يا رب، احفظ قلبي حين لا أعرف ماذا سيحدث: الطمأنينة مع المجهول

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

يا رب، أصلح قلبي أيًّا كان ما سيحدث.

فأنا أعرف أن الغموض مُتعب، وأن الانتظار يرهق القلب، وأن الإنسان حين يحب شيئًا أو يخاف فقده يتمنى لو أُزيح عنه ستر الغد قليلًا، فقط ليعرف إلى أين تمضي الأمور.

ولستُ يا رب أطلب قلبًا لا يخاف، ولا نفسًا لا تتعب، ولا روحًا لا تتأثر.

إنما أطلب منك قلبًا إذا خاف، عاد إليك. وإذا تعب، استند إليك. وإذا لم يفهم، لم يفقد حسن ظنه بك.

امرأة تجلس بهدوء أمام أفق ضبابي مضاء عند الغروب، تعبيرًا عن الطمأنينة بالله مع غموض المستقبل.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الطمأنينة مع المجهول تبدأ من معرفة الله

يا رب، لا تجعل غموض الطريق يفسد معرفتي بك.

فقد تمرّ أيام لا أفهم فيها لماذا تأخر ما دعوت به، ولا لماذا تعقّد أمرٌ كنت أرجوه سهلًا، ولا لماذا أُغلق باب كنت أظنه باب الخير.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يحتاج القلب دائمًا إلى جواب عن كل شيء.

أحيانًا يحتاج فقط أن يتذكر من أنت.

أن يتذكر أنك رحيم، حتى حين لا يرى وجه الرحمة بعد. وأنك حكيم، حتى حين لا يستطيع أن يفهم الحكمة. وأنك لطيف، حتى حين تكون بعض الأقدار ثقيلة على النفس.

ولعل هذا هو من أرقّ معاني الإيمان:

أن يبقى ما عرفته عن الله ثابتًا في قلبك، حتى حين لا تعرف ماذا يفعل الله بك.

لطف الله لا يتوقف على فهمك للمشهد

وفي قصة يوسف عليه السلام، لم يكن وجه اللطف ظاهرًا في كل مشهد من مشاهدها.

كان هناك بئر. وكان هناك فراق. وكان هناك ظلم. وكان هناك سجن.

ثم حين اكتملت أجزاء القصة قال:

﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾

يوسف: 100

وكأن بعض لطف الله لا يُرى في اللحظة نفسها.

وقد نعيش بعض الأقدار أولًا ألمًا، ثم يكشف الله لنا بعد زمن وجهًا من الخير لم نكن نراه.

وقد تبقى أقدار لا نفهم حكمتها في الدنيا أصلًا.

ومع ذلك يبقى الله لطيفًا.

طمأنينة أعمق من الأخبار السارة

يا رب، إذا حجبت عني خبر الغد، فلا تحجب عن قلبي الثقة بك.

أنا أعرف لماذا أريد أن أعرف.

أريد أن أطمئن. أريد أن أعرف أن من أحب سيكون بخير. أن الدعاء سيُجاب بالصورة التي أرجوها. أن الطريق سينتهي نهاية تطمئن لها نفسي.

وهذا ضعف إنساني تعرفه يا رب، وترحمه.

لكن علّمني طمأنينة أعمق من طمأنينة الأخبار السارة.

علّمني أن أهدأ بك، لا فقط بما أتمنى أن أسمعه.

لأن هناك فرقًا رقيقًا بين أن يقول قلبي:

أنا مطمئن لأن الأمور ستسير كما أريد.

وبين أن يقول:

أنا مطمئن لأن الله معي، أيًّا كان الطريق.

والثانية أرحب.

فالأولى لا تهدأ إلا إذا عرفت النتيجة. أما الثانية فتستطيع أن تتنفس حتى والنتيجة ما زالت خلف الغيب.

ولهذا يا رب، لا أريد يقينًا بالنتيجة يجعلني أستغني عن اليقين بك.

لا أريد أن يصبح سلام قلبي معلّقًا بجملة: «سيحدث ما تريد».

أريد سلامًا أعمق يقول لي:

«سيكون الله معك فيما سيحدث».

وهذه ليست دعوة إلى ألا نحزن، ولا إلى ألا نخاف، ولا إلى أن نتصنع القوة حين نتعب.

بل أن يكون لنا في قلب الخوف مكان نرجع فيه إلى الله.

أن نستطيع أن نقول:

يا رب، أنا خائف… لكنني أعرفك.
يا رب، أنا لا أفهم… لكنني أعرفك.
يا رب، أنا أتمنى أمرًا بعينه، وأدعوك به بكل قلبي… لكن إن سارت الأقدار بطريقة لم أتوقعها، فلا تدعني أضيع منك وأنا أحاول أن أفهمها.

التوكل لا يشترط نتيجة بعينها

فالتوكل لا يطلب منك أن تتوقف عن سؤال الله ما تحب؛ إنما يحرر قلبك من أن يجعل سلامه مشروطًا بأن تقع الإجابة بالصورة التي رسمها.

حين تخاف مما سيصير إليه قلبك

فالإنسان أحيانًا لا يخاف فقط مما سيحدث.

يخاف أيضًا مما سيصير إليه قلبه إن حدث ما يخشاه.

هل سأحتمل؟ هل سأبقى بخير؟ هل ستبقى روحي قادرة على الوقوف؟

وهنا تأتي رحمة التوكل.

ليس التوكل وعدًا بأنك لن تمر بشيء يؤلمك.

لكنه يهمس لقلبك:

لن تمرّ بشيء إلا والله معك فيه.

لن تبلغ غدًا إلا وقد سبق علم الله إليه، وأحاط بما فيه قبل أن تبلغه.

وعلمه أحاط بما لم تعرف. ورحمته أوسع من مخاوفك. وقوته ليست مرتبطة بقوتك.

ولهذا قال سبحانه:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

الطلاق: 3

ليس لأن المتوكل يعرف ماذا سيحدث.

بل لأنه يعرف من يكفيه حين يحدث.

لا تحمل نفسك عبء معرفة الغد

وقد يبقى السؤال بلا جواب فترة. وقد يبقى الأمر معلقًا. وقد تستيقظ بعض الليالي وأنت تتمنى فقط لو تعرف.

ولا بأس أن تتمنى. ولا بأس أن تتعب. ولا بأس أن تكرر الدعاء نفسه مئة مرة.

وقلقك لا يمنعك من أن تأتي الله به كما هو؛ خوفًا ودعاءً وافتقارًا.

لكن من هداية الإيمان أن يتعلم القلب ألّا يبقى أسيرًا لما لا يعرف.

وأن ينتقل قليلًا قليلًا من سؤال:

«يا رب، ماذا سيحدث؟»

إلى دعاء أهدأ:

«يا رب، أيًّا كان ما سيحدث، لا تتركني لنفسي».

ومن سؤال:

«هل ستكون النهاية كما أريد؟»

إلى يقين:

«مهما كانت النهاية، سيكون الله هو الله».

وهذه طمأنينة لا تأتي دفعة واحدة.

نتعلمها مع الأيام. نتعثر ثم نعود. نقلق ثم نتذكر. نضعف ثم ندعو.

وربما يعود الخوف بعد أن ظننا أننا تجاوزناه، فنعود إلى الله مرة أخرى.

وهذا أيضًا من الطريق.

لا تحتاج أن تكون قويًا ومطمئنًا طوال الوقت حتى يكون رجوعك إلى الله صادقًا.

يكفي أن تعرف إلى من تعود حين تهتز.

قال الله تعالى:

﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

البقرة: 216

ولعل أجمل ما في الآية أنها لا تطلب منك أن تعرف.

بل تريحك من عبء أن تعرف كل شيء.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾.

يكفي أن هناك من يعلم.

يكفي أن الغد الذي يخيفك ليس مجهولًا عند الله. يكفي أن التفاصيل التي لا تستطيع ترتيبها قد أحاط بها علمه. يكفي أن قلبك، بكل ما فيه الآن، معلوم لديه.

دعاء حين لا تعرف ماذا سيحدث

فيا رب…

إن كان الغد يحمل لي ما أحب، فارزقني قلبًا شاكرًا.

وإن حمل لي ما لم أتمنَّ، فارزقني قلبًا تجبره بلطفك.

وإن طال الانتظار، فلا تجعل الانتظار يرهق روحي بعيدًا عنك.

وإن لم أفهم حكمتك، فلا تجعل عدم فهمي يحجبني عن رحمتك.

وإن خفت، فذكّرني أنك معي.

وإن ضعفت، فاحملني.

وإن كثرت في رأسي الاحتمالات، فاردد قلبي إلى حقيقة واحدة:

أنك أنت الله.

يا رب، لا أريد أن أعرف الغد كله.

أريد فقط ألا يسرق الغد المجهول سلامي معك.

لا أريد يقينًا بأن كل شيء سيحدث كما أتمنى.

أريد يقينًا بأنك لن تتركني في شيء تكتبه لي.

فأصلح قلبي يا رب… أيًّا كان ما سيحدث.

تعليقات

عدد التعليقات : 0