فهم حكمة القدر: ليس عليك أن ترى وجه النسيج كله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🧵 ليس عليك أن ترى وجه النسيج كله

نسيج وخيوط إلى جوار مصباح مضيء ترمز إلى الإيمان بحكمة القدر حين لا يرى الإنسان الصورة كاملة

قد يتحمل الإنسان الألم أكثر مما يتحمل غموضه.

فالوجع، مهما اشتد، له موضع تعرفه: مرض يؤلمك، خسارة حدثت، باب أُغلق، إنسان رحل، رزق تأخر، شيء بنيته طويلًا ثم رأيته يتفكك أمامك.

لكن الذي يرهق القلب بعد ذلك هو السؤال الذي لا يجد مكانًا يستقر فيه:

لماذا؟

لماذا هذا بالذات؟

ولماذا الآن؟

ولماذا بعد كل ما دعوت؟

ولماذا لم يُدفع الأمر قبل أن يبلغ هذه الدرجة؟

قد لا تكون معترضًا على الله، ولا رافضًا للقدر. ربما تقول بصدق: آمنت بما قدّر الله.

لكن في داخلك شرط خفي لم تنتبه إليه:

أريد أن أفهمه أيضًا.

تريد أن ترى الخيط الذي يصل هذه الخسارة بما بعدها، وأن تعرف لماذا دخل هذا اللون الداكن في نسيج حياتك، وما الذي كان سيختل لو لم يقع، وأين الحكمة التي تجعل قلبك قادرًا على القول: الآن فهمت.

وحين لا يأتي التفسير، لا يبقى الألم وحده ثقيلًا.

يبدأ الإيمان نفسه يشعر بالثقل.

كأن النفس تقول:

أستطيع أن أسلّم… فقط أعطني سببًا أستطيع أن أعيش معه.

وهنا يأتي السؤال الكاشف:

هل تؤمن بحكمة الله لأنها حكمة الله… أم بشرط أن يكشف لك وجه الحكمة؟

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يصبح فهم الحكمة شرطًا للتسليم

هناك فرق كبير بين الأمرين.

فقد يطمئن قلبك حين تفهم، وهذا فضل.

وقد ترى بعد سنوات شيئًا من آثار ما وقع، فتقول: الآن فهمت بعض ما لم أفهمه يومها.

لكن الإيمان بالقدر لم يُبنَ على وعد بأن تُسلَّم إليك خريطة التفسير بعد كل مصيبة.

أحيانًا يبقى الخيط في يدك، ولا ترى الصورة التي دخل فيها.

أنت ترى ظهر النسيج لا وجهه

والخيط من خلف النسيج لا يشبه صورته من أمامه.

ترى عقدة هنا، وانقطاعًا هناك، وخيطًا داكنًا يعبر موضعًا لم تفهم لماذا عبره. ولو حُكم على العمل كله من ظهره، لبدا كثير منه فوضى لا معنى لها.

لكن مشكلتك أنك لا تقف أمام النسيج كاملًا.

أنت داخل موضع صغير منه.

ترى اللحظة التي أنت فيها، وتتذكر بعض ما قبلها، وتتخيل شيئًا مما بعدها، ثم يحاول عقلك أن يستخرج من هذه المساحة المحدودة تفسيرًا كاملًا لفعل الله.

وهذا فوق طاقتك.

قال الله تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

البقرة: 216

ليست هذه الجملة دعوة إلى إلغاء العقل، ولا إلى ترك البحث عن الأسباب، ولا إلى تسمية كل ألم خيرًا ظاهرًا قبل أن تعرف ذلك.

إنها تضع حدود المعرفة في موضعها الصحيح.

الله يعلم.

وأنت لا تعلم كل شيء.

تعرف ما وقع، لكنك لا تحيط بكل ما اتصل به.

تعرف ما فقدت، لكنك لا تعرف جميع ما كان سيترتب على بقائه.

تعرف أنك دعوت بشيء ولم يقع إلى الآن، لكنك لا تعلم تفصيل ما قضاه الله فيه.

تعرف أن هذا اليوم شديد، لكنك لا تعرف موقعه من عمرك كله.

ومع ذلك، فقد يتعامل القلب مع عجزه عن رؤية الصورة وكأنه نقص في الحكمة نفسها.

يقول:

لو كان لهذا معنى، لفهمته.

لو كان وراءه لطف، لرأيته.

لو كان في التأخير حكمة، لانكشف لي شيء منها بعد كل هذا الزمن.

وهنا تتحول محدودية فهمك دون أن تشعر إلى معيار تحاكم به فعل الله.

كأن الحكمة لا تكون حكمة حتى يستطيع عقلك أن يحيط بها.

لكن منذ متى كان فهم المخلوق شرطًا في حكمة الخالق؟

أنت لا تعرف عن نفسك كل شيء.

قد تريد اليوم أمرًا، ثم تنظر إليه بعد أعوام بعين أخرى.

قد تخاف من طريق، ثم يتغير تقديرك له.

وقد تتخذ قرارًا بما لديك من معلومات، ثم يظهر لك غدًا عامل لم يكن في حسابك أصلًا.

فإذا كنت لا تحيط حتى بمستقبل نفسك، فكيف تشترط أن تحيط بأسرار قدر الله حتى تسلّم له؟


سؤال «لماذا؟» بين طلب الفهم وطلب كشف الغيب

ليس المقصود أن تمنع سؤال «لماذا؟» من المرور بقلبك.

السؤال في نفسه ليس جريمة.

قد يسأل الإنسان طلبًا للفهم، أو بحثًا عن خطأ يصلحه، أو سبب يتجنبه، أو معنى شرعي يتعلمه.

وقد تحتاج فعلًا أن تعرف لماذا انهارت تجارة لتصحح أسبابها، ولماذا فشلت علاقة لتراجع سلوكك، ولماذا تفاقم مرض لتأخذ بأسبابه.

هذا كله من العقل والمسؤولية.

لكن هناك سؤالًا آخر يشبهه في اللفظ ويختلف عنه في الباطن:

ليس: ما السبب الذي أستطيع أن أتعلمه؟

بل: لماذا فعل الله بي هذا؟

ثم لا يريد القلب جوابًا علميًا، بل يريد كشفًا عن سر الإرادة الإلهية في واقعة بعينها.

وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن يعرف العبد فيه حدّه.

قد تعرف الأسباب الظاهرة.

أما الحكمة الإلهية الخاصة التي لم يبينها الله لك، فلا يجوز لك أن تجزم بها، لا في اتجاه اليأس ولا في اتجاه المواساة المتكلفة.

فلا تقل:

حدث هذا لأن الله أراد أن يعوضني بشيء أكبر.

ولا تقل: حدث لأن الله يعاقبني.

ولا تقل: أُغلق هذا الباب لأن وراءه شرًا حتميًا.

ولا تقل: طال البلاء لأن الله يريد مني درسًا معينًا.

قد يكون بعض ذلك ممكنًا، لكن الإمكان ليس علمًا.

وهذا المعنى يلتقي مع خطورة تفسير المصيبة بما لا نعلم؛ فالتفسير الذي نخترعه قد يضاعف وجعنا بدل أن يكشف حقيقة القدر.

والتسليم الصادق لا يحتاج أن يخترع تفسيرًا كي يصمد.


لا تخترع تفسيرًا كي يصمد إيمانك

ربما كانت إحدى مشكلاتنا أننا لا نحتمل أن تبقى بعض العقد في ظهر النسيج بلا شرح، فنخترع لها قصة.

فإن كانت القصة جميلة، سميناها حسن ظن.

وإن كانت مظلمة، سميناها واقعية.

وكلاهما قد يكون قولًا على الله بلا علم.

الإيمان أن تترك ما حجبه الله محجوبًا، دون أن تجعل الحجاب فراغًا تملؤه بتخميناتك.

أن تقول:

لا أعرف لماذا وقع هذا بعينه.

لكنني أعرف من ربي ما يكفيني كي لا أتهمه.

أعرف أنه سبحانه عليم لا يخفى عليه شيء.

وحكيم لا يقدّر عبثًا.

ورحيم، وإن لم أملك أن أعيّن وجه الرحمة في هذه الواقعة.

وعدل لا يظلم أحدًا.

ومن هنا يصبح معرفة الله الحكيم أوسع من حاجتك إلى امتلاك تفسير تفصيلي لكل ما جرى.

ثم تتوقف.

هذا التوقف نفسه عبودية.

لأن النفس تريد أن تكمل الجملة.

تريد أن تقول: إذن سيحدث كذا.

إذن سأُعوض بكذا.

إذن سأفهم قريبًا.

إذن هذا الألم سيقود حتمًا إلى الصورة التي أتمناها.

لكن الإيمان لا يعطيك حق كتابة بقية الغيب.

وقد لا ترى وجه النسيج كاملًا في الدنيا.

قد تمضي أعوام وتبقى بعض الأشياء بلا تفسير يرضي فضولك.

قد تصطلح مع جرح دون أن تعرف لماذا وقع بهذه الصورة.

وقد تموت وأنت لا تعرف الحكمة الخاصة من تفاصيل كثيرة مرّت بك.

وهذا لا ينقص إيمانك بالقدر.

لأن المطلوب منك لم يكن أن تصبح مفسرًا لأقدار الله، بل عبدًا لله داخلها.

وهذا هو الفرق بين أن تطلب الراحة من كشف التفسير، وبين التسليم للحكيم حين لا تفهم الحكمة.


قد تُحجب حكمة القدر ولا تُحجب عبوديته

وهنا يتحول السؤال من:

لماذا قدّر الله هذا؟

إلى:

ماذا يريد الله مني الآن مما أعلمه يقينًا؟

إن كنت مريضًا، فعبوديتك أن تتداوى وتصبر وتدعو.

وإن أخطأت، فعبوديتك أن تتوب وتصلح.

وإن ظلمك أحد، فعبوديتك أن تطلب حقك بوجه مشروع وألا تظلم.

وإن فقدت، فعبوديتك أن تحزن دون أن تجعل الحزن اعتراضًا.

وإن التبس عليك الطريق، فعبوديتك أن تستشير وتستخير وتأخذ بالأسباب.

هذه الأشياء تعرفها.

أما السر الخفي وراء اختيار هذه اللحظة، وهذه الصورة، وهذا القدر من الألم، فليس شرطًا أن تعرفه حتى تعبد الله جيدًا.

قد تُحجب عنك حكمة القدر، ولا تُحجب عنك عبودية القدر.

وهذا هو الموضع الذي يستطيع القلب أن يستريح فيه دون أن يفهم كل شيء.

ليس راحة من الألم.

بل راحة من مهمة لم يُكلَّف بها:

أن يحل لغز القدر قبل أن يستطيع العيش معه.


هنا ينتهي علمي… ولا ينتهي إيماني

إذا عاد السؤال الليلة: لماذا؟

فلا تقمعه بعنف، ولا تتركه يأكلك.

اسأل ما ينفعك منه:

هل هناك سبب ينبغي أن أصلحه؟

هل هناك حق يجب أن أرده؟

هل هناك باب مباح لم أطرقه؟

هل هناك واجب واضح بين يدي؟

ثم إذا وصلت إلى الحد الذي لا يملك فيه السؤال إلا الغيب، ضع يدك عنه.

قل:

هنا ينتهي علمي.

ولا ينتهي إيماني.

هنا لا أرى وجه النسيج.

لكنني لن أمزق الخيط لأنني لا أرى الصورة.

لن أسمّي العقدة عبثًا لمجرد أنها عقدة.

ولن أخترع لها معنى لم يخبرني الله به حتى أهدأ.

سأبقى في الموضع الذي يليق بي:

عبدًا يفهم ما استطاع، ويسعى فيما يستطيع، ويسلّم فيما لا يستطيع أن يحيط به.

فالإيمان بالقدر لا يعني أن تمتلك تفسيرًا لكل ما قدّر الله.

وقد يكون من أنضج صور التسليم أن تنظر إلى خيط لم تفهم موضعه، وتقول بقلب متألم لكنه مؤدب:

يا رب، أنا لا أرى إلا ظهر النسيج.

وأنت تعلم الصورة كلها.

فلا تجعل جهلي بها اتهامًا لحكمتك، ولا تجعل حاجتي إلى الفهم شرطًا لطاعتي، ولا تشغلني بسر ما حجبت عني عن عبودية ما أبقيت بين يدي.

ثم امضِ.

فليس كل ما خفي عنك ناقصًا.

وليس كل ما لم تفهمه بلا حكمة.

وأحيانًا يكون الإيمان بالقدر هو أن تقبل بصدق أنك لن ترى وجه النسيج كله… ومع ذلك لا تشك في حكمة من بيده كل خيط.

تعليقات

عدد التعليقات : 0