هل رجاؤك بالله عجز عن تقبّل النهاية؟ الفرق بين الرجاء والتعلّق

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

ليس كلُّ ما يُتعب القلب ألمًا.

فمن التعب ما تصنعه الأيام حين تطول، والأبواب حين توصد، والدعوات حين ترتفع فلا ترى لها في الأرض جوابًا.

تدعو.
وتنتظر.
وتصبر.

ثم تمضي الأيام كأنها لا تسمع رجفة قلبك.

وهنا تبدأ محنة أخرى.

ليست محنة ما فقدت، بل محنة ما بقي فيك من رجاء.

فتقول:

أأنا راجٍ بالله… أم عاجز عن التسليم؟

أهذا أمل… أم تعلّق؟

أحسن الظن بربي… أم أخدع نفسي لأن قلبي لا يقوى على كلمة: انتهى؟

وتلك ساعة شديدة.

فإن المرء إذا شك في رجائه، فقد شك في آخر ما كان يستند إليه.

فيصبح الوجع وجعين:

وجع المطلوب الذي غاب.
ووجع الرجاء الذي صار متهمًا.

شخص يجلس تحت المطر أمام ضوء يشق الغيوم تعبيرًا عن الرجاء بالله مع طول الانتظار والخوف من النهاية
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

ليس كل رجاء هروبًا من الحقيقة

اعلم أن رؤية الواقع شيء، والحكم على الغيب شيء آخر.

لك أن تقول:

انقطعت الأسباب.
وأُغلقت الأبواب.
ولم يظهر لي طريق.
وطال عليّ الانتظار.
ووهنت نفسي.

هذا كله حق.

أما أن تقول:

إذن انتهى كل شيء.

فذلك حكم لا تملكه.

وقد تكون هناك أشياء تنتهي فعلًا، ويثبت انتهاؤها بما لا مجال لإنكاره.

والرجاء بالله لا يطلب منك أن تكذّب الواقع إذا ثبت، ولا أن تبقى واقفًا عند باب انتهى أمره.

فإذا ثبتت نهاية شيء، فاقبل نهاية الشيء، ولا تجعلها نهاية الخير.

فقد ينتهي باب، ولا تنتهي رحمة الله.
وقد يفوت مطلوب، ولا يفوت لطفه.
وقد تُغلق قصة بعينها، ويبقى من قدر الله لك ما لم تبدأ قصته بعد.

فكما لا يحق لك أن تعلن النهاية لأنك لم تعد ترى الطريق، لا يحق لك أيضًا أن تنكر نهاية ثبتت باسم الرجاء.

الرجاء بالله ليس إنكارًا للواقع؛ بل ألا تجعل حدود الواقع حدودًا لرحمة الله.

إن بين قولك:

لا أرى طريقًا

وقولك:

لا طريق

مسافةً لا يقطعها إلا علم الغيب.

وبين:

لم يقع الأمر بعد

و:

لن يقع أبدًا

بحرٌ لا يعبره ظنٌّ ولا خوف.

وقد يصف الإنسان واقعه فيصدق.

ثم يصف مستقبله فيتجاوز.

فاحذر أن تجعل عجز بصرك دليلًا على خلو الطريق.

وأن تجعل تأخر الأمر برهانًا على امتناعه.

فأنت تعلم ما كان.

وترى بعض ما هو كائن.

أما ما سيكون، فدونه ستر الله.

وحين تتشابه الأيام… وتشتدّ الأمور

ولكن الأمر لا يكون دائمًا مجرد انتظار ساكن.

فقد تتكرر الأيام حتى تظن أنك تعيش يومًا واحدًا لا ينتهي.

تستيقظ على الهم نفسه.
وتنام على السؤال نفسه.
وتمر الأسابيع.
ثم الشهور.

ولا ترى إلا المشهد ذاته يعيد نفسه بأشكال مختلفة.

بل قد يشتد الأمر.

ويضيق ما كان ضيقًا.

وتنقطع أسباب كنت تظن أنها باقية.

ويُغلق باب كنت تحسبه آخر الأبواب.

ويأتيك من الواقع ما يكاد يقول لك:

أما آن لك أن تفهم؟

أما آن لك أن تكفّ عن الرجاء؟

وهنا يشتد الامتحان.

لأنك لا تعود تقاوم غياب الجواب فحسب.

بل تقاوم تراكم ما يبدو لك كأنه أدلة على أن الجواب لن يأتي.

فتقول:

كم مرة سأعيد الدعاء نفسه؟

وكم مرة سأرفع هذا القلب بعدما يسقط؟

وكم صباحًا آخر سأفتحه على الوجع نفسه؟

وإلى متى أقول: لعلّ؟

وهذا سؤال موجع.

فالإنسان لا يتعب من المصيبة وحدها.

بل من تكرارها.

ومن تشابه أيامه.

ومن أن يفتح عينيه كل صباح، فيجد أن ما أبكاه بالأمس ما زال جالسًا في موضعه.

وقد يكون أشد من ذلك أن ترى الأمور تسوء بعد الدعاء، لا أن تبقى على حالها.

فتقول:

يا رب، دعوتك بالفرج، فاشتد الضيق.

وسألتك أن يُفتح الباب، فإذا بأبواب أخرى تُغلق.

ورجوت أن يخف الحمل، فإذا به يثقل.

وهنا لا يحتاج القلب إلى العبارة السهلة:

اصبر، فكل شيء سيتغير قريبًا.

فأنت لا تعلم متى يتغير.

ولا كيف.

ولا إلى أي صورة سينتهي.

ولكنك تعلم شيئًا:

اشتداد الواقع لا يحوّله إلى علم بالغيب.

ترى الأسباب تنقص.

لكنّك لا ترى علم الله.

وترى الطريق يضيق.

لكنّك لا ترى ما وراء الطريق.

وترى اليوم يعيد الأمس.

لكنّك لا تملك الغد حتى تحكم أنه سيعيد اليوم.

ومن خدع الألم إذا طال أنه يقنعك أن الحاضر قدر دائم.

وأن ما تراه اليوم هو شكل ما ستراه دائمًا.

حتى يصبح تكرار الأيام عندك نبوءة.

فلا تجعل تكرار الأيام نبوءة.

ولا تجعل اشتداد الأمر حكمًا أخيرًا.

قل:

هذا يوم شديد.

ولا تقل:

إذن ستكون حياتي كلها شديدة.

قل:

الأمر ازداد تعقيدًا.

ولا تقل:

إذن لن يُفتح أبدًا.

قل:

لا أرى انفراجًا.

ولا تقل:

لا انفراج في علم الله.

فالعبد مأمور أن يصدق فيما يرى، لا أن يدّعي علم ما لا يرى.

ولكن ماذا نملك حين يذبل القلب؟

نعم.

قد تشتد الأمور.

وقد يتكرر الألم.

وقد تتشابه الأيام حتى يذبل القلب، وتفتر الهمة، ويثقل على النفس أن تبدأ صباحًا جديدًا بالوجع نفسه.

وقد تنظر إلى الواقع فلا ترى إلا انسدادًا.

وتنظر إلى ما ترجوه فتراه بعيدًا.

وتنظر إلى الأسباب المعتادة فتجدها عاجزة عن أن تحملك إليه.

وحين يبلغ بك التعب هذا المبلغ، يبقى سؤال لا ينبغي أن تهرب منه:

هل تستطيع أن تقول بيقين إن الله أهملك؟

هل تستطيع أن تقول إن الله حرمك رحمته؟

إنه نسيك؟

إنه تركك؟

إنه كتب عليك أن تبقى خارج لطفه؟

لا.

قد تقول:

أنا متعب.

وهذا حق.

وقد تقول:

الأمور اشتدت.

وهذا حق.

وقد تقول:

لا أفهم.

وهذا حق.

وقد تقول:

لا أرى مخرجًا.

وهذا أيضًا حق.

أما أن تقول:

إن الله أهملني.

أو:

إن رحمته انقطعت عني.

فمن أين أتيت بهذا الحكم؟

وقد قال الله سبحانه:

﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾

وقال:

﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

فقف هنا.

واسأل قلبك:

من أصدق قولًا؟

الله…
أم الألم؟

الله…
أم الأيام حين تتشابه؟

الله…
أم الخوف حين يملأ صدرك، ثم يطلب منك أن تصدقه في غد لم يره؟

الألم يقول:

لن يتغير شيء.

لكن الألم لا يعلم الغيب.

وتشابه الأيام يقول:

غدك نسخة من أمسك.

لكن الأيام لا تملك الغد.

والواقع يقول:

لا أرى سبيلًا.

لكنه لم يقل:

لا سبيل عند الله.

والأسباب تقول:

بلغنا آخر ما نستطيع.

لكن الأسباب لم تكن يومًا هي التي تملك الأمر.

الأمر لله.

وهذا هو موضع اليقين.

ليس يقينك أن ما تريد سيأتي بالصورة التي تريد.

ولا أن الفرج غدًا.

ولا أن الباب الذي اخترته أنت سيُفتح بعينه.

ولكن يقينك أرسخ من ذلك:

أنك في يد رب رحيم.

لطيف.

رؤوف.

عليم.

لا يغيب عنه وجعك.

ولا يخفى عليه ضعفك.

ولا ينسى دعاءً خرج من قلبك.

ولا يعجزه ما أعياك.

ومن أصدق قولًا: الله أم الألم؟

هذه هي القضية كلها.

حين يقول لك الألم:

أُهملت.

ويقول الله:

﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾

فأي القولين أصدق؟

وحين تقول لك الوحشة:

أنت وحدك.

ويخبرك ربك أنه بالناس رؤوف رحيم…

فبأي الخبرين يليق بقلب المؤمن أن يستمسك؟

ليس معنى هذا أن تنكر وجعك.

بل أن تعرف حدوده.

فالألم يخبرك عن حالك.

لكنه لا يخبرك عن ربك.

والألم يصف ما تشعر به.

لكنه لا يملك أن يصف لك ما يدبره الله.

والألم شاهد على أنك موجوع.

وليس شاهدًا على أنك مهمل.

وتشابه الأيام شاهد على أن الأمر طال.

وليس شاهدًا على أن الرحمة غابت.

واشتداد الأسباب شاهد على ضعفك.

وليس شاهدًا على ضعف قدرة الله.

فلا تعطِ الألم سلطةً لم يعطه الله إياها.

ولا تجعل شعور ساعة واحدة أصدق عندك من خبر الله عن نفسه.

ثم انظر وراءك

وإن عجز قلبك عن النظر إلى الغيب، فانظر قليلًا إلى ما مضى.

كم من شدة مرّت بك يومًا وظننت أنك لن تخرج منها؟

كم من أمر بدا معقدًا حتى عجزت عن تخيل مخرجه؟

كم من ليلة قلت فيها:

لا أدري كيف سينتهي هذا؟

ثم انتهى.

كم من باب ظننته آخر الأبواب، ثم فتح الله لك من جهة لم تكن تحسبها أصلًا؟

وكم مرة جاء الحل لا على الصورة التي رسمتها، ولا في الوقت الذي حددته، ولا من الطريق الذي ظننته؟

ثم فجأة…

وجدت نفسك خارج الشدة.

تلتفت إليها بعد زمن، فتكاد تتعجب:

كيف عبرت كل هذا؟

قد لا تستطيع الآن أن تذكر اللحظة التي بدأ عندها الفرج.

ربما جاء على خطوات صغيرة.

وربما جاء من سبب لم يكن في حسابك.

وربما انقلب أمر كامل بجملة، أو خبر، أو لقاء، أو باب لم تكن تعلم أنه موجود.

لكن الحقيقة بقيت:

أشياء كثيرة ظننت يومًا أنك لن تخرج منها… ثم خرجت.

فلماذا تنسى الذاكرة كل ذلك حين تأتي شدة جديدة؟

ولماذا تقول في كل مرة:

هذه مختلفة؟

نعم.

قد تكون مختلفة.

لكن ربك ليس مختلفًا.

قد تكون أشد.

ولكن قدرة الله لم تنقص.

قد يكون الطريق أعقد.

ولكن علم الله لم يتغير.

قد تقل الأسباب.

ولكن خزائن الله لم تقل.

قد يغيب الحل عنك.

ولكنه لا يغيب عن الله.

وهذا هو القياس الذي نملكه.

أن ننظر إلى أنفسنا فنقول:

لا أستطيع.

ثم ننظر إلى ربنا فنقول:

ولكن الله يستطيع.

ولكن… كيف عبرت الشدة نفسها؟

ولا تنظر فقط إلى اللحظة التي خرجت فيها من الشدة.

انظر إلى الشدة وهي في ذروتها.

واسأل نفسك سؤالًا صادقًا:

تلك اللحظات العصيبة المؤلمة الشديدة… هل واجهتها وحدك حقًا؟

هل تُركت لقلبك وحده؟

هل حملت الألم كله دفعةً واحدة؟

أم كان هناك لطف يحيط بك وأنت لا تكاد تنتبه إليه من شدة الوجع؟

ألم يكن هناك تثبيت يأتيك كلما أوشكت أن تسقط؟

سكينة في لحظة.

أو كلمة وصلت في وقتها.

أو شخص سخّره الله لك.

أو دمعة خففت ما في صدرك.

أو قوة لا تعرف من أين جاءت.

أو نوم أتاك بعد ليلة ظننت أنك لن تستطيع أن تغمض فيها عينيك.

أو صباح قمت فيه من فراشك مع أنك كنت في الليلة السابقة تظن أنك لن تقوى على يوم آخر.

أو صلاة خرجت منها أخف قليلًا.

أو دعاء قلت بعده:

ما زلت موجوعًا…

لكنني أستطيع أن أكمل.

فاسأل نفسك مرة أخرى:

هل حملت الألم كله؟

أم حملت منه ما أقدرك الله على حمله في كل لحظة؟

هل أذاقك الألم كل ما كان يمكن أن يذيقك إياه؟

أم كان بينك وبين كثير منه لطف لا تراه؟

وكم مرة ظننت أنك ستنهار…

ثم لم تنهَر؟

وكم مرة قلت:

لا أستطيع أكثر.

ثم جاءك من التثبيت ما حملك إلى اليوم التالي؟

وكم مرة ضاق صدرك حتى حسبت أن لا موضع فيه لنَفَس آخر…

ثم اتسع؟

قد لا يكون اللطف قد جاء بالصورة التي كنت تنتظرها.

لم يُفتح الباب بعد.

ولم ينته الوجع بعد.

ولم تحصل بعد على ما دعوت به.

لكن هل يعني هذا أن اللطف كان غائبًا؟

أم أن بعض اللطف كان هو أنك بقيت قائمًا إلى اليوم؟

أنك عبرت ليالي كنت تظن أنها لن تمر.

وأن قلبك، مع كل ما مر به، ما زال يعرف طريقه إلى الله.

أنك ما زلت تدعو.

وما زلت تسأل.

وما زلت، رغم كل ما فيك، تستطيع أن تقول:

يا رب.

فلا تنظر إلى لطف الله فقط في صورة أن يعطيك ما تريد.

انظر إلى لطفه في كل ما حملك به حتى وصلت إلى هذه اللحظة.

في الأشياء التي لم تُكسر فيك رغم شدة الضربة.

في القوة التي لم تكن تعلم أنها ستأتيك.

في اللحظات التي كان ينبغي بحسب حسابك أنت أن تسقط فيها…

ثم وجدت نفسك واقفًا.

فهل تستطيع حقًا أن تنكر هذا كله؟

هل تستطيع أن تقول:

لم يكن هناك لطف؟

لم تكن هناك رحمة؟

لم يكن هناك تثبيت؟

إن القلب حين يشتد عليه الألم ينسى أحيانًا مقدار ما حُمل عنه، لأنه منشغل بمقدار ما بقي عليه.

يرى الثقل الذي ما زال يحمله.

ولا يرى كم من الثقل لم يُترك له أصلًا.

يرى ما يؤلمه.

ولا يرى كم مرة لطف الله به داخل الألم نفسه.

فإذا كان الله قد لطف بك داخل الشدة، وثبّتك أثناء الألم، وحملك في مواضع لم تكن تظن أنك ستعبرها…

فلماذا تقول الآن: انتهى أمري؟

من الذي حملك إلى هنا؟

ومن الذي أعان قلبك على أن يبقى حيًا إلى هذه اللحظة؟

ومن الذي مرّر بك تلك الساعات التي كنت تظن أنها ستكسرك؟

أليس الذي لطف بك في أول الطريق قادرًا أن يلطف بك في آخره؟

وأليس الذي ثبّتك فيما مضى قادرًا أن يثبتك فيما بقي؟

ليس هذا وعدًا بأن النهاية ستكون كما تريد.

ولا أن مطلوبك سيأتي بعينه.

ولكنه شاهد قريب تعرفه من حياتك:

أنك لم تكن وحدك.

وأن الألم، مهما اشتد، لم يكن كل ما في المشهد.

كان هناك ألم.

نعم.

لكن كان هناك أيضًا لطف.

وكان هناك تثبيت.

وكانت هناك رحمة تعمل في الخفاء.

فلا تنظر إلى ما آلمك وحده، ثم تقول:

هذا كل ما كان.

بل قل:

كان الألم حاضرًا… وكان لطف الله حاضرًا أيضًا.

فإذا شهد ماضيك أن لطف الله لم يغب عنك في أشد الساعات…

فلا تجعل خوفك من الغد يقنعك أن الرحمة انتهت اليوم.

لا تقس قدرة الله بمقياس الأسباب

ربما تنظر إلى ما تنتظره فتقول:

الواقع مظلم.

الأمر شديد التعقيد.

الأسباب المعتادة لا تكفي.

ما أرجوه بعيد.

والطريق إليه شبه مستحيل.

وكأن الأمر يحتاج إلى شيء لا تملكه الأسباب.

ولكن انتبه:

هذه كلها مقاييسك أنت.

أنت تقول:

صعب.

لأنك ضعيف.

بعيد.

لأنك محدود.

معقد.

لأنك لا ترى إلا بعض أطراف المسألة.

مستحيل تقريبًا.

لأنك تقيس بما تعرفه من سنن الناس وقدرتهم وأسبابهم.

أما ربنا سبحانه…

فبأي مقياس نقيس قدرته؟

الملك ملكه.

والأمر أمره.

والخلق خلقه.

والأسباب أسبابه.

والقلوب بيده.

والطرق بعلمه.

وما غاب عنك حاضر عنده.

وما استعصى عليك لا يستعصي عليه.

وما أعجز الناس جميعًا لا يُعجز رب الناس.

قال سبحانه:

﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾

فتأمل:

﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾

ثم تأمل:

﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾

فإذا أراد الله كشف ضر، فمن يحبسه؟

وإذا أراد بك خيرًا، فمن يرد فضله؟

ليس لأننا نُسقط الأسباب.

ولا لأننا نترك الأخذ بها.

بل لأننا نعرف منزلتها.

نأخذ بها.

ولا نعبدها.

نستعملها.

ولا نجعلها آلهة صغيرة نقول إذا انتهت:

انتهى كل شيء.

فإذا عجز السبب…

لم يعجز رب السبب.

وإذا أُغلق الباب…

لم تنفد أبواب الله.

وإذا غاب المخرج عن عينك…

لم يغب عن علمه.

لا تقل: الأمر يحتاج معجزة

وقد يبلغ بك العجز أن تقول:

ما أرجوه الآن يحتاج إلى معجزة.

يحتاج إلى شيء خارق.

يحتاج إلى أمر لا أعرف كيف يمكن أن يقع.

ولكن ربما الأدق أن تقول:

أنا لا أعرف كيف يقع.

فهذه جملة تليق بحدودك.

أما الله، فلا يحتاج إلى أن تفهم أنت الطريق حتى يفتحه.

ولا يحتاج إلى أن ترى السبب حتى يخلقه.

ولا يحتاج إلى أن تتصور الكيفية حتى يُجريها.

كم من أمر وقع في حياتك ولم يخطر لك طريقه قبل وقوعه؟

وكم من شيء لو سُئلت عنه قبل أشهر:

كيف يمكن أن يحدث؟

لقلت:

لا أدري.

ثم حدث.

فلا تجعل جهل الكيفية حجة على استحالة الوقوع.

قل:

لا أعرف كيف.

ولا أعرف من أين.

ولا أعرف متى.

ثم قف.

ولا تضف من عندك:

إذن لا يمكن.

لأن بين الجملتين فرقًا عظيمًا.

الأولى اعتراف بحدودك.

والثانية حكم على قدرة الله.

قل للواقع ما هو حق… ولا تعطِه أكثر من حقه

قل:

نعم، الواقع مظلم في عيني.

ثم قل:

لكن الله قادر أن يخلق في هذا الظلام فجرًا لم أر طريقه بعد.

قل:

نعم، الأمر معقد.

ثم قل:

ولكن تعقيده عندي لا يعني تعقيده على الله.

قل:

الأسباب التي أعرفها لا تكفي.

ثم قل:

لكن الله لم يحصر قدرته في الأسباب التي أعرفها.

قل:

لا أعرف كيف يأتي الفرج.

ثم قل:

لكن الله يعلم.

قل:

لا أرى الطريق.

ثم قل:

لكن الله يراه.

قل:

لا أملك الأمر.

ثم قل:

لكن الأمر كله لله.

وهذا هو ما نملكه حين تتشابه الأيام.

لا نملك علم الغيب.

ولا نملك موعد الفرج.

ولا نملك ضمان الصورة التي نحب.

لكن نملك شيئًا أعظم:

نعرف ربنا.

نعرف أنه لطيف بعباده.

وأنه بالناس لرؤوف رحيم.

ونعرف أنه لا يعجزه شيء.

ونعرف أن ملك السماوات والأرض له.

فإذا ضاعت منك التفاصيل…

فتمسك بالأصل.

لا تُطالب قلبك أن يكون حجرًا

ومع ذلك كله، لا تطلب من نفسك ألا تتعب.

الرضا ليس موت الشعور.

ولا التسليم أن تفقد الرغبة.

ولا حسن الظن بالله أن تكفّ عن البكاء.

قد تكون راضيًا وقلبك موجوع.

وقد تكون متوكلًا وأنت خائف.

وقد تحسن الظن بالله وأنت لا تفهم شيئًا مما يجري.

ليس الإيمان أن تقول للألم:

لست ألمًا.

بل أن تقول:

أنت ألم… ولكنك لست ربّي.

وليس الرضا أن تقول للخسارة:

لم تؤذني.

بل أن تقول:

آلمتني… ولكنك لن تجعلني أسيء الظن بالله.

قل:

يا رب، إني أريد هذا.

وأحبه.

وأرجوه.

وقد أضناني انتظاره.

ولكني لا أريد أن أجعل سلامي كله رهينة به.

ولا حياتي كلها معلقة على بابه.

ولا قلبي أسيرًا لصورة واحدة من قضائك.

وهذا هو التفويض.

أن تبقى الرغبة…

ولا تبقى العبودية لها.

إنما الخطر أن تجعل الرجاء صورة واحدة

ما أكثر ما نقول: نحن نرجو الله.

ثم نكون، في خفاء قلوبنا، لا نرجو إلا صورة بعينها.

شخصًا بعينه.

عملًا بعينه.

زواجًا بعينه.

شفاءً على هيئة معينة.

موعدًا محددًا.

بابًا واحدًا لا نرى الخير إلا من ورائه.

ثم نقول:

الله لن يضيعني.

ونعني في أعماقنا:

إذن لا بد أن يعطيني هذا.

وهنا يختلط الرجاء بالتعلّق.

فالرجاء بالله أوسع من رغبتك.

وأرحب من تصورك.

وأعظم من الباب الذي وقفت عنده حتى حسبت أن الرحمة كلها خلفه.

رحمة الله لا يحبسها باب.

ولا يختصرها شخص.

ولا تنتهي بانتهاء فرصة.

ولا تضيق لأن ما تمنيت لم يقع.

قال الله تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

فتأمل آخرها:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

وهذه وحدها تكفي لتضع القلب في موضعه.

أنت تعلم أنك تحب.

ولكنك لا تعلم العاقبة.

تعلم أنك تتألم.

ولكنك لا تعلم ما صُرف عنك.

تعلم أن بابًا أُغلق.

ولكنك لا تعلم ما وراءه لو فُتح.

ولا ما أعد الله لك وراء باب لم يخطر ببالك أن تطرقه.

فليس كل فائت شرًا.

وليس كل ممنوع حرمانًا.

وليس كل تأخير هجرًا.

قد تُمنع من شيء، ولا تكون من المحرومين

إياك أن تجعل حادثة تعريفًا.

وأن تجعل بابًا مغلقًا عنوان حياتك.

هناك فرق عظيم بين أن تقول:

لم أحصل على هذا.

وأن تقول:

أنا محروم.

الأولى خبر عن واقعة.

والثانية حكم على العمر كله.

فمن أعطاك علم الغد؟

ومن أراك خزائن الله حتى قلت: انتهى نصيبي؟

ومن كشف لك ما وراء الأبواب حتى جزمت أن الخير كان هناك وحده؟

ربما فاتك شيء.

لكن فوات الشيء لا يعني أن الخير فات معه.

الألم حجة على أنك تتألم.

وليس حجة على أنك محروم.

والحزن شاهد على فقدك.

لا شاهد على أن الله تركك.

وتعبك ليس تهمة في إيمانك

قد يطول الطريق حتى يقول العبد:

يا رب، تعبت.

فلا تجعل من هذه الكلمة محكمة لنفسك.

لا تقل:

لو كان يقيني قويًا لما انهرت.

ولو كنت راضيًا لما بكيت.

ولو كان توكلي صادقًا لما ضعفت.

فالقلوب تُجهد.

والنفوس تكلّ.

والعبد عبد من لحم ودم.

ويعقوب عليه السلام قال:

﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾

فلم يكن الحزن نقيضًا للرجاء.

بل حمل حزنه إلى الله.

فإذا ضاق صدرك، فاشكُ إليه.

وإذا بكيت، فابكِ بين يديه.

ولا تجعل الدمع خصمًا لليقين.

ولست مطالبًا أن تعرف خاتمة الحكاية الآن

من عذاب النفس أنها تريد جواب الغد اليوم.

هل سيحدث؟

هل لن يحدث؟

هل أستمر؟

هل أنصرف؟

هل هذا تأخير؟

أم النهاية؟

وتظل تسأل حتى يصبح السؤال نفسه عذابًا.

وربما كان من تمام العبودية أن تقول:

لا أعلم.

لا أعلم ما سيأتي.

ولا أعلم هل أنال ما دعوت به.

ولا أعلم هل اختار الله لي غيره.

لكنني أعلم من ربّي.

وأعلم ما عليّ اليوم.

أن أعيش يومي.

وأن آخذ بما أستطيع من الأسباب.

وأن أحفظ قلبي.

وأن أدعو الله.

ثم لا أطالب الغيب بأن يكشف لي سره قبل أوانه.

ليس عليك أن تعرف النهاية.

عليك أن تعرف رب النهاية.

لا تقتل الأمل باسم الرضا

وحين يتعب بعض الناس، يقسو على قلبه.

يقول:

انتهى الأمر.

لا تدعُ.

لا تأمل.

لا تنتظر.

اقتلع الرغبة من نفسك.

كأن الرضا لا يصح إلا إذا مات الأمل.

وليس الأمر كذلك.

يمكنك أن تتمنى وتسلّم.

أن تحب وتفوّض.

أن تدعو ولا تتعلّق.

أن تقول:

يا رب، ما زلت أريده.

ولكني لا أريده أكثر منك.

ولا أريد أن يتحول رجائي في عطائك إلى اعتراض إن جاء عطاؤك على غير ما أحب.

هذا ليس موت الرغبة.

بل موت سلطانها عليك.

والتفويض ليس يأسًا مقنعًا

التفويض ليس أن تلقي الأمر من يدك غاضبًا وتقول:

افعل ما تشاء.

بل أن تقول:

يا رب، بلغت من جهدي ما أستطيع.

وطرقت من الأبواب ما أعرف.

وما وراء ذلك ليس لي.

فإن كان هذا خيرًا لي، فقرّبه إليّ.

وإن لم يكن لي، فاصرفه عني واصرفني عنه.

وإن كان تأخيره رحمة، فأعنّي على الصبر.

وإن كان منعه نجاة، فأرضني.

وإن كان لك لي طريق غير الذي أراه، فخذ بيدي إليه وإن خالف هواي.

ذلك هو التفويض.

أن تسقط من يدك دعوى التحكم.

ويبقى في قلبك حسن الظن.

لا تجعل تأخر الإجابة حكمًا على دعائك

من الناس من يقيس الدعاء بشيء واحد:

هل حصل ما أريد؟

فإن لم يحصل، قال:

إذن ضاع الدعاء.

والدعاء أجلّ من ذلك.

هو عبادة.

وافتقار.

وقرب.

وانكسار بين يدي الله.

وأنت لا تعلم كل ما دفعه الله عنك.

ولا كل ما هيأه لك.

ولا كل ما أصلحه فيك.

ولا ما ادخره لك.

فلا تقل:

دعوت ولم يحدث شيء.

فأنت لا تعلم كل ما حدث.

قل:

دعوت… ولم أرَ بعدُ كل ما صنع الله بدعائي.

وربما هذا هو النضج الذي يصنعه الانتظار

ليس النضج أن تموت فيك الأمنيات.

بل أن تتغير منزلتها في قلبك.

أن تنتقل من:

يا رب، إن لم تعطني هذا فلن أكون بخير.

إلى:

يا رب، أريده… ولكن خيري عندك أوسع من فهمي.

ومن:

إن فاتني هذا فقد ضاع كل شيء.

إلى:

إن فاتني فسأتألم، ولكنني لن أقول إن رحمتك فاتتني معه.

ومن:

أرني علامة حتى أطمئن.

إلى:

اجعل قلبي يطمئن بك ولو لم أر علامة.

حينها يبدأ القلب في التحرر.

لا من الرجاء.

بل من عبودية النتيجة.

فإن كنت اليوم في تلك المسافة الموحشة…

دعاء لا ينقطع.
وواقع لا يتغير.
وأيام تتشابه.
وأمور تشتد.
وقلب ذبل من كثرة ما انتظر.
وهمة تفتر بعد أن كانت قوية.

فلا تحكم على الحكاية في أشد ساعات تعبك.

ولا تجعل ما تكرر بالأمس واليوم نبوءةً عن غد لم تره.

ولا تجعل الألم أصدق عندك من كلام الله.

إذا قال لك قلبك:

لقد أُهملت.

فاسأله:

من أين لك هذا؟

وقد قال الله:

﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾

وإذا قال:

لقد حُرمت الرحمة.

فقل له:

وقد قال الله:

﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

فمن أصدق قولًا؟

الله…
أم الألم؟

الله…
أم تشابه الأيام؟

الله…
أم خوف قلب متعب لا يرى إلا قدر خطوته؟

لا تعد نفسك بما لم يعدك الله به.

لكن لا تحكم أيضًا بما لم يخبرك الله به.

لا تقل:

سيأتيني ما أريد حتمًا.

ولا تقل:

لن يأتيني خير أبدًا.

بل قل:

يا رب، لا أعلم خاتمة أمري.

ولكني أعلم أنك ربّي.

لقد طال الطريق.

وتشابهت الأيام.

واشتدت أشياء ظننت أنها ستخف.

وأُغلقت أبواب ظننت أنها ستفتح.

وأنا لا أنكر شيئًا من هذا.

ولكنني لا أريد أن أجعل ما أراه أعظم عندي مما أعرفه عنك.

إن كان ما أرجوه خيرًا لي، فآتني به ولو انقطعت في عيني الأسباب.

وإن لم يكن لي، فلا تجعل فقده يفقدني حسن الظن بك.

وإن كان تأخيره خيرًا، فأعنّي على الانتظار دون أن أضيع في الطريق.

وإن كان منعه رحمة، فارزقني قلبًا يعرف الرحمة ولو جاءت على صورة المنع.

وإن كان لي خير لا أعرفه، فخذ بيدي إليه ولو بكت نفسي في أول الطريق.

يا رب، إذا قال الألم إنك أهملتني، فذكّرني أنك قلت إنك لطيف بعبادك.

وإذا أوهمتني الأيام أن لا شيء سيتغير، فذكّرني بكم شدة أخرجتني منها من حيث لم أحتسب.

وإذا قالت الأسباب: لا نستطيع، فذكّرني أنها أسبابك، وأن الأمر أمرك، والملك ملكك.

وإذا عظُم الأمر في عيني حتى قلت: هذا لا يُنال…

فذكّرني أن عِظَمه إنما هو في ميزاني أنا.

أما أنت فلا يعجزك شيء.

علّمني أن أقول:

أنا لا أعرف كيف.

بدل أن أقول:

لا يمكن.

وأن أقول:

أنا لا أرى الطريق.

بدل أن أقول:

لا طريق.

وأن أقول:

أنا تعبت.

بدل أن أقول:

لقد تُركت.

وأن أقول:

طال البلاء.

بدل أن أقول:

غابت الرحمة.

واجعل في قلبي يقينًا لا يقوم على أن أعرف ماذا ستفعل…

بل على أن أعرف من أنت.

فقد يشتد الأمر…

ولا تكون شدته نهايته.

وقد تتشابه الأيام طويلًا…

ثم يأتي يوم لا يشبه شيئًا مما قبله.

وقد تنتهي الأسباب…

ولا تنتهي قدرة رب الأسباب.

وقد يفوت مطلوب…

ولا يفوت الخير.

وقد تخفى النهاية كلها عنك…

ولكن حسب القلب أن يعلم أنه في يد رب لطيف، رؤوف، رحيم.

فمن أصدق قولًا: الله… أم الألم؟
```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0