⏳ يا رب… هل فاتني ما كان يمكن أن يكون لي؟
هناك أشياء تؤلمك لأنها حدثت. وهناك أشياء تؤلمك أكثر… لأنك تتخيل ما كان يمكن أن يحدث لو أنها لم تحدث.
تعود بذاكرتك إلى سنة بعيدة. إلى مكالمة. إلى قرار. إلى كلمة قلتها. إلى باب عُرض عليك. إلى إنسان وثقت به. إلى فرصة رفضتها. إلى دراسة لم تبدأها. إلى سفر تراجعت عنه. ثم تبدأ الجملة التي ربما أرهقت قلبك أكثر من الخطأ نفسه:
لو أنني…
لو وافقت.
لو رفضت.
لو بدأت أبكر.
لو لم أتردد.
لو لم أصدقه.
لو بقيت.
لو رحلت.
لو اخترت الطريق الآخر.
ثم لا تكتفي بتغيير القرار في خيالك. بل تبني بعده حياة كاملة.
لو وافقت وقتها…
لكنت الآن متزوجًا.
لو درست ذلك التخصص…
لكان عندي هذا العمل.
لو سافرت…
لكنت في مكان آخر تمامًا.
لو لم أفقد تلك الفرصة…
لكانت حياتي مستقرة اليوم.
لو لم أضع تلك السنوات…
لكنت شخصًا آخر.
ومع كثرة إعادة الفيلم، يحدث شيء غريب: لا تعود الحياة التي تخيلتها مجرد احتمال. تبدأ تبدو في ذهنك كأنها الحياة التي كانت ستحدث فعلًا. ثم تحزن عليها… كأنك رأيتها. وعشتها. وامتلكتها. ثم ضاعت منك.
مع أنك في الحقيقة لم تعش منها يومًا واحدًا.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- هل أنا الذي أفسدت قدري؟
- لماذا يبدو الماضي البديل أجمل من الحقيقة؟
- معنى «قدر الله وما شاء فعل» بعد القرار
- متى تكون «لو» تعلمًا ومتى تصبح تعذيبًا؟
- هل يستطيع الإنسان أن يفسد قدره؟
- كيف تتعامل مع خطأ لا تستطيع رده؟
- لا تجعل الماضي يقود قرارات الحاضر
- ما الذي تعرفه وما الذي لا تعرفه؟
- من الندم إلى القرار الذي تملكه الآن
هل أنا الذي أفسدت قدري؟
وهنا ربما يكون السؤال الذي يمزقك:
هل أنا الذي أفسدت قدري؟
هل كان لي رزق… فضيعته بقراري؟
هل كانت هناك حياة أجمل تنتظرني… ثم أغلقت أنا بابها؟
هل كان يمكن أن أكون الآن في مكان مختلف تمامًا لولا ذلك الخطأ؟
هذا السؤال موجع لأنه يمسك شيئًا حقيقيًا ويمزجه بشيء لا تملكه. الشيء الحقيقي: قد تكون أخطأت فعلًا.
أما الشيء الذي لا تملكه: أن تعرف بالتفصيل ماذا كان سيحدث لو لم تخطئ.
وهذا الفرق هو الباب كله.
نعم. يمكن للإنسان أن يتخذ قرارًا سيئًا. يمكن أن يضيّع فرصة بأسباب منه. يمكن أن يقصر. يمكن أن يظلم نفسه. يمكن أن يعصي الله، ثم تترتب على المعصية آثار.
الإيمان بالقدر لا يحول الخطأ إلى صواب. ولا يجعل الاختيارات بلا نتائج. ولا يقول لك:
كل قراراتك كانت ممتازة؛ فلا تراجع شيئًا.
لا. قد تحتاج أن تقول بوضوح:
أخطأت هنا.
كان ينبغي أن أتعلم أكثر.
كان ينبغي ألا أتعجل.
كان ينبغي أن أستشير.
كان هذا ذنبًا، وأتوب منه.
كان هذا تقصيرًا، وسأصلحه ما استطعت.
هذه محاسبة. وهذه نافعة. لكن هناك جملة أخرى تأتي بعدها كثيرًا، وهي التي تحتاج أن تتوقف عندها:
«ولو لم أخطئ، لكانت حياتي الآن كذا وكذا.»
من أين عرفت؟
لماذا يبدو الماضي البديل أجمل من الحقيقة؟
أنت تعرف الطريق الذي سلكته. ولا تعرف الطريق الذي لم تسلكه. تعرف أن قرارًا ما كان سيئًا. لكن لا تعرف جميع الأحداث التي كانت ستأتي بعد القرار الآخر.
تعرف أنك رفضت شخصًا ثم ندمت. لكن هل تعرف يقينًا كيف كان الزواج سيصبح بعد خمس سنوات؟ لا.
تعرف أنك لم تقبل وظيفة. لكن هل تعرف ماذا كان سيحدث لك داخلها؟ لا.
تعرف أنك لم تسافر. لكن هل رأيت الحياة التي كانت ستنتظرك هناك؟ لا.
تعرف أنك بدأت متأخرًا. لكن هل تعرف أن البداية المبكرة كانت ستقودك حتمًا إلى الصورة التي ترسمها الآن؟ لا.
أنت تعرف القرار الذي وقع… ولا تعرف العالم الذي لم يقع.
وهذه واحدة من أكبر حيل الندم. الماضي الحقيقي له عيوب وتفاصيل ومفاجآت. أما الماضي البديل الذي يصنعه خيالك… فأنت المؤلف. تحذف منه كل شيء لا يعجبك.
تقول:
لو تزوجت ذلك الشخص لكنت سعيدًا.
ولا تضع في السيناريو احتمال الخلاف. أو تغير الإنسان. أو المرض. أو مشكلات لم تكن تستطيع توقعها.
تقول:
لو أخذت تلك الوظيفة لكنت غنيًا.
ولا تكتب احتمال أن تفقدها بعد عام. أو أن تأخذك إلى طريق لم تكن تريده.
تقول:
لو سافرت لنجحت.
ولا تضع في الفيلم إلا أفضل نسخة من السفر.
وهكذا تقارن: حياتك الحقيقية، بكل أوجاعها… بحياة خيالية صنعتها بنفسك، وحذفت منها الأوجاع قبل المقارنة. ثم تستغرب لماذا تخسر حياتك الحالية دائمًا.
ربما أنت لا تندم فقط على ما فعلت. أنت تندم على حياة كاملة اخترعها خيالك… ثم أقنعك أنك فقدتها.
وهذه جملة تحتاج أن تقف عندها. لأنها لا تقول إنك لم تخطئ. بل تقول:
لا تعطِ خطأك أكثر مما تعرف.
قل:
أخطأت.
ولا تضف:
إذن أعرف بالتحديد كل الخير الذي حُرمت منه بسبب هذا الخطأ.
الأولى علم. والثانية قد تكون خيالًا يلبس ثوب اليقين.
قال الله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾
[الحديد: 22–23]
ليس معنى:
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾
أن المؤمن لا يحزن على شيء فات.
فالإنسان يحزن. ويندم. ويشتاق. وقد يبكي على فرصة ضاعت.
لكن معرفة القدر تمنع الحزن من أن يتحول إلى شيء أكبر: أن تعيش أسيرًا لما فات… كأن عليك أن تعيد محاكمة الماضي إلى الأبد.
هناك فرق بين: حزن يقول: تمنيت لو وقع غير هذا. وبين: حسرة تقول: حياتي الصحيحة كلها كانت في ذلك الطريق الذي لم أسلكه.
الأولى بشرية. أما الثانية فتدعي معرفة شيء لا تعرفه.
كيف عرفت أن «حياتك الصحيحة» كانت هناك؟ كيف عرفت أن كل الخير كان خلف ذلك الباب؟ كيف عرفت أن القرار الآخر كان سيحملك إلى النهاية التي صنعتها؟ أنت رأيت بابًا لم تدخله. ولم ترَ الطريق بعد الباب.
معنى «قدر الله وما شاء فعل» بعد القرار
ولهذا جاء الحديث النبوي بدقة عجيبة. قال النبي ﷺ:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».
رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
انتبه إلى ترتيب الحديث. لم يبدأ بـ:
لا تفعل شيئًا، فكل شيء مقدر.
بل قال:
«احرص على ما ينفعك.»
تحرك. اختر. تعلم. خذ السبب.
ثم:
«استعن بالله.»
ثم:
«ولا تعجز.»
هذا دين لا يريد منك الاستسلام. ثم بعد أن يقع ما وقع… لا يجعل حياتك تتحول إلى محكمة لا تنتهي لـ«لو».
متى تكون «لو» تعلمًا ومتى تصبح تعذيبًا؟
وهنا نحتاج إلى دقة. ليست كل كلمة «لو» محرمة. وليس ممنوعًا أن تراجع قرارك وتقول:
لو عدت إلى موقف مشابه فسأختار بطريقة أفضل.
هذا تعلم. ولا أن تحلل سبب الفشل حتى لا تكرره. هذا عقل. ولا أن تقول:
كان ينبغي أن أستشير أكثر.
هذه محاسبة.
المشكلة في «لو» التي لا تريد أن تعلمك للمستقبل… بل تريد أن تعيد كتابة الماضي.
«لو فعلت… لكان حتمًا كذا.»
«لو لم أفعل… لكنْت الآن كذا.»
هنا تبدأ في الحديث عن عالم لم يقع كما لو أنك رأيته.
لاحظ أن الحديث لم يقل:
لا تتعلم.
بل بدأ أصلًا بـ:
«احرص على ما ينفعك.»
كأن الميزان النبوي يقول: قبل القرار: ابذل. وبعد الخطأ: تعلم. وبعد وقوع ما لا يمكنك رده: لا تحول التعلم إلى تعذيب.
خذ الدرس الذي تستطيع أخذه. واترك الغيب الذي لا تستطيع معرفته. وربما هنا تحتاج إلى سؤال صعب جدًا:
هل تريد فعلًا أن تصلح خطأك… أم تريد العودة إلى الماضي حتى تضمن لنفسك حياة لم تعرف أصلًا أنها كانت ستقع؟
إذا كنت تريد الإصلاح… فهناك أشياء تستطيع فعلها الآن. تب إن كان ذنبًا. اعتذر إن ظلمت. تعلم إن جهلت. ابدأ اليوم إن تأخرت. أصلح ما بقي قابلًا للإصلاح.
لكن إن كنت تريد الرجوع عشر سنوات إلى الوراء… فأنت تطلب بابًا أغلقه الزمن. وكل ساعة تقف أمامه… قد تضيع عليك بابًا لا يزال مفتوحًا اليوم.
وهذه مفارقة قاسية: ربما تقول:
لقد ضيعت خمس سنوات.
ثم تقضي خمس سنوات أخرى… تندم على السنوات الخمس الأولى. فتصبح الخسارة عشرًا. ليس لأن القرار القديم استمر عشر سنوات. بل لأنك سمحت له أن يأكل المستقبل أيضًا.
قد يكون الماضي قد أخذ منك شيئًا. فلا تعطِه طوعًا ما بقي.
هناك أخطاء يجب أن تحزن عليها. والندم قد يكون بداية إصلاح عظيمة. خصوصًا إذا كان الندم على ذنب؛ فهو يدفع إلى التوبة.
لكن الندم الصحي يتحرك. يقول:
ماذا أتعلم؟
ماذا أصلح؟
ما الذي لن أكرره؟
أما الندم الذي يستنزفك فيقول:
تعال نجرب الفيلم مرة أخرى.
لو وافقت…
لو رفضت…
لو قلت…
لو سكت…
ثم النهاية نفسها كل ليلة:
انظر إلى الحياة التي أضعتها.
ولا يعطيك خطوة واحدة لليوم. لذلك اسأل الندم: ماذا تريد مني؟
إن قال:
أريدك أن تتعلم.
تعلم.
إن قال:
أريدك أن تعتذر.
اعتذر.
إن قال:
أريدك أن تتوب.
تب.
إن قال:
أريدك أن تبدأ ما تستطيع الآن.
ابدأ.
أما إن قال:
أريدك أن تثبت لنفسك كل ليلة أن حياتك كانت ستكون أجمل لو عاد الزمن…
فقل له:
هذه ليست معلومة أملكها.
وقد تقول:
لكن بعض الأخطاء واضحة جدًا. لو بدأت الدراسة قبل عشر سنوات، لكنت الآن قد تخرجت. ربما تستطيع أن تعرف بعض النتائج القريبة بدرجة قوية. لكن حتى هنا انتبه. قد تعرف:
كنت سأبدأ أبكر. وقد تعرف: ضاع مني وقت. وقد تعرف: هذه الفرصة لم تعد متاحة.
لكن من هذه الحقائق إلى جملة:
«إذن كانت حياتي كلها ستكون أفضل.»
مسافة هائلة. لا تقفزها. يمكنك أن تقول:
ضيعت وقتًا.
ولا تقول:
ضيعت الحياة التي كان يجب أن أعيشها.
يمكنك أن تقول:
أغلقت فرصة.
ولا تقول:
أغلقت باب سعادتي كله.
يمكنك أن تقول:
اخترت اختيارًا سيئًا.
ولا تقول:
أفسدت قدري كله.
أنت لا تملك هذه الأحكام.
هل يستطيع الإنسان أن يفسد قدره؟
وهنا قد تسأل:
هل يستطيع الإنسان أن يفسد قدره؟
انتبه إلى صياغة السؤال. أنت تستطيع أن تعصي. وتخطئ. وتتخذ قرارًا سيئًا. وتتحمل آثار أفعالك. وأنت مسؤول عما اخترت ضمن ما كلفك الله به.
لكن أفعالك نفسها لا تقع خارج علم الله وقدره. أنت لم تفاجئ الله بقرارك. ولم تخرج لحظة واحدة إلى كونٍ لا يجري فيه قدره ثم عدت. وهذا لا يرفع المسؤولية عنك. لكنه يمنع فكرة مرعبة: أنك بطريقة ما خرجت عن سلطان الله وكسرت الخطة التي لم يستطع القدر احتواءها.
أنت مسؤول… لكن الله لم يفقد ملكه حين أخطأت. هذه جملة تحتاجها. لأن بعض الناس حين يندم يتخيل خطأه أكبر من كل شيء. يقول:
أنا دمرت كل شيء.
أنا أفسدت حياتي نهائيًا.
أنا خرّبت ما كان الله يريد أن يعطيني.
تمهل. قد تكون أفسدت شيئًا فعلًا. وقد تكون هناك آثار لا يمكن عكسها. لكن لا تحول الاعتراف بالخطأ إلى ادعاء أن خطأك صار قوة مستقلة خرجت من قدر الله.
والأشد إيلامًا أن الإنسان أحيانًا يظن أنه لو عرف الماضي أكثر سيستطيع أن يرتاح. فيعود إليه مرة بعد مرة. يحلل. يفتش. يستعيد الرسائل. الكلمات. التواريخ.
ماذا كان يقصد؟ ماذا لو أجبت بطريقة أخرى؟ متى تغير كل شيء؟ ويظن أن هناك تحليلًا أخيرًا سيصل إليه، ثم يقول:
الآن فهمت كل شيء.
لكن بعض الأسئلة لا ينقصها التفكير. ينقصها قبول أنك لن تعرف جوابها. لن تعرف كل ما كان سيحدث. وهذا مؤلم. لأن العقل يحب النهايات المغلقة. لكنك تستطيع أن تتحمل جملة:
لا أعرف.
لو بقيت… لا أعرف. لو رحلت… لا أعرف. لو وافقت… لا أعرف. لو رفضت… لا أعرف. أعرف فقط ما وقع. وأعرف ما أستطيع أن أفعله الآن.
هذه ليست هزيمة أمام الماضي. هذه عودة إلى حدودك البشرية. وربما تقول: لكنني أحتاج أن أسامح نفسي. لا تبدأ من جملة:
لم أخطئ.
إذا كنت أخطأت. هذا ليس تسامحًا. ابدأ من الحقيقة:
نعم، أخطأت. وربما دفعت ثمنًا. وسأتحمل مسؤوليتي. وسأتعلم. لكنني لن أحكم على نفسي كل يوم بالسجن المؤبد داخل لحظة انتهت.
المحاسبة تقول: تحمل مسؤولية قرارك. أما جلد الذات فيقول: تحول إلى قرارك.
فرق هائل. أنت فعلت خطأ. لكنك لست خطأً يمشي على الأرض.
وإذا كان ما حدث ذنبًا… فلا تجعل اليأس من نفسك أشد من الذنب. تب. فالله فتح باب التوبة للذين أخطؤوا، لا للذين لم يخطئوا. ولا تقل:
لو لم أذنب لكانت حياتي مختلفة تمامًا، إذن انتهيت.
تب من الذنب الحقيقي. ولا تخترع فوقه عقوبة غيبية لم يخبرك الله أنها كُتبت عليك بهذه الصورة. وهنا قد يعود السؤال:
هل فاتني رزق كان يمكن أن يكون لي؟
قل ما تعرفه فقط. فاتتني فرصة. هذا أعرفه. فاتني وقت. هذا أعرفه. لم يقع الأمر الذي كنت أرجوه. هذا أعرفه. أما:
كان هذا الرزق سيصبح لي حتمًا لولا خطئي…
فهذه جملة أخرى. من أخبرك؟ أنت لا ترى إلا اللحظة التي ضاعت. ولا ترى شبكة القدر كلها حولها.
ليس كل ما فاتك كان لك ثم أضعته. أحيانًا كل ما تعرفه أنه فات. أما ماذا كان سيحدث لو لم يفت… فغيب.
وهذه ليست لعبة لغوية. هذه حماية للقلب من أن يحزن مرتين: مرة على الشيء الحقيقي الذي خسره. ومرة على حياة خيالية كاملة لم يملك دليلًا أنه كان سيعيشها.
وربما لا تحتاج أن تمنع نفسك من قول:
يا ليتني اتخذت قرارًا أفضل.
قد تكون هذه الجملة صادقة. لكن توقف قبل أن تكمل:
يا ليتني اتخذت قرارًا أفضل…
لكنت الآن أسعد إنسان.
الأولى مراجعة للقرار. الثانية كتابة للغيب. خذ الأولى. واترك الثانية.
كيف تتعامل مع خطأ لا تستطيع رده؟
وقد يكون أنضج ما تفعله مع الماضي هو أن تستخرج منه المعلومة، لا السكن. ادخل إليه لتأخذ درسًا. ثم اخرج. لا تبنِ بيتك هناك.
الماضي مكان للتعلم. ليس مكانًا صالحًا للعيش.
لأنك كلما أقمت فيه… غاب عنك المكان الوحيد الذي ما زال بإمكانك أن تختار فيه:
الآن.
تخيل لو أنك أعطيت السنوات القادمة نصف الطاقة التي تعطيها لتحليل السنوات الماضية. كم قرارًا يمكن أن يتحسن؟ كم شيء يمكنك أن تبدأه؟ كم اعتذارًا يمكن أن تقوله؟ كم علمًا يمكن أن تتعلمه؟ كم بابًا ما زال مفتوحًا وأنت تحدق في باب أُغلق منذ أعوام؟
هذه ليست دعوة إلى «تجاوز» الماضي بسهولة. بعض الماضي ثقيل. لكن لا تجعل ثقل الماضي يسلب الحاضر حقه.
وقد تقول: أنا لا أستطيع التوقف عن التفكير. كل مرة أحاول، يعود السؤال:
ماذا لو؟
حينها لا تجبه بسيناريو أجمل. ولا بسيناريو أسوأ. قل:
لا أعلم.
ماذا لو وافقت؟ لا أعلم. ماذا لو سافرت؟ لا أعلم. ماذا لو لم أثق به؟ لا أعلم.
لكن ماذا أستطيع أن أفعل الآن بما تعلمته؟ هذا أعلمه. حوّل السؤال من باب مغلق… إلى فعل ممكن. وهنا تظهر حكمة عجيبة في الحديث:
«احرص على ما ينفعك.»
كأن أول دواء للحسرة ليس محاضرة طويلة عن الماضي. بل أن تعود إلى شيء ينفعك الآن. ثم:
«واستعن بالله.»
لأنك قد تعرف ما ينفعك ولا تملك قوة البدء.
ثم:
«ولا تعجز.»
لا تسلم ما بقي من حياتك للقرار الذي انتهى.
ثم إذا وقع ما وقع:
«قدر الله وما شاء فعل.»
ليس لإلغاء مسؤوليتك. بل لإغلاق الباب الذي لا تستطيع أن تدخل منه بعد الآن. وهذا من أجمل توازنات الإيمان بالقدر: لا يقول لك قبل القرار:
لا تفكر، كل شيء مكتوب.
بل:
احرص على ما ينفعك.
ولا يقول لك بعد وقوع ما لا تستطيع رده:
عذب نفسك إلى الأبد لأنك كان يجب أن تعرف كل شيء.
بل يردك إلى قدر الله. إذن: قبل القرار: مسؤولية. بعد الخطأ: تعلم وتوبة وإصلاح. وبعد ما يستحيل رده: تسليم. ما أعدل هذا الميزان.
لا تجعل الماضي يقود قرارات الحاضر
وربما أنت اليوم واقف أمام خطأ قديم جدًا. ولا شيء تستطيع فعله لإزالته. لكن ربما ما زال بإمكانك أن تمنعه من اتخاذ قرار جديد نيابة عنك.
لا تجعل خيانة قديمة تمنعك من الثقة بكل إنسان. ولا فرصة رفضتها تجعلك تقبل كل فرصة خوفًا من الندم. ولا زواجًا لم يتم يجعلك تدخل زواجًا لا يصلح فقط لأنك تقول:
لن أكرر الماضي.
ولا سنوات ضاعت تجعلك تركض بلا حكمة لتعويضها. أحيانًا الماضي لا يؤذينا فقط بما وقع فيه. بل يجعلنا نتخذ قرارات الحاضر هروبًا منه. وهنا لم نتعلم. نحن فقط غيرنا شكل الخوف.
تعلم من الماضي… لكن لا تجعله يمسك المقود. قل:
هذا ما أخطأت فيه.
وهذا ما تعلمته.
وهذه الحدود التي لن أتجاوزها مرة أخرى.
ثم انظر أمامك. لا لأن الماضي لم يعد مهمًا. بل لأن درسه لا يكتمل إلا حين يحسن قرارًا جديدًا.
وقد تكون هناك فرصة فاتت فعلًا ولن تعود. لا نحتاج أن نكذب عليك. بعض الأبواب لها وقت وتنغلق. بعض القرارات لا يمكن التراجع عنها بالكامل. وبعض الخسائر حقيقية. لكن حتى هنا هناك فرق بين:
«هذا الباب انتهى.»
وبين:
«إذن انتهى الخير الذي كان يمكن أن يكون في حياتي.»
الجملة الثانية لا تعرفها. لا تجعل نهاية باب مساوية لنهاية القصة.
وأحيانًا يكون وراء الحسرة كِبر خفي لا تنتبه إليه. ليس كبرًا على الناس. بل وهم أنك لو امتلكت القرار الصحيح دائمًا… لاستطعت أن تتحكم في شكل حياتك كلها. تقول:
لو اخترت بصورة مثالية، لصارت حياتي مثالية.
لكن هل هذه هي الدنيا؟ حتى القرار الصحيح قد يتبعه ألم. والاختيار الحكيم لا يعطيك حصانة من القدر. أنت مأمور بـحسن الاختيار. لكن لست مالكًا لكل نتائج الاختيار.
وهذه رحمة أيضًا. لأنها تعني أنك لست مطالبًا بأن تكون عالمًا بالغيب قبل كل قرار.
خذ بالأسباب. استشر. استخِر. تعلم. فكر. ولا تتعمد الخطأ.
لكن بعد كل ذلك… ستظل عبدًا لا يعرف كل شيء.
وقد تتخذ قرارًا بما ظهر لك أنه صحيح، ثم تأتي نتيجة لم تكن تريدها. فلا تحول كل نتيجة مؤلمة إلى دليل أنك كنت غبيًا. كما لا تحول كل قرار خاطئ إلى دليل أنك دمرت قدرك.
ما الذي تعرفه وما الذي لا تعرفه؟
ربما السؤال الأعمق ليس:
هل فاتني ما كان يمكن أن يكون لي؟
بل:
لماذا أحتاج أن أعرف الحياة التي لم أعشها؟ هل لأن معرفتها ستغير شيئًا؟ أم لأنك تتخيل أن اليقين بأنها كانت أفضل سيعطي ألمك تفسيرًا؟ لكن ماذا لو لم يكن هناك جواب يمكنك الوصول إليه؟ هل تستطيع أن تعيش دون أن تحسم القضية؟ أن تقول:
قد أكون خسرت فرصة كبيرة.
وقد أكون أخطأت.
لكنني لا أعرف بقية القصة.
وسأترك ما لم أعرفه عند الله.
هذه ليست لامبالاة. بل تواضع أمام الغيب. وأحيانًا يكون التواضع أمام الغيب هو العلاج الوحيد للحسرة. لأن الحسرة تقول:
أنا أعرف تمامًا ما خسرته.
والإيمان يقول:
تعرف بعضه.
تعرف ما وقع.
ولا تعرف كل ما لم يقع.
فإذا جاءك الماضي الليلة وقال:
لو فعلت…
قل:
ربما كان ينبغي أن أفعل.
وسأتعلم من ذلك.
فإذا قال:
ولو فعلت لكنت الآن في حياة أجمل حتمًا.
قل:
توقف.
هذه لم أرها.
وهذا ليس علمي.
لن أحول خطئي الحقيقي إلى باب لادعاء غيب آخر.
قل لله:
يا رب، إن كنت أخطأت فاغفر لي.
وإن قصرت فعلمني.
وإن ظلمت فأعني على الإصلاح.
وإن ضيعت وقتًا فأعني أن أحفظ ما بقي.
لكن لا تجعلني أقضي بقية عمري أمام حياة لم تقع…
أطالب نفسي كل ليلة أن تشرح لي كيف كانت ستبدو.
يا رب، علمني أن آخذ من الماضي درسه…
لا أن أعطيه حاضري.
وحين يأتيك السؤال:
هل أفسدت قدري؟
تذكر:
أنت مسؤول عن اختياراتك. لكن اختياراتك لم تقع خارج قدر الله. وأنت تستطيع أن تخطئ. لكن خطأك لم يجعل الله يفقد علمه وملكه. وأنت قد تضيع فرصة. لكن لا تملك أن تقول إنك أضعت كل الحياة التي كانت ستنشأ عنها. لأنك لا تعرفها.
وحين يقول لك قلبك:
لقد فاتني كل شيء.
صحح الجملة. قل:
فاتني شيء.
ربما شيء كبير. ربما شيء سأحزن عليه طويلًا. لكن «كل شيء» كلمة لا تعرفها.
ما زلت هنا. وما دام في العمر يوم لم يُعش… فهناك جزء من القصة لم يقع بعد. لا تعرفه أيضًا. فلا تجعل غيب الماضي الذي لم يقع… يسرق منك غيب المستقبل الذي لم يأت.
ربما هذه هي الحرية التي يمنحها لك الإيمان بالقدر:
ليس أن تقول:
لم أخطئ.
بل:
أخطأت، ولن أعبد خطئي.
ليس:
لم أخسر.
بل:
خسرت، ولن أدعي أنني أعرف كل ما وراء الخسارة.
ليس:
لا أندم.
بل:
سأجعل ندمي معلّمًا…
لا سجّانًا.
من الندم إلى القرار الذي تملكه الآن
تعلم من القرار الذي وقع… ولا تدّع علم الحياة التي لم تقع.
وإذا عرفت أنك أخطأت: أصلح. وإذا كان ذنبًا: تب. وإذا كان درسًا: احفظه. وإذا بقي شيء تستطيع تغييره: غيّره.
ثم عندما تصل إلى الجزء الذي لا تستطيع رده… لا تحول «لو» إلى آلة تعذيب.
فقد تكون خسرت بابًا فعلًا. لكن لا تعلم ماذا كان وراءه. وقد تكون ضيعت وقتًا فعلًا. لكن لا تجعل بقية وقتك ضحية له.
وقد تكون اتخذت قرارًا تتمنى لو أنك لم تتخذه. لكن القرار انتهى. وما بقي الآن هو: من ستكون بعد أن عرفته؟
وحين يعود الفيلم القديم… لا تكمله حتى النهاية التي يحب الندم اختراعها. قف عند الحقيقة:
نعم، كنت أتمنى لو اخترت أفضل.
ثم:
لا أعلم ماذا كان سيحدث لو فعلت.
ثم اسأل:
ما أفضل ما أستطيع اختياره الآن؟
هذه هي النقلة. من ماض لا تملكه… إلى حاضر ما زالت لك فيه مسؤولية.
ولا تقل:
يا رب، أعدني حتى أصلح كل شيء.
فالزمن لا يعود.
قل:
يا رب، علمني ألا أضيّع ما بقي وأنا أبكي ما مضى.
ولا تقل:
لو لم أفعل، لكانت حياتي كاملة.
قل:
أنا لا أعرف الحياة التي لم تقع.
لكنني أعرف أن الله ما زال ربي في الحياة التي وقعت. وهذه هي حياتي الآن. وهنا عبادتي. وهنا توبتي. وهنا قراراتي الجديدة.
فإذا سألت:
يا رب… هل فاتني ما كان يمكن أن يكون لي؟
لا تحاول أن تجيب عن الغيب. قل ما تعرف:
شيء فاتني. وقرار أتمنى لو أحسنته. ودرس تعلمته. وربٌّ كنت في قدره حين أصبت، وفي قدره حين أخطأت، وإليه أعود الآن.
أما الحياة الأخرى… فتوقف عن زيارتها كل ليلة. لم تسكنها يومًا. فلا تجعلها تسكنك بقية عمرك.