حين تخبرك الأسباب أن الأمر انتهى: ماذا تفعل حين لا ترى مخرجًا؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هناك لحظة في بعض الشدائد لا يكون أشد ما يؤلمك فيها أن يكون الطريق صعبًا…

بل أن تنظر حولك، فلا ترى مخرجًا ولا ترى طريقًا أصلًا.

جرّبت ما تعرف. طرقت الأبواب التي تستطيع طرقها. سألت. انتظرت. أعدت الحسابات. راجعت الاحتمالات مرة بعد مرة.

ثم وصلت إلى موضع لا ترى بعده شيئًا.

وهنا لا يقول لك الخوف فقط:

أنا لا أعرف ماذا أفعل.

بل يتقدم خطوة أخطر، ويقول:

لم يعد هناك شيء يمكن فعله.

وهنا تبدأ إحدى أخطر حيل النفس في الشدة: أن تحوّل نهاية ما تعرفه إلى نهاية ما يمكن أن يحدث.

مشهد بحر منشق وطريق مضيء بين الأمواج يرمز إلى بقاء قدرة الله حين تنتهي الأسباب التي يراها الإنسان
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين تتحول حدود معرفتك إلى حكم على الغيب

تقول:

لا أرى مخرجًا…

ثم تتحول الجملة في داخلك، من حيث لا تشعر، إلى:

إذن لا يوجد مخرج.

لا أعرف من أين سيأتي الرزق…

فتصبح:

إذن لن يأتي رزق.

هذا الباب أُغلق…

فتصبح:

إذن انتهت الطرق.

هذا الإنسان قال: لا…

فتصبح:

إذن انتهى الأمر.

وكأن الخوف لا يكتفي بأن يصف لك ما تراه، بل يتجاوز حدود علمك، ويدخل الغيب، ثم يعود منه بحكم نهائي لم يأذن الله له أن يصدره.

وهنا ينبغي أن تتوقف.

لأن بين جملتين فرقًا هائلًا:

أنا لا أرى حلًا.
و:
لا يوجد حل.

الأولى حقيقة عن حدودك.

أما الثانية فحكم على الغيب.

الأولى تقول:

علمي انتهى هنا.

أما الثانية فتقول:

الإمكان نفسه انتهى هنا.

ومن أعطاك هذا العلم؟

من أخبرك أن ما لا تراه الآن غير موجود؟

ومن قال إن الطرق التي عرفتها هي جميع الطرق التي يملكها الله؟

هنا يبدأ اليقين.

ليس بأن ترى المخرج.

بل بأن تتوقف عن جعل عدم رؤيتك للمخرج دليلًا على عدم وجوده.


السبب سبب… والأمر لله

قال الله تعالى:

﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾
يونس: 107

تأمل الآية.

إنها لا تنكر الضر. ولا تقول إن الطريق لن يضيق. ولا تعدك بأن كل شيء سيجري بالصورة التي رسمتها.

لكنها تفعل شيئًا أعظم:

تمنع الأشياء من أن تحتل في قلبك مقامًا ليس لها.

فالضر واقع… لكنه ليس إلهًا.

والمرض حقيقة… لكنه ليس صاحب الكلمة الأخيرة.

والدين ثقيل… لكنه لا يملك خزائن الرزق.

والإنسان الذي أغلق الباب سبب… لكنه ليس رب الأبواب.

والقرار الذي صدر ضدك مؤلم… لكنه لم يُخرجك من ملك الله.

﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾.

و:

﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾.

بين هاتين الجملتين يستعيد القلب ميزانه الصحيح.

فالخلق خلق.

والسبب سبب.

والباب باب.

أما الأمر…

فلله.


خذ بالسبب بيدك ولا تسلّمه قلبك

ومشكلتنا مع الأسباب ليست أننا نستخدمها.

بل أننا أحيانًا نعطيها في قلوبنا أكثر مما أعطاها الله.

نذهب إلى الطبيب، وهذا من الأخذ بالأسباب.

لكن القلب قد يبدأ في التعامل مع الطبيب كأن الحياة كلها في يده.

نبحث عن وظيفة، وهذا من الأخذ بالسبب.

لكننا قد نشعر عند رفضها أن الرزق نفسه قد رُفض.

نطلب مساعدة إنسان، وهذا جائز.

لكننا قد نرتجف من غضبه كأن مستقبلنا أصبح ملكًا له.

نخطط. ندخر. نحسب. نستشير.

وكل ذلك صحيح.

لكن شيئًا دقيقًا قد يحدث في الداخل:

يتحول السبب من وسيلة في اليد إلى سند في القلب.

وهنا يصبح سقوطه مؤلمًا مرتين:

مرة لأن السبب ضاع.

ومرة لأنه كشف لك كم كنت متكئًا عليه.

وقد لا تعرف مقدار تعلقك بالسبب إلا حين يسقط السبب.

كنت تقول:

الله هو الرزاق.

ثم فقدت مصدر دخلك، فإذا بقلبك يتصرف كأن الرزق نفسه مات.

كنت تقول:

الله هو الحافظ.

ثم اهتز الشيء الذي كنت تستند إليه، فإذا بالأمان كله يهتز معه.

كنت تقول:

الله هو الفتاح.

ثم أُغلق باب واحد، فإذا بنفسك تقول:

انتهت الأبواب.

وهنا يظهر السؤال الذي لا بد أن يُسأل:

هل كنت تأخذ بالسبب… أم كان السبب قد أخذ قلبك؟

فرق كبير بين الاثنين.

خذ بالسبب بيدك.

لكن لا تسلّمه قلبك.

فالسبب قد يسقط، أما قدرة الله فلا تتوقف على بقاء السبب.


لا تحصر فضل الله في الطريق الذي تعرفه

ومن أعجب ما يفعله الخوف أنه يحصر فضل الله في الطريق الذي يعرفه الإنسان.

تقول:

إما هذه الوظيفة… وإلا فلا رزق.

إما هذا الإنسان… وإلا فلا سعادة.

إما أن تنجح هذه الخطة… وإلا ضاع المستقبل.

إما أن يُفتح هذا الباب… وإلا انتهى الطريق.

وكأنك لم تعد تطلب من الله الفرج فقط…

بل بدأت ترسم له من أين ينبغي أن يأتي الفرج.

تقول في داخلك:

يا رب، لا أرى إلا هذا الطريق.

ثم، من غير أن تشعر، تتحول الجملة إلى:

إذن لا طريق عندك غيره.

وهنا تأتي الآية كأنها تهدم هذا الوهم من جذره:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
الطلاق: 2-3

تأمل:

﴿مَخْرَجًا﴾

ثم:

﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

أي أن المخرج قد يأتي من جهة لم تدخل أصلًا في حسابك.

من طريق لم ترسمه.

وبسبب لم تضعه في قائمتك.

وفي توقيت ربما لم تختره.

وهذا لا يعني أن الله سيعطيك حتمًا الشيء نفسه الذي تطلبه، ولا بالصورة نفسها التي تريدها.

لكنه يعني أن خيالك ليس خريطة لقدرة الله.

وأن ما تستطيع أنت تصوره ليس جميع ما يستطيع الله أن يقدره.

فإذا انتهى الطريق الذي تعرفه، لا تقل:

انتهت الطرق.

قل:

انتهت الطرق التي أعرفها أنا.

وهذه جملة مختلفة تمامًا.

لأنها تضعك في مكانك الصحيح:

عبدًا يرى جزءًا…

لا ربًّا أحاط بالمشهد كله.


موسى عليه السلام والبحر الذي بدا نهاية الطريق

ولعل أكثر ما يكشف هذا المعنى مشهد لا يحتاج المؤمن بعده إلى شرح طويل.

موسى عليه السلام وقومه.

البحر أمامهم.

وفرعون وجنوده وراءهم.

وحين تراءى الجمعان قال أصحاب موسى:

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
الشعراء: 61

وتأمل:

لم يكونوا يتوهمون البحر.

البحر كان أمامهم فعلًا.

ولم يكونوا يبالغون في وجود فرعون.

فرعون كان خلفهم فعلًا.

ولم تكن لديهم سفن مخفية.

ولا جيش ينافس جيشه.

ولا طريق ظاهر للنجاة.

كان وصفهم للمشهد صحيحًا.

لكن الخطأ كان في الحكم الذي بنوه على المشهد.

رأوا الأسباب كلها…

ثم قالوا:

انتهى الأمر.

وهنا قال موسى:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
الشعراء: 62

تأمل كلمة:

﴿كَلَّا﴾.

لم يقل موسى:

لا بحر أمامنا.

ولم يقل:

لا فرعون وراءنا.

ولم ينكر الخطر.

ولم يصف الواقع بوصف زائف حتى يبدو موقنًا.

لكنه رفض شيئًا واحدًا:

أن يكون ما تراه العين هو كل ما في الحساب.

قومه أدخلوا البحر.

وأدخلوا الجيش.

وأدخلوا ضعفهم.

ثم أغلقوا المعادلة.

أما موسى فأدخل الحقيقة التي أسقطوها:

﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾.

وفجأة لم يعد الحساب كما كان.

وهنا يظهر الفرق بين الإيمان وإنكار الواقع.

الإيمان لا يقول:

ليس أمامي بحر.

الإيمان يقول:

البحر ليس ربّي.

لا يقول:

فرعون غير موجود.

بل يقول:

فرعون ليس صاحب الكلمة الأخيرة.

لا يقول:

الأسباب ليست مخيفة.

بل يقول:

الأسباب ليست كل الحقيقة.

وهذا هو اليقين.

أن ترى الواقع كاملًا…

لكن ألا تسقط الله من الحساب.


اليقين قبل أن يظهر الطريق

والأعجب أن موسى قال:

﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

قبل أن ينشق البحر.

وهنا موضع الموعظة كله.

لو انشق البحر أولًا، ثم قال موسى: اطمئنوا، فكل أحد يستطيع أن يطمئن إلى طريق يراه.

لكن الطريق لم يظهر بعد.

واليقين ظهر.

وموسى نبيٌّ مؤيد بوحي الله؛ فليس لنا من هذا المشهد أن نجزم لأنفسنا بنتيجة دنيوية لم يعدنا الله بها، وإنما أن نتعلم أصل المعنى:

ألا نجعل انسداد ما نراه حكمًا على ما يقدر الله عليه.

فالعبد لا يقول:

أنا أعلم أن النتيجة ستكون كما أريد.

بل يقول:

لا أعرف كيف، لكنني أعلم أن عجز خيالي ليس حدًّا لقدرة الله.

وهذه من الجمل التي يحتاج الخائف أن يكررها لنفسه.

لا أعرف كيف سأخرج من هذه الضائقة.

لكن عدم معرفتي ليس برهانًا على أنه لا مخرج.

لا أعرف أين أجد العمل.

لكنني لا أملك الغيب لأقول إن الأبواب انتهت.

لا أعرف كيف ستتغير الظروف.

لكنني لا أعرف كل ما قد يحدث غدًا.

إن التواضع أمام حدود معرفتك ليس ضعفًا.

بل قد يكون جزءًا من اليقين.


حين تتحول خسارة واحدة إلى حكم على العمر كله

تخيل رجلًا بنى عامين من حياته على فرصة مهنية بعينها.

تعلّم لأجلها.

انتظرها.

مر بالمراحل الأولى.

ثم الثانية.

ثم وصل إلى المرحلة الأخيرة.

وبدأ في قلبه يرتب حياته كلها على هذه الوظيفة.

دخلها في حساب دخله.

وحساب زواجه.

وحساب مسكنه.

وحساب السنوات القادمة.

ثم جاءه في مساء عادي بريد قصير:

«نأسف لإبلاغك…»

ما الذي حدث في الواقع؟

خسر وظيفة.

هذا مؤلم.

لكن ما الذي قد يحدث داخل رأسه بعد دقائق؟

«انتهيت.»
«ضيعت عامين.»
«لن تأتيني فرصة كهذه.»
«الآن تأخر كل شيء.»
«لقد ضاع مستقبلي.»

لاحظ الفرق.

الرسالة قالت له:

هذه الوظيفة لم تكن لك.

لكن خوفه ترجمها إلى:

لن تكون لك وظيفة.

الشركة قالت:

لا لهذا الباب.

والقلق قال:

لا لكل الأبواب.

وهنا يبدأ الخطأ.

هل انتهت هذه الفرصة؟

نعم.

هل انتهت جميع الفرص التي ستعرض عليه طوال عمره؟

لا يعلم.

هل يعرف الناس الذين سيلتقيهم بعد ستة أشهر؟

لا.

هل يعرف بابًا قد يفتح بسبب لم يخطر له؟

لا.

هل يعلم أن هذه الوظيفة لو قُبلت كانت خيرًا له أصلًا؟

لا.

كل ما يملكه هو معلومة واحدة.

لكن القلق يحب أن يبني من معلومة واحدة حكمًا على العمر كله.

ولهذا لا تقلل من ألم الإنسان…

ولكن لا تسمح لألمه أن يتحول إلى نبوءة.


الثقة بالله ليست ضمان السيناريو

وهنا نصل إلى معنى أدق.

قد تقول:

أنا واثق بالله أن هذه الوظيفة ستكون لي.

أنا واثق بالله أن هذا الباب سيفتح.

أنا واثق بالله أن هذا الشخص سيعود.

لكن هل هذا هو اليقين بالله حقًا؟

ليس بالضرورة.

فقد تكون واثقًا بالنتيجة التي تريدها، ثم وضعت اسم الله عليها حتى تشعر بالأمان.

والاختبار الحقيقي بسيط:

ماذا لو لم تأتِ النتيجة؟

هل يبقى الله في قلبك كما كان؟

إذا لم تُقبل الوظيفة…

هل يتغير ظنك بالله؟

إذا لم يعد الإنسان…

هل تسقط معرفتك برحمة الله؟

إذا أغلق الباب الذي دعوت طويلًا أن يفتح…

هل تصبح حكمة الله عندك محل شك؟

هنا تعرف الفرق بين الثقة والسيناريو:

أن تثق بالله.

وأن تثق بأن الله سيعطيك الصورة التي تريدها.

الأول عبودية.

والثاني قد يكون تعلقًا بالنتيجة في ثوب ديني.

فاليقين ليس أن تقول:

أنا متأكد أن ما أريد سيحدث.

بل أن تقول:

سأسأل الله ما أريد، وأسعى إليه، وأدعوه به، لكنني لن أجعل معرفتي بالله رهينة أن يحقق لي السيناريو الذي رسمته.

فإن جاء ما أحب، حمدته.

وإن اختار لي غيره، لم أقل إن ربي تغير.

لأن الله لا يصبح حكيمًا عندما أفهم حكمته.

ولا يصبح رحيمًا عندما يعجبني قدره.

ولا يصبح لطيفًا فقط عندما أرى اللطف بعيني.

كماله ثابت…

أما بصري أنا فمحدود.


والله يعلم وأنتم لا تعلمون

وهنا يخطئ القلب مرة أخرى.

يقول:

لو كان في هذا خير، لرأيته الآن.

لو كان الله يدبر لي لطفًا، لشعرت باللطف.

لو كان سيأتي الفرج، لظهرت علاماته.

لكن منذ متى أصبح عدم رؤيتك للشيء دليلًا على عدم وجوده؟

قال الله تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
البقرة: 216

هذه الآية لا تمنحك تفسيرًا لكل ألم.

بل تمنحك شيئًا أهم:

تعيدك إلى حجمك المعرفي الصحيح.

أنت لا تعلم.

وهذا ليس عيبًا.

هذا وصفك كعبد.

ترى الصفحة الحالية.

ولا ترى الكتاب كله.

تعرف أثر القرار اليوم.

ولا تعرف امتداداته بعد سنوات.

تعرف ما فقدته.

ولا تعرف ما كان سيأتي معه لو بقي.

تعرف أن الباب أُغلق.

ولا تعرف ما كان خلفه.

ولهذا قد لا يكون مطلوبًا منك في كل مرة أن تفهم.

لكن المطلوب ألا تجعل جهلك بالحكمة دليلًا على غياب الحكمة.

فقد تبقى بعض الأقدار في الدنيا بلا تفسير يرضي فضولك.

والتسليم ليس صفقة تقول فيها:

سأثق بك الآن إذا شرحت لي لاحقًا لماذا فعلت هذا.

الإيمان أعمق.

أن تقول:

قد لا أعرف لماذا، لكن جهلي لا يبطل علم الله.

عليك السبب وليس عليك امتلاك النتيجة

ثم هناك عبء آخر يحمله الإنسان فوق طاقته.

هو لا يريد فقط أن يسعى.

يريد أن يضمن.

لا يريد فقط أن يزرع.

يريد أن يفتح البذرة بيده ويتأكد أنها ستنبت.

لا يريد فقط أن يتداوى.

يريد ضمان الشفاء.

لا يريد فقط أن يقدم الطلب.

يريد أن يملك قلب من سيقرر.

لا يريد فقط أن يعمل اليوم.

يريد أن يحمل غدًا كاملًا على كتفه الليلة.

ولهذا ينهكه التفكير.

لأنه لا يؤدي وظيفة الإنسان فقط…

بل يحاول أن يؤدي وظيفة القدر أيضًا.

وهذا مستحيل.

عليك السبب، وليس عليك امتلاك النتيجة.

وهذه ليست دعوة إلى التراخي.

بل إلى العبودية.

افعل كل ما تستطيع.

راجع الطبيب.

أعد الحسابات.

تعلم.

تقدم.

اسأل.

غيّر الخطة إن احتاجت إلى تغيير.

استشر من هو أعلم منك.

اطرق بابًا ثانيًا وثالثًا.

لكن حين تصل إلى الحد الذي ليس لك فيه فعل…

لا تتحول إلى عبد للقلق.

فليس مطلوبًا منك أن تعرف الغد كله حتى تعرف واجبك اليوم.

افعل واجب اليوم.

واترك لله ما لم يضعه في يدك.


حين يقول لك الخوف: انتهى الأمر

وحين يقول لك الخوف:

«انتهى الأمر»…

اسأله:

ما الذي انتهى تحديدًا؟

هل انتهت قدرة الله؟

أم انتهت حيلتي أنا؟

هل انتهت جميع الطرق؟

أم انتهت الطرق التي أعرفها؟

هل ثبت أن لا خير فيما سيأتي؟

أم أنني فقط لا أراه الآن؟

هل أعلم الغيب؟

أم أن خوفي يتكلم بلسان من يعلمه؟

هذه الأسئلة لا تنهي الأزمة.

لكنها تنهي شيئًا أخطر:

ادعاء الخوف أنه يملك الحقيقة كاملة.

فالخوف يبدأ أحيانًا إحساسًا…

ثم يتحول إلى متنبئ.

يقول:

لن يتغير شيء.

لن تجد بديلًا.

لن يفتح باب.

سيزداد الأمر سوءًا.

ثم يبدأ قلبك يدفع ثمن أحداث لم تقع.

فذكّره:

أنت خائف، ولست عالمًا بالغيب.

أعد الله إلى مركز المشهد

وهنا يتغير السؤال.

لا تعود تسأل فقط:

كيف سأخرج؟

بل:

من بيده المخرج؟

لا تقول فقط:

من أين يأتي الرزق؟

بل تتذكر:

من هو الرزاق؟

لا تنظر إلى الباب وحده.

بل تتذكر:

من هو الفتاح؟

لا تنظر إلى ضعفك فقط.

بل تتذكر:

من هو القدير؟

وحين تقول:

لا أفهم.

تتذكر:

من هو الحكيم؟

وهنا تصبح أسماء الله أكثر من معلومات محفوظة.

تصبح جوابًا على شيء حيٍّ يؤلمك.

ليس معنى ذلك أن الاسم الشريف يلغي الألم.

بل أن معرفتك بالله تمنع الألم من أن يتحول إلى عقيدة فاسدة عن الله.


ما الذي يستطيع القلب أن يقوله؟

وهنا يستطيع القلب أن يقول:

يا رب…

سأفعل ما أستطيع.

لكنني لن أجعل حدود استطاعتي حدودًا لقدرتك.

وسأطرق الأبواب.

لكنني لن أجعل بابًا واحدًا ربًّا.

وسآخذ بالأسباب.

لكنني لن أسمح لها أن تأخذ قلبي.

وإذا لم أفهم كيف ستتغير الأمور، فلن أجعل عجز خيالي حكمًا على تدبيرك.

وإذا أغلق بشر بابًا، فلن أتصور أن خزائنك أغلقت معه.

وإذا لم أر الطريق…

فسأقول فقط:

لا أراه.

ولن أضيف من عندي:

لا يوجد.

عدم رؤيتك للطريق وصف لبصرك لا حكم على قدرة الله

يا صاحب الشدة…

قد تكون مشكلتك كبيرة فعلًا.

وقد لا يكون الطريق واضحًا.

وقد تكون خائفًا.

لكن اليقين لا يبدأ من تصغير ما يؤلمك.

بل من إعادة الله إلى مركز المشهد.

البحر كبير.

لكن الله رب البحر.

وفرعون قوي.

لكن الله رب فرعون.

والباب مغلق.

لكن الله ليس خلف الباب حتى يُغلق عليه.

والرزق قلّ.

لكن خزائن الله لم تقل.

والناس قالوا: لا.

لكن الناس لم يكونوا يومًا هم القدر.

ولهذا لم تكن عظمة قول موسى:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

في إنكار البحر.

بل في رفض أن يكون البحر هو الذي يعرّف النهاية.


فحين يخبرك عقلك أن الأمر انتهى…

لا تسأله فقط:

ماذا ترى؟

اسأله:

وماذا لا ترى؟

أنت ترى الباب المغلق.

لكن لا ترى كل الأبواب.

ترى السبب الذي سقط.

لكن لا ترى جميع الأسباب التي قد يسوقها الله.

ترى هذه الصفحة.

لكن لا ترى ما بعدها.

ولهذا ليس اليقين أن تدّعي معرفة المستقبل.

بل أن تعرف حدود معرفتك…

وأن تعرف ربك.

أن تقول:

لا أعرف كيف.

ولا أعرف متى.

ولا أعرف هل يكون الخير في الشيء الذي أطلبه أو في غيره.

لكنني أعرف:

أن ما أراه ليس كل ما هناك.

وأن الله لم يخرج من الحساب.

وأن ما أراده لي من فضل لا يرده أحد.

وأنني سأفعل ما أستطيع، ثم لن أعذب قلبي بمحاولة امتلاك ما لم يضعه الله في يدي.

لا أعرف… لكن الله يعلم.
لا أرى… لكن الله يرى.
لا أملك… لكن الله يملك.
انتهت حيلتي… ولم تنته قدرته.

فإذا انتهت خريطتك، فلا تقل:

انتهت الطرق.

قل:

هنا انتهى ما أعرفه أنا.

وإذا لم تجد مخرجًا، فلا تقل:

لا مخرج.

قل:

أنا لا أراه بعد.

وإذا أغلق بشر بابًا، فلا تجعل صوت إغلاقه أعلى في قلبك من قول الله:

﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾.

وإذا أحاطت بك الأسباب كما أحاط البحر والعدو بموسى، فلا تنكرها.

انظر إليها كاملة.

ثم أضف إلى الحساب ما ينساه الخوف دائمًا:

الله.

وحين يقول لك الخوف:

«لكنني لا أرى طريقًا»…

فقل:

هذا صحيح. ولكن عدم رؤيتي للطريق وصفٌ لبصري… لا حكمٌ على قدرة الله.

فقد تنتهي خريطتك.

وقد تنتهي حيلتك.

وقد تنتهي الأسباب التي تعرفها.

لكن قدرة الله لم تبدأ يومًا من حدود معرفتك… حتى تنتهي عندها.

```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0