معنى ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك﴾: لا تحمل البحر على قلبك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

⛵ لا تحمل البحر على قلبك… عليك أن تبتغي لا أن تضمن الوصول

قال الله تعالى:

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: 66].

رجل يجلس على قارب شراعي في البحر وقت الغروب مع عبارة لا تحمل البحر على قلبك وآية ربكم الذي يزجي لكم الفلك
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

ربما لم يعد يؤلمك أنك لم تصل فحسب، بل أنك تعبت من حمل الطريق كله في قلبك.

تسعى، وتخطط، وتسأل، وتعيد المحاولة، وتراقب الأبواب، وتحسب الاحتمالات، ثم تعود في آخر يومك مثقلًا بشيء أكبر من العمل نفسه:

الخوف من أن يتوقف كل شيء إن توقفت لحظة.

كأن عليك ألا تبذل السبب فقط، بل أن تضمن نجاحه أيضًا.

وكأن السفينة بين يديك، والبحر على كتفيك، والشاطئ مسؤوليتك وحدك.

وهنا تأتي هذه الآية، لا لتعاتب تعبك، بل لتضع عن قلبك ما لم يضعه الله عليه.

تأمل ترتيبها:

قبل أن تذكر سعيك، ذكرت فعل ربك:

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾.

ثم جاء دورك:

﴿لِتَبْتَغُوا﴾.

ثم سمّت ما تطلبه، مهما بذلت في سبيله:

﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.

ثم أغلقت المشهد كله باسم يسكّن وحشة البحر:

﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.

في آية واحدة أعاد الله كل شيء إلى موضعه:

ربٌّ يُجري.
وعبدٌ يبتغي.
ومطلوبٌ يظل فضلًا.
ورحمةٌ حاضرة قبل أن يظهر الشاطئ.

حين يتحول السعي إلى حمل للنتيجة

فما الذي أنهك قلبك حقًا: كثرة السعي، أم أنك أضفت إلى السعي مهمة لم يكلّفك الله بها؛ أن تضمن النتيجة؟

حين يحمل الإنسان عبء النتيجة، لا يعود التأخير مجرد تأخير.

يصير حكمًا على قيمته. ويصير الباب المغلق اتهامًا له بالتقصير. ويصير وصول غيره قبله جرحًا يسأله: لماذا هو، وقد تعبت أكثر؟

وقد يبدأ العبد طريقه وهو يقول: يا رب، ارزقني من فضلك؛ ثم يطول به البحر حتى يتسلل إلى قلبه شعور خفي: لقد بذلت كثيرًا، فلا بد أن أحصل على ما اخترته.

وهكذا قد يتحول السبب، من حيث لا يشعر، من عبودية يؤديها إلى فاتورة يحملها على ربّه.

ولا يقال هذا توبيخًا لك على وجعك.

فتعبك مفهوم، وانتظارك مؤلم، وحاجتك التي تتأخر ليست هينة. ولكن الرحمة بك تقتضي أن تُنقذ من حملٍ يزيد ألمك: أن تظن أن كثرة ما بذلت أوجبت لك النتيجة الدنيوية نفسها التي أردتها، في الوقت والصورة اللذين حددتهما.

﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: النتيجة ليست فاتورة

سعيك المشروع لا يضيع عند الله، وقد تؤجر على صدقك وصبرك ونيتك، لكن هذا غير أن تصبح النتيجة بعينها حقًا لازمًا لك بسبب تعبك.

فالآية لم تسمِّ ما وراء البحر أجرًا استوفيته من الحياة.

سمّته:

﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.

ظل فضلًا بعد أن ركبت.
وفضلًا بعد أن سعيت.
وفضلًا بعد أن تعبت.

وهذا لا ينتقص من عملك، بل يحرره.

لأنك حين تعلم أن مهمتك هي الابتغاء، تستطيع أن تعمل بجد من غير أن تحمل قلبك مسؤولية الغيب. تحسن السبب، وتراجع خطتك، وتتعلم، وتستشير، وتبدل ما لا ينفع بسبب مشروع أنفع؛ لكنّك لا تمنح الأسباب في قلبك قدرةً لا تملكها، ثم تنهار إذا جاءت النتيجة على غير ما ظننت.

الفلك وسيلة لا مصدر

الفلك تحملك، لكنها لا تحمل خزائن الفضل.

هي نعمة تُستعمل، لا مصدرٌ يُتَّكل عليه.

فلا تحتقرها باسم التوكل، ولا تمنحها باسم الخبرة رتبة لا تملكها.

اركبها، وأحكمها ما استطعت، لكن أبقِ قلبك متجهًا إلى مَن يُجريها.

وحين يتعطل سبب، لا تجعل تعطله إعلانًا بأن فضل الله قد تعطل معه. قد تراجع نفسك، وتصحح خطأك، وتبحث عن فلك أخرى إن أمكن؛ لكنك تظل عارفًا بالفرق بين أن تفقد وسيلة، وبين أن تنفد خزائن رب الوسائل.

الأولى قد تقع. أما خزائن الله فلا تنفد.

﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾: الرحمة قبل الشاطئ

ثم انظر إلى موضع الرحمة في الآية.

لم تؤجَّل حتى يصلوا. لم يكن البحر قد انتهى، ولا الابتغاء قد اكتمل، ولا المطلوب قد صار في الأيدي.

ومع ذلك قال الله:

﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.

كأن الآية توسّع لقلبك معنى الرحمة بعدما ضيّقه الانتظار.

فأنت قد لا ترى الرحمة إلا في الصورة الأخيرة: أن يصل المال، أو يصدر القبول، أو يُفتح الباب، أو تنقضي الحاجة. فإذا لم تقع النتيجة، خُيّل إليك أن الرحمة لم تبدأ بعد.

لكن من الرحمة التي تصرح بها الآية أن يهيئ الله لك ما تسعى به، وأن يسخر لك ما يحملك، وأن يبقي أمامك مجالًا للابتغاء.

قد تكون عيناك معلقتين بما لم يصل، حتى غاب عنهما ما أُجري لك بالفعل:

قدرة ما تزال باقية.
وعقل يفكر.
ومهارة يمكن أن تتعلمها.
وإنسان تستطيع أن تستشيره.
وسبب مشروع يمكنك أن تأخذ به.
وخطوة ما يزال في وسعك أن تخطوها.

ليس معنى ذلك أن كل تأخير نعرف حكمته، أو أن كل باب مغلق يجوز لنا أن نزعم أن وراءه رسالة خاصة؛ فالغيب لله، ولا نتكلم عنه بغير علم.

وليس معنى الرحمة أنك لن تتعب في البحر.

لكن الآية تمنعك من وهمٍ أشد إيلامًا: أن وجود المسافة بينك وبين مطلوبك دليل على أنك متروك، وأن الحاجة إلى السعي دليل على غياب الرحمة.

كيف تسعى بقلب أخف؟

لست مطالبًا أن تنكر تعبك كي تحسن الظن بربك.

قل: يا رب، لقد تعبت.

لكن لا تدع التعب يقول لقلبك: إذن لقد تُركت.

اشكُ ضعفك إلى الله، وابكِ إن ضاق صدرك، واسترح إذا أعياك السير؛ ثم عُد إلى ما تستطيع فعله من غير أن تعاقب نفسك على ما لم يكن يومًا في قدرتك.

عليك صدق الابتغاء.

وليس عليك أن تضمن أين يكون الفضل، ولا متى يأتي، ولا بأي صورة يفتح الله بابه.

لا تنتظر العاصفة لتعرف من يُجري السفينة

وهذه هي المعرفة التي تمنح القلب طمأنينة أعمق من الطمأنينة التي يصنعها نجاح الأسباب.

أن تعرف رب الفلك وهي تسير، لا أن تنتظر تحطمها حتى تكتشف أنك كنت محتاجًا إليه.
أن ترى تسخيره في قدرتك، كما ترى افتقارك عند عجزك.
أن تنجح فلا تنسب البحر كله إلى مهارتك.
وأن تتعثر فلا تظن أن رب البحر قد غاب.

فلا تنتظر العاصفة حتى تعرف مَن كان يُجري السفينة في أيام الهدوء، ولا تنتظر الشاطئ حتى تصدق أن الرحمة كانت معك في الطريق.

لقد أحاطت الآية بهذا البحر كله بكلمتين:

بدأته بـ﴿رَبُّكُمُ﴾.
وختمته بـ﴿رَحِيمًا﴾.

وبينهما موضع يتسع لتعبك كله:

ربٌّ يُسخّر.
وعبدٌ يسعى.
وفلكٌ تُستعمل.
وفضلٌ يُرجى.
ورحمةٌ ليست مؤجلة حتى الوصول.

فامضِ بقلب أخف.

أحكم الفلك التي بين يديك، وابتغِ من فضل الله، ولا تحمل البحر على قلبك.

أنت مطالب بأن تسعى بما تستطيع؛ أما ما وراء قدرتك، فردّه مطمئنًا إلى الرب الذي عرّفك بنفسه وأنت لا تزال في البحر:

﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.

تعليقات

عدد التعليقات : 0