قال الله تعالى:
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: 66].
قد تتخيل الرحمة دائمًا في الصورة الأخيرة: أن يصل المال، ويصدر القبول، وتفتح الفرصة، وتنقضي الحاجة، وتمسك بيدك الشيء الذي خرجت تطلبه. فإذا لم تصل بعد، شعرت أن الرحمة ما تزال بعيدة. لكن هذه الآية تأخذك إلى موضع أبكر بكثير من لحظة الوصول.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
ما معنى ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾؟
إلى السفينة وهي تتحرك. قبل أن يرجع التاجر بربحه، وقبل أن يبلغ المسافر وجهته، وقبل أن يعرف الخارج إلى البحر ماذا سيجد أصلًا، يقول الله عن نفسه:
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾.
هناك فعل من الله يسبق ابتغاءك. ثم يأتي فعلك أنت:
﴿لِتَبْتَغُوا﴾.
ثم يأتي الاسم الذي ينبغي ألا تنساه مهما اجتهدت:
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وكأن ترتيب الآية يعيد ترتيب قلبك كله: قبل سعيك تسخير من الله، وفي أثناء الطريق سعي منك، وما تطلبه بعد ذلك يظل فضلًا منه. ثم تُختم الصورة كلها:
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
حين يتحول السعي إلى شعور بالاستحقاق
وهنا تنكشف مشكلة دقيقة قد تدخل القلب حين يطول به السعي: قد يبدأ الإنسان محتاجًا إلى رزق، ثم ينتهي وهو يشعر أنه يحمل رزقه وحده. يبحث، ويتصل، ويخطط، ويجرّب، ويطرق بابًا بعد باب، حتى تصبح كثرة الأسباب حوله حجابًا عن الحقيقة التي سبقتها جميعًا: أنه لم يصنع السفينة وحده، ولم يصنع البحر، ولم يمنح نفسه العقل والقدرة والوقت والفرص والناس والطرق التي يتحرك بينها. إنه يسعى حقًا، لكن سعيه نفسه يجري داخل عالم من العطاء الذي سبقه.
وهنا يأتي السؤال الذي تكشف به الآية موضع القلب:
حين تبذل السبب، هل تشعر أنك تبتغي فضل الله… أم أنك تحاول أن تنتزع من الحياة أجرًا أصبحت تراه مستحقًا لك بسبب تعبك؟
الفرق دقيق، لكنه يغير علاقتك بالسعي كله. فالآية لم تقل: يزجي لكم الفلك لتأخذوا ما استحققتم. بل قالت:
﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
سمّت ما تطلبه فضلًا حتى وأنت في قلب العمل. وهذا لا يلغي قيمة السبب، ولا يدعوك إلى الجلوس وانتظار الأشياء؛ فالآية نفسها آية حركة: فلك، وبحر، وابتغاء. لكنها تمنع السبب من أن يتحول في قلبك إلى فاتورة على ربك.
تعمل، ولكنك لا تقول في سريرتك: لقد فعلت ما عليّ، فلماذا لم أحصل إلى الآن على ما أريد؟ تسعى، لكنك تعرف أن الله لم يصبح مدينًا لك لأنك سعيت. تطرق الأبواب، لكنك لا تجعل عدد الأبواب التي طرقتها مقدارًا لما يجب أن يُعطى لك. لأن العبد لا ينتقل بالأسباب من مقام الافتقار إلى مقام الاستحقاق على الله. بل يظل وهو يعمل مفتقرًا.
وهو معنى شديد التحرير للقلب؛ لأن من ظن أن النتيجة ثمن مباشر لتعبه، صار كل تأخير عنده ظلمًا، وكل باب مغلق إهانة، وكل شخص وصل قبله سؤالًا يؤلمه: لماذا هو وأنا قد تعبت أكثر؟ أما حين يفهم قوله تعالى: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، فإنه لا يحتقر عمله، ولا يتركه، ولا يزهد في تطويره؛ لكنه يضعه في موضعه الصحيح.
السبب عبوديتك في موطن السبب.
والفضل لله.
وبينهما قلب يعمل بكل ما يستطيع، دون أن يتأله على النتيجة.
الرحمة لا تبدأ بعد الوصول
والأعمق من ذلك أن الآية لم تجعل الرحمة بعد الابتغاء فقط. لم تقل: ابتغوا من فضله، فإذا أعطاكم كان بكم رحيمًا. بل وضعت الرحمة على المشهد كله:
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
في هذا السياق، من رحمته أن أوجد ما تركب، وأن أجرى ما يحمل، وأن فتح طريقًا يمكن أن يُطلب فيه الرزق. وهذا يصحح تصورًا يتعب كثيرًا من القلوب: أن الرحمة لا تكون رحمة إلا إذا ألغت المسافة بين الحاجة والحصول عليها.
كأنك تقول في داخلك: لو رحمني، لما احتجت إلى كل هذا السعي. لكن الآية تعرض صورة أخرى للرحمة: بشر يحتاجون إلى فضل، وفلك تتحرك بهم في البحر، وهم يذهبون ليبتغوا. لم تلغ الرحمة حاجتهم إلى الحركة. بل كانت الحركة نفسها واقعة تحت رعاية رب رحيم.
ولا يعني ذلك أن كل مشقة تمر بك نستطيع أن نجزم لماذا قُدرت عليك، أو أن كل باب مغلق يحمل رسالة خاصة يمكننا تفسيرها؛ فالغيب لله. لكن الآية تمنعك من أصل الوهم: أن وجود السعي والتعب والأسباب يعني بالضرورة غياب الرحمة.
كيف تسعى وتبقى مفتقرًا إلى الله؟
قد تكون رحمة الله التي تستطيع أن تراها الآن ليست أن الشيء صار في يدك، بل أن بين يديك اليوم شيئًا يمكنك أن تفعله نحوه.
قدرة باقية.
سبب مشروع.
عقل يفكر.
إنسان تسأله.
مهارة تتعلمها.
خطوة تتحرك بها.
باب لم تجربه بعد.
وهنا يتغير وزن يومك. بدل أن تقيس رحمة الله فقط بما وصل من النتائج، تبدأ أيضًا في رؤية ما هيأه لك من إمكان السعي. وبدل أن تستيقظ كل صباح لتسأل: هل جاء الفضل؟ تسأل: ما السفينة التي أُجريت لي اليوم لأبتغي بها من فضل الله؟ ثم تركبها.
لا متكئًا عليها.
ولا محتقرًا لها.
ولا ضامنًا لما وراء البحر.
ولكن عبدًا يعرف مهمته: أن يبتغي.
ولهذا يجتمع في الآية شيء عجيب: الحركة والافتقار في اللحظة نفسها. تعمل كأن عليك أن تحسن الأخذ بالسبب. وتفتقر كأن السبب لا يملك لك شيئًا من دون الله. فإذا نجح السبب لم تقل: صنعت هذا وحدي. وإذا تعثر لم تقل: انتهى فضل الله. لأنك منذ البداية لم تكن تبتغي من السبب. كنت تبتغي من فضله.
وهذا هو العلاج حين ينهكك طلب الرزق أو الفرصة أو المخرج: لا تترك السفينة، ولكن أخرج قلبك من وهم أنه هو الذي يدفع البحر. خذ بالأسباب بجد، وحسّنها، وبدّل ما لا ينفع منها بما تستطيع من سبب مشروع، ثم أبقِ الاسم الذي سمّت به الآية مطلوبك حاضرًا في صدرك:
فضل.
ليس دينًا لك.
ولا ثمنًا تدفعه لله.
ولا نتيجة تملك إلزام الغيب بها.
فضل ترجوه من ربك، وأنت تسير إليه بما أتاحه لك.
وعندها قد يصبح السعي نفسه أقل وحشة؛ لأنك لن ترى نفسك رجلًا وحيدًا في عرض البحر يحاول بقوته أن يصنع رزقه من العدم. ستتذكر أن أول كلمة في الآية قبل الفلك، وقبل البحر، وقبل الابتغاء، وقبل الفضل كانت:
﴿رَبُّكُمُ﴾.
وأن آخر ما أُغلقت به الصورة:
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
فامضِ في السبب الذي تستطيع. لكن لا تحمل فوق كتفيك ما لم يطلبه الله منك. أنت مطالب أن تبتغي فضله، لا أن تضمن لنفسك أين يكون الفضل، ولا متى يأتي، ولا بأي صورة يفتح الله بابه.
وبين ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ و﴿لِتَبْتَغُوا﴾ مساحة تكفي قلبك كله:
ربٌّ يسخّر.
وعبدٌ يسعى.
وفضلٌ يُرجى.
ورحمةٌ تحيط بالمشهد.