هل تركني الله؟ حين تخاف أن يتركك الله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🌿 حين تخاف أن يتركك الله

غلاف رمزي لمقال حين تخاف أن يتركك الله، يظهر مصباحًا مضيئًا وكتابًا أمام جبال هادئة ترمز إلى بقاء النور وسط الخوف

ليس كل خوف من أن يتركك الله دليلًا على سوء الظن به.

قد يكون هذا الخوف صرخة قلب متعب، أدرك هشاشة الأسباب، وعرف أن الإنسان إذا وُكِل إلى نفسه ضاع، ولو اجتمعت حوله أسباب الدنيا كلها.

لا يقول العبد: يا رب، لا تتركني، اعتراضًا على ربه، ولا إنكارًا لرحمته، بل لأنه ذاق ضعف نفسه، وعرف أن أشد ما يخشاه ليس ضيق الرزق، ولا تأخر الفرج، ولا انكسار الأسباب، وإنما أن يواجه ذلك كله وحده.

تجلس بعد يوم طويل وقد فعلت ما تستطيع: اتصلت، وانتظرت، ورتبت، وسعيت، ودعوت، وقاومت خوفك. ثم تنظر حولك فلا تجد شيئًا واضحًا قد تغير. الهاتف ساكن، والباب مغلق، والمال لا يكفي، والجواب لم يصل، ولكل إنسان من حولك عذره وحساباته.

عندها قد يخطر في قلبك سؤال ثقيل:

هل تركني الله؟

هنا يظهر موضع الجرح الحقيقي.

فالقلب لا ينهار دائمًا من ثقل ما يحمله، بل من الظن أنه يحمله بلا معية، ولا نظر رحمة، ولا تدبير حكيم.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يتحول غياب الصورة إلى خوف من غياب الله

هناك خوف ظاهر يقول: ماذا سيحدث لي؟

وهناك خوف أعمق يقول: هل ما زلت في عناية الله؟ هل دعائي مسموع؟ هل ضعفي منظور؟ هل بابي ما زال مفتوحًا؟ أم أنني صرت بعيدًا لا يصلني اللطف؟

وقد يلبس هذا الخوف ثوب الأسئلة:

دعوت كثيرًا، فلماذا لم يتغير شيء؟

تبت، فلماذا ما زال الطريق شاقًا؟

حاولت أن أحسن الظن، فلماذا تتتابع العقبات؟

طلبت من الله علامة تطمئنني، فلماذا لا أراها؟

ثم تأتي النفس في أشد لحظات التعب، فتضع تفسيرًا قاسيًا على ما لم تفهمه:

ربما تركني الله.

وهذه من أخطر تحولات البلاء: أن يصبح غياب الصورة التي كنت تنتظرها دليلًا في قلبك على غياب الله عنك.

كنت تتصور اللطف في صورة باب يفتح سريعًا، أو شخص يتحرك لمساعدتك، أو مال يصل في الوقت المناسب، أو خبر يطمئنك، أو فرج ظاهر يرفع الحمل عن صدرك.

فلما لم يأت اللطف بالصورة التي رسمتها، خفت أن يكون غير موجود أصلًا.

لكن عدم رؤيتك للطف لا يعني غيابه، وتأخر ما طلبته لا يعني أنك تُركت، وما أوجعك لا يملك وحده أن يشهد بأن الله خذلك.

قد يكون فيما جرى حفظ لا تدركه، أو صرف عن طريق ظننته نجاة، أو إعداد لمرحلة لم يحن وقتها، أو حكمة أخرى لا تعلمها.

نحن لا نجزم بشيء من ذلك في واقعة بعينها، لكننا نعلم أن محدودية رؤيتنا لا تمنحنا حق الحكم على تدبير الله.


الخوف وصف… أما الترك فحكم

المشكلة ليست أنك خفت.

فالعبد يخاف ويضعف ويبكي، وقد تضيق عليه الدنيا حتى لا يجد عبارة يرتب بها دعاءه. وقد بث الأنبياء إلى الله حزنهم وافتقارهم، ولم يكن ذلك نقصًا في إيمانهم.

لكن الخطر أن يتحول الخوف من شعور تصفه إلى تفسير تصدره عن الله.

أن تقول: أنا متعب، فهذا وصف لحالك.

أما أن تقول: إذن الله تركني، فهذا حكم على غيب لا تعلمه.

أن تقول: الباب لم يفتح، فهذا واقع تراه.

أما أن تقول: إذن لا رحمة هنا، فهذا تحميل للواقع ما لا يحتمل.

أن تقول: لا أفهم الحكمة، فهذا صدق.

أما أن تقول: لا توجد حكمة، فهذا تجاوز لما تملكه من علم.

الخوف إذا حملته إلى باب الله صار افتقارًا.

أما إذا جعلته مترجمًا عن الله، فقد يتحول إلى باب من أبواب سوء الظن.

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾

نزلت الآية في سياق خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن ينقل الإنسان خصوصيتها إلى نفسه على وجه الجزم. لكنها تربي القلب على أصل عظيم: أن غياب ما اعتاده العبد من علامات القرب لا يعني بالضرورة أن ربه ودعه أو أبغضه.

ومن لا يزال يعود إلى الله بعد اضطرابه، ويخاف أن ينقطع عنه، ولا يجد عند اشتداد الأمر ملجأ إلا إليه، لا ينبغي أن يجعل خوفه نفسه دليلًا على الطرد.

قد يكون خوفه، في أصله، تعبيرًا عن شدة حاجته إلى الله، لا برهانًا على أن الله قد تركه.


صك الخذلان الذي يكتبه الألم

من أخطر ما تصنعه النفس في البلاء أنها تجمع الوقائع من زاوية واحدة، ثم تكتب لنفسها صكًا بالخذلان.

دعوت ولم أر الإجابة التي أريد.

انتظرت ولم يتغير الواقع.

سعيت ولم أصل.

تعبت ولم أسترح.

طرقت الباب فلم يفتح.

ثم تختم الملف بحكم واحد:

لقد تُركت.

لكن هذا الملف لا يحتوي كل الحقيقة.

أين المرات التي كدت تنهار فيها، ثم وجدت فيك قدرة على إكمال يوم آخر؟

أين الستر الذي صاحبك في أضعف حالاتك؟

أين الأبواب التي صُرفت عنك، وقد يكون في دخول بعضها ما يزيد ألمك؟

أين الأشياء التي بقيت لك مع أن خوفك كان يخبرك أنك ستفقد كل شيء؟

أين رجوعك إلى الله كلما أوشكت أن تتيه؟

قد لا يأتي الفرج الكامل دفعة واحدة، لكن الله يمد العبد أحيانًا بما يكفيه ليعبر يومًا آخر.

قد لا يرفع عنه الحمل كله، لكنه يرزقه من القوة ما يمنعه من السقوط تحته.

وقد لا يفتح الباب الذي يراقبه، وقد يكون في ذلك حفظٌ له من باب كان سيأخذ من قلبه ودينه أكثر مما يعطيه من متاع الدنيا.

هذه المعاني لا تلغي ثقل البلاء، ولا تعني أن كل ما يؤلمك ينبغي أن تسميه نعمة. لكنها تمنعك من محو كل أثر للرحمة لأن الرحمة لم تأت بعد في صورتها الكبرى التي تنتظرها.

القلب المتعب يريد الجواب الكامل، والفتح الواضح، والانتهاء التام. فإذا جاءه اللطف في صورة احتمال، أو تثبيت، أو ستر، أو تأجيل ضرر، أو بقاء إيمان، لم يسمه لطفًا.

وقد يكون بعض ما بقي فيك من دعاء وصبر ورجوع من آثار رحمة الله بك، وإن كنت لا تزال تنتظر رحمته في رفع ما يؤلمك.


لا تجعل ألمك يتكلم باسم الله

للألم صوت مرتفع.

إذا طال، بدأ يفسر لك كل شيء بطريقته.

إذا تأخر الباب قال: لا فائدة.

وإذا سكت الناس قال: أنت وحدك.

وإذا ضاقت الأسباب قال: لا مخرج.

وإذا لم تر الإجابة قال: لا أحد يسمعك.

لكن الألم ليس عالمًا بالغيب.

هو يصف ما جرى في قلبك، ولا يكشف لك حقيقة مقامك عند الله.

فلا تجعل وجعك يفتي لك في ربك.

قل: نعم، أنا أتألم.

نعم، أنا خائف.

نعم، لا أفهم الطريق.

لكنني لا أملك أن أحكم على رحمة الله من نافذة ضيقي.

فالنافذة الضيقة لا تكشف السماء كلها.

وقد يكون الإنسان في البلاء كمن ينظر من ثقب صغير في باب مغلق، فلا يرى إلا الظلمة القريبة، ثم يظن أن العالم كله قد أظلم.

ليس المطلوب أن تتصنع الطمأنينة، أو تنكر خوفك، أو تقول إنك بخير وقلبك يرتجف.

المطلوب فقط ألا تمنح الألم سلطة أن يتحول إلى عقيدة.


الخوف الذي يعيدك… والخوف الذي يقطعك

لا يعني ذلك أن كل خوف من الترك وسواس، ولا أن كل اضطراب سوء ظن بالله.

قد يخاف الإنسان لأنه متعب، وقد يضعف لأنه حمل فوق طاقته مدة طويلة. وقد يمر عليه وقت لا يشعر فيه بحرارة العبادة، ولا يجد القوة التي اعتادها. هذا لا يجعله مطرودًا أو بعيدًا بالضرورة.

ولا يعني ذلك أن يأمن العبد على نفسه أو يترك محاسبتها.

فالخوف من الذنب والتقصير وسوء الخاتمة قد يكون نافعًا إذا قاد إلى التوبة والعمل والافتقار.

لكن الفرق واضح:

الخوف الصحيح يدفعك إلى باب الله.

أما اليأس فيحاول إقناعك بأن الباب لم يعد لك.

الخوف الصحيح يقول: ارجع.

واليأس يقول: لا فائدة.

الخوف الصحيح يقول: استغفر وأصلح ما تستطيع.

والوسواس يقول: أنت لا تصلح أصلًا.

الخوف الصحيح يقول: لا ملجأ لك إلا الله.

وسوء الظن يقول: حتى الله لن يسمعك.

فلا تجعل خوفك سكينًا تقطع بها طريق الرجوع، بل اجعله يدًا تدفعك إلى السجود.


لا تسأل: هل تركني؟ بل قل: لا تكلني إلى نفسي

يبدأ العلاج بتغيير السؤال.

بدلًا من أن تقول: هل تركني الله؟

قل:

يا رب، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

هذه العبارة أصدق وأأمن.

لأنك لا تحاكم الله، بل تعترف بفقرك. ولا تزعم أنك فهمت معنى البلاء، بل تسأل الله المعية والهداية واللطف.

ثم فرّق بين غياب الفرج وغياب الرحمة.

قد يتأخر الفرج الذي طلبته، لكن لا يلزم من ذلك أن الرحمة غائبة. قد تأتيك في صورة تثبيت، أو صرف شر، أو توبة، أو بصيرة، أو إنسان يسندك، أو سبب صغير يحفظ عليك ضرورياتك، أو قوة تعينك على ألا تتخذ قرارًا يضاعف وجعك.

ولا تجعل الصورة التي رسمتها وحدها مقياسًا للعناية.

ليس كل فتح مالًا.

وليس كل لطف سرعة.

وليس كل إجابة أن يحدث ما تريده الآن.

وليس كل حفظ أن تمر بالحياة دون ألم.

قل في لحظة خوفك:

يا رب، أنا لا أفهم، لكنني لا أتهم.

أنا أتألم، لكنني لا أريد أن يفسد الألم ظني بك.

أنا خائف، لكنني أهرب بخوفي إليك، لا منك.

أنا ضعيف، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

ثم انظر إلى ما بقي، لا إلى ما غاب وحده.

بقي أنك تدعو.

وبقي أنك تخاف أن تبتعد.

وبقي أنك تسأل عن الطريق.

وبقي أنك لا تزال ترى في الله جهة الأمان، وإن اضطرب قلبك في الوصول إليها.

لا تحتقر هذه البقية.

فقد يبدأ ترميم القلب من خيط صغير لم ينقطع.


الجملة التي ينبغي أن تبقى

ليس أخوف ما في البلاء أن يتأخر الفرج، بل أن يصدق القلب ألمه حين يقول له: لقد تُركت.

فإذا جاءك هذا الخوف، فلا تدخل معه في محكمة طويلة داخل رأسك.

احمله كما هو إلى الله.

قل:

يا رب، هذا خوفي، ولا أحسن حمله وحدي.

إن كان في قلبي سوء ظن فاغفره وداوه.

وإن كان في قلبي ضعف فاجبره.

وإن كان في طريقي خير لا أراه فاهدني إليه.

ولا تجعل طول البلاء يفسد معرفتي بك.

لا تنتظر أن تفهم كل شيء حتى تطمئن.

يكفيك في لحظة الظلمة أن تعرف وجهة الباب.

والباب هو الله.

قد لا يتغير الواقع اليوم، وقد لا ترى العلامة التي تنتظرها، وقد تبقى أسبابك محدودة. لكن لا تجعل محدودية ما تراه حكمًا على من بيده ما لا ترى.

قل:

أنا متعب، لكنني لست وحدي.

أنا خائف، لكنني لا أجعل خوفي يتكلم باسم ربي.

أنا لا أفهم الطريق، لكنني أعرف إلى من ألجأ.

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا تجعل ألمنا يترجم لنا رحمتك ترجمة خاطئة. اللهم إن خفنا فاجعل خوفنا باب رجوع لا طريق يأس، وإن طال علينا البلاء فلا تجعل طول الطريق شاهدًا في قلوبنا على تركك لنا. ثبتنا على الدعاء، وأعنّا على الأخذ بالأسباب، واحفظ معرفتنا بك من أن يشوهها الوجع، وارحم ضعفنا برحمة تغنينا بها عمن سواك.

```1[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0