساسك بهذا التفسير لا تحوّله إلى علم.

وقد تتمسك النفس بالجواب القاسي لأن الحيرة أنهكتها.

تقول:

«الآن فهمت، أنا لا أُراد بخير».

فتشعر أنها أنهت السؤال.

لكنها لم تعرف شيئًا جديدًا عن الله؛ كل ما حدث أنها أعطت ظنّها اسم اليقين.

ثم تصير كل شدة لاحقة دليلًا آخر في نظرها، حتى تضيق قدرتها على رؤية ما يخالف هذا الحكم.

الضيق واقع… والحكم الذي يُبنى عليه قد يكون مردودًا

وفي القرآن مثال واضح على هذا الخلط:

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾.
[الفجر: 16]

ضاق الرزق، فقال الإنسان: أهانني ربي.

لم يقف عند وصف حاله، بل جعل حاله تفسيرًا لمنزلته عند الله.

فجاء الرد:

﴿كَلَّا﴾.

فليس ضيق الرزق بذاته دليلًا على الإهانة، كما أن سعته ليست بذاتها دليلًا على الكرامة.

تأمل موضع التصحيح:

الضيق واقع، والحكم الذي بُني عليه مردود.

لم يُطلب من المتألم أن ينكر ما وقع حتى يصحح ما فهم.

وهذا فرق تحتاجه حين تشتد عليك أيامك:

تستطيع أن تقول:

«أنا موجوع»

بصدق كامل، من غير أن تُلحق بها:

«إذن الله لا يرحمني».

صدقُ الألم لا يعني صدقَ ما تستنتجه منه عن الله.

لا تخترع تفسيرًا مريحًا لما لا تعلم حكمته

ولا يلزمك لكي تردّ التفسير المؤذي أن تخترع تفسيرًا مريحًا.

لا تحتاج أن تقول:

«حدث هذا لأن الله سيعطيني كذا».

أو:

«تأخر الأمر لأن عوضًا محددًا ينتظرني».

أنت لا تعرف ذلك.

يكفي أن تحفظ لما تعلمه عن ربك مكانه، وألا تجعل ما خفي عليك من حكمة بلائك ناقضًا لما تعلمه عن رحمته وعدله وحكمته.

وأشد ما يؤلم في هذا التحول أنه قد يغيّر طريقتك في اللجوء إلى الله.

تصبح محتاجًا إلى الدعاء، ومستوحشًا منه في الوقت نفسه.

لا تريد أن تتذلل وأنت تتوهم أنك مرفوض، فتنسحب لتقي نفسك وجعًا آخر.

ثم تجد نفسك مع المصيبة، ومع وحشة الابتعاد.

لهذا يحتاج قلبك إلى معرفةٍ تحمي لجوءه، لا إلى توبيخٍ يزيد خوفه.

أيوب عليه السلام: الألم لا يمنع الاسترحام

تأمل نداء أيوب عليه السلام وهو في بلائه:

﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
[الأنبياء: 83]

جمع في دعائه بين حقيقتين: حقيقة ما يجد، وحقيقة ما يعرف عن ربه.

أخبر عن الضر، واسترحم الله، والضر لم يُكشف بعد.

فلم ينتظر حتى يزول ألمه ليعود إلى ربه، ولم يرَ في شدة ما أصابه ما يمنعه من أن يقول: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

وهنا متسعٌ لأن تتألم وتسترحم معًا؛ أن تطلب كشف ما أصابك، وتبذل السبب لدفعه، وتقول إنك تعبت، من غير أن تتحول شكواك إلى اتهام.

فطلب العافية لا يناقض الإيمان بالقدر، واحتياجك إلى رحمة الله ليس اعتراضًا على تدبيره. أنت تدعوه أن يكشف عنك ما نزل بك، وأنت لا تعرف حكمته الخاصة فيه؛ ولا تعارض بين الأمرين.

ماذا تفعل حين يعود خاطر «الله لا يريدني»؟

وقد تقول:

«أفهم هذا، لكن قلبي ما زال منقبضًا».

لا يلزم أن ينشرح صدرك فورًا حتى تصدق في الرجوع.

دع الشعور يأخذ وقته، وأعطِ الفكرة قدرها الصحيح:

هي تفسير مضطرب، وليست خبرًا عن الله.

وحين تدعو، لا تختبر رحمة الله بسرعة ما تشعر به بعد الدعاء؛ توجّه إليه بحاجتك كما هي.

إذا عاد معنى:

«الله لا يريدني»

فلا تدخل في محاكمة طويلة لكل خاطر.

استعذ بالله، وارجع إلى الحقيقة المحددة:

«أنا أمرّ ببلاء، ولا أعرف حكمته الخاصة».

ثم اسأل الله العافية والهداية والثبات.

بهذا تُبقي السؤال في موضعه، ولا تسمح له بأن يتحول إلى حكمٍ على الله.

وإن وجدت أنك استرسلت حتى تبنّيت سوء الظن، فتب إلى الله منه، ولا تجعل خطأ الأمس حجةً على أن رجوعك اليوم مردودٌ.

حتى هذا الخلل تُقبل به على الله طالبًا إصلاحه؛ لا تنتظر أن تصلح وحدك ثم تأتيه.

ربما بقي ما يؤلمك حين تنتهي من هذه الكلمات.

لكن يمكنك أن تحمل إلى دعائك شيئًا كنت تخجل منه:

خوفك على ثقتك بالله نفسه.

تسأله شفاء قلبك كما تسأله كشف ضرّك، وتستعين به على المعنى الذي أتعبك، كما تستعين به على الحدث الذي أصابك.

اللهم اكشف ضرّي، وأصلح ظنّي بك، ولا تجعل ما خفي عليَّ من حكمتك يصرفني عن الرجاء في رحمتك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0