🫀 يا رب… هل عليّ أن أُخاصم قلبي لأُرضيك؟ تبوح بأمنيةٍ طال انتظارها، فيقال لك: «لا تتعلّق».
فتعود إلى نفسك بوجعين: أنك لم تنل ما تحب، وأنك صرت تشكّ في سلامة قلبك لأنه يحبّه إلى هذا الحد.
كنت تتحدث عن شيءٍ مباح؛ عن أُنسٍ تفتقده، أو بيتٍ تستقرّ فيه، أو أمنيةٍ كلما مضيت في يومك وجدت موضعها خاليًا. لم تكن تطلب أن تملك الدنيا. لكن النصيحة، حين وصلتك بلا تفصيل، جعلتك تشعر كأن عليك أن تختار بين أن تكون عبدًا صالحًا، وأن تكون إنسانًا يريد. فتبدأ بمراقبة شوقك. كلما فرحت باحتمالٍ قلت: «تعلّقتُ من جديد». وكلما أوجعك الانتظار قلت: «لو كان إيماني أقوى، لما كان هذا مهمًّا عندي». حتى يصبح مقياس سلامة قلبك ألّا يوجد في الدنيا شيءٌ يؤلمك فواته.
ومن هنا يخرج السؤال المتعب:
«يا رب، لماذا أعطيتني قلبًا يتمنّى، ثم صار عليّ أن أقاومه كلما تمنّى؟».
هل التعلّق بشيء مباح ضعف إيمان؟
في هذا السؤال وجعٌ يستحق أن يُسمع. لكن فيه أيضًا فهمًا يحتاج إلى الرفق والتصحيح: أن تهذيب الرغبة لا يكتمل إلا بزوالها، وأن النجاة من التعلّق تعني بلوغ حالٍ لا تحتاج فيها إلى أُنس، ولا تشتاق إلى نعمة، ولا تحزن على فوات ما تحب. بهذه الصورة، تبدو العبادة حربًا على إنسانيتك، ويبدو القلب الذي خُلقت به عائقًا في الطريق إلى خالقه.
والقرآن يفتح لك بابًا آخر. يقول الله تعالى:
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
في الآية نفسها نهيٌ عن تمنّي ما فُضّل به بعض الناس على بعض، ثم توجيهٌ إلى سؤال الله من فضله. تأمّل كيف يُصحَّح مسار الرغبة، ويبقى باب الطلب مفتوحًا. تستطيع أن ترغب في الخير وتسأل ربك إياه، دون أن تجعل عطاءه لغيرك خصومةً في قلبك. لم تُعامل حاجتك إلى العطاء كشيءٍ ينبغي أن تستحي منه؛ وُجّهت إلى مَن تسأله.
حين تحمل الأمنية ما لا تملك
لكن الرغبة قد تحمل في داخلها طلبًا آخر لا تنتبه إليه. تقول: «أريد إنسانًا يؤنسني». وهذا مفهوم. ثم قد تُضيف في أعماقك: «أريد أن يأتيني إنسانٌ ينتهي معه خوفي من الوحدة إلى الأبد».
تريد الأُنس، وتريد معه ضمانًا ألّا تحتاج بعده، وألّا تُخذل، وألّا يعود في قلبك موضعٌ خائف. ولا يعود المطلوب مجرّد نعمةٍ ترجُوها؛ يصير في خيالك نهايةً لكل ما يُتعبك.
وهنا يثقل التعلّق. لأن فوات الأمنية سيبدو فواتًا للحياة التي يمكن احتمالها، ولأنك حمّلت شيئًا محدودًا في هذه الدنيا مسؤوليةَ أن يجعلك آمنًا من تقلّبها. قد يكون فيه خيرٌ كثير، وقد يخفف عنك وجعًا حقيقيًّا، لكنه لا يملك أن يحفظ لك المستقبل، ولا أن يجعل قلبك مكتفيًا إلى الأبد.
ما تتمناه قد يسدُّ حاجةً في حياتك؛ ولن يُنهي فقرك إلى الله. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
هذا وصفنا ونحن ننتظر، ونحن ننال. تحتاج إلى الله في وصول النعمة، وفي الانتفاع بها، وفي شكرها، وفيما يعرض لك بعدها. لن تصير مستغنيًا عنه إذا اكتمل ذلك الأمر الناقص. وليس في هذا انتقاصٌ من فرحتك به؛ تستطيع أن تفرح بالنعمة فرحًا عظيمًا، وأنت تعرف أنها عطاءٌ تحتاج معه إلى ربك.
ولهذا، حين تراجع تعلّقك، انظر إلى ما صرت تنتظره من أمنيتك، وإلى ما تسمح لها أن تفعله بك. هل جعلت الوصول إليها مبرّرًا لسبيلٍ تعلم حرمته؟ هل بدأت تقرأ تأخرها كأنه دليلٌ على أن الله لا يرحمك؟
هنا موضعٌ يحتاج إلى تصحيح. أما شدّة الشوق، والدمع، والخاطر المفزع الذي تكرهه وتدفعه، فلا يصح أن تجمعها كلّها في حكمٍ واحد على إيمانك. ابدأ من الجملة الخفيّة التي حمّلت أمنيتك فوق طاقتها.
حين تقول في نفسك: «إذا حصل هذا، لن أحتاج إلى شيء»، أعدها إلى قدرها:
«أرجو أن يكون فيه خيرٌ وأُنس، وأحتاج إلى الله قبله وبعده».
بهذا تعطي رغبتك اسمها الحقيقي، وتكفّ عن مطالبتها بأن تكون خلاصًا من كل ضعفك. وقد يبقى الشوق بعد هذا الفهم، ويحتاج قلبك إلى وقتٍ ومجاهدة. لا تجعل عودته حكمًا بفشل كل ما تعلّمت.
واصل السعي المشروع، واسأل الله ما تحب، وانتبه إلى ما قد يضيفه خيالك إلى الأمنية من ضماناتٍ لم يُعطِك الله وعدًا بها. أنت لا تعرف لماذا حضرت كل أمنيةٍ بعينها في حياتك، ولا يلزمك أن تخترع لها حكمةً خاصة. لكنك تعرف أن لك ربًّا أمرك أن تسأله، وأن افتقارك إليه لا ينتظر اكتمال تهذيبك لنفسك.
وحين تقف بين يديه، لا تنتظر حتى تصير إنسانًا لا تنقصه الأشياء. قل له ما ينقصك. اسأله من فضله، وسله أن يحفظ قلبك في طلبه.
يمكنك أن تقول بصدق:
«يا رب، ما زلت أحتاج هذا الذي أتمنّى»؛
ثم تعرف، وأنت تقولها، أنك تحتاج إلى ربك حتى لو جاءك كل ما تتمنّى.