الثقة بالله دون معرفة المستقبل: ماذا يكشف في قلبك سؤال «ماذا سيحدث؟»

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🌫️ يا رب، ماذا ظهر في قلبي لأنني لا أعرف ماذا سيحدث؟

يا رب، لم يكن أثقل ما في الأمر أن شيئًا سيئًا قد يحدث، بل أنني لا أعرف ماذا سيحدث أصلًا.

لو عرفتُ النهاية، لربما احتملتُ الطريق. لو عرفتُ أن الباب سيفتح، لصبرتُ أمامه. لو عرفتُ أن ما أخشاه لن يقع، لنمتُ هذه الليلة. ولو عرفتُ أن الألم قادم، لاستعددتُ له.

لكنني لا أعرف.

رجل يجلس أمام طريق ممتد وسط الضباب والضوء، تعبيرًا عن الثقة بالله مع جهل ما يحمله الغد
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الثقة بالله دون معرفة المستقبل

وهنا ظهر شيء أعمق من الخوف.

ظهر أن قلبي لم يكن يطلب منك القوة فقط، بل كان يطلب معلومة مسبقة تجعل القوة أقل ضرورة.

كنت أقول إنني أريد سلامك، بينما جزء مني كان يقول: أعطني أولًا ما يكفي من المعلومات عن الغد، ثم سأهدأ.

كنت أظن أنني أطلب الطمأنينة، لكنني كنت أطلب في الحقيقة ضمانًا.

ضمانًا بأن الشخص لن يرحل. بأن الخطة لن تفشل. بأن الخبر سيكون جيدًا. بأن الباب الذي أنتظره سيفتح. بأن خسارةً ما لن تقترب مني. بأن ما بنيته لن ينهار فجأة.

ولأن هذه الضمانات لم تأتِ، اكتشفتُ إلى أي حد كان سلامي مربوطًا بها.

فالإنسان لا يعرف دائمًا على ماذا يتكئ قلبه، حتى يُسحب منه حق معرفة الخطوة التالية.

ماذا يكشف عدم اليقين في القلب؟

عدم معرفتي بالغد لم يخلق ما في قلبي؛ لقد كشفه.

كشف أنني أريد أحيانًا أن أرى آخر الصفحة قبل أن أوافق على عيش الصفحة التي بين يدي.

أريد أن أعرف إلى أين تأخذني، ثم أقرر إن كنت سأثق بك في الطريق.

أريد أن أفهم لماذا سمحت بهذا، وإلى متى سيستمر، وما النتيجة، ثم أقول: نعم، أنت صالح.

وكأنني لا أطلب منك أن تكون رب الطريق، بل أن تقدم لي الطريق كاملًا للمراجعة قبل أن أمشيه.

وهذه هي قسوة عدم اليقين: إنه يسلبني القدرة على أن أعيش بالإجابة، ويجبرني أن أرى هل أستطيع أن أعيش بك أنت.

حين أعرف ما سيحدث، أستطيع أن أستمد راحتي من النتيجة قبل أن تصل. أمتلكها في خيالي، وأتعلق بها، وأقول لنفسي: اصبر، فالنهاية ستكون هكذا.

أما حين لا أعرف، فلا توجد نتيجة أختبئ داخلها.

لا يبقى أمام قلبي إلا السؤال الذي كان يؤجله طويلًا:

إن لم يخبرني الله ماذا سيفعل، فهل يكفيني أن أعرف مَن هو؟

إن لم أعرف ماذا سيحدث، فهل تكفيني معرفة الله؟

وهنا تنكشف المسألة.

ربما لم يكن خوفي كله من المستقبل، بل من أن أُضطر إلى الثقة من دون أن أحصل على ضمان مقابل ثقتي.

كنت أريد إيمانًا معه إيصال استلام.

أضع قلبي بين يديك، لكن بعد أن تؤكد لي أنه لن يُجرح. أطيع، لكن بعد أن أعرف أن الطاعة ستنجح بالطريقة التي أتخيلها. أنتظر، لكن بشرط أن أعرف موعد انتهاء الانتظار. أترك، لكن بعد أن تريني ماذا سأحصل بدلًا مما تركته.

وقد أبقى أحيانًا في موضع لا يظهر لي فيه إلا نور الخطوة الحالية.

فهناك معرفة لا يستطيع قلبي أن يتعلمها إذا كنتُ أعرف كل شيء مقدمًا:

أن أمان الإنسان ليس في امتلاكه خريطة الغد.

أن معرفتي بما سيحدث ليست هي التي تحفظ حياتي.

وأن الغد لم يكن يومًا آمنًا لأنني فهمته، بل لأنه لم يكن خارج سلطانك لحظة واحدة.

أنا أتوتر لأن المستقبل بالنسبة إليَّ غرفة مظلمة.

أما بالنسبة إليك، فليس فيه شيء مظلم.

ما أسميه "مجهولًا" هو مجهول لي فقط.

جهل الغد وحدود العبودية

وقد وضع القرآن هذا الحد بين علم العبد وعلم ربه في كلمات قليلة:

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: 34].

فجهلي بالغد ليس خللًا في نظام الحياة؛ بل هو جزء من حقيقة عبوديتي. أنا لا أُعطى الغيب حتى أستطيع أن أعيش، وإنما أُعطى من الهدى ما يكفيني لأعبد الله في اليوم الذي أنا فيه.

أنا أصل إلى اللحظة للمرة الأولى؛ أما أنت فلا تفاجئك اللحظة حين تصل.

وهذه الحقيقة لا تعطيني الإجابة التي يطلبها فضولي: ماذا سيحدث؟

لكنها تعطيني شيئًا أعمق: ما سيحدث لن يكون خارج علمك ولا سلطانك ولا تدبيرك.

وربما هذا هو الإيمان الذي يحتاج قلبي أن يتنقّى إليه.

ليس إيمانًا يقول: أنا مطمئن لأنني متأكد أن الأمور ستسير كما أريد.

بل إيمانًا يقول: أنا لا أعرف كيف ستسير الأمور، ولهذا بالضبط سأكتشف أين وضعتُ ثقتي.

فالسلام الذي يحتاج إلى معرفة النتيجة ليس سلامًا كاملًا؛ إنه اتفاق مؤقت بين قلبي والسيناريو الذي يفضله.

أما السلام الذي يبقى حين تختفي السيناريوهات، فهو سلام بدأ يجد جذره الحقيقي.

كيف أعيش اليوم دون أن أطالب الغد بضمان؟

يا رب، سامحني لأنني جعلتُ معرفتي بالغد شرطًا خفيًا لراحتي اليوم.

سامحني لأنني حاولت أن أحمل يومًا لم يصل بعد، فقط لأنني لم أحتمل أن يكون هناك شيء لا أملكه ولا أفهمه.

سامحني لأنني تعاملت أحيانًا مع عدم المعرفة وكأنه دليل على عدم الأمان.

علّمني أن أفرق بينهما.

أنا لا أعرف، نعم.

لكن عدم معرفتي لا يعني أنك غائب.

أنا لا أرى، نعم.

لكن ضيق رؤيتي لا يعني أن الطريق بلا رعاية.

ليس لدي ضمان بأن كل ما أخشاه لن يقع، ولا أستطيع أن أكتب النهاية التي أريدها ثم أطلب منك توقيعها.

لكن يمكنني أن أضع أمامك شيئًا أعمق من أسئلتي:

قلبي الذي ظهر الآن.

هذا القلب الذي يحب السيطرة أكثر مما كان يعترف. الذي يستريح إلى التوقعات. الذي يريد أن يسبق الزمن كي لا يُفاجأ. الذي يظن أن كثرة التفكير قد تمنحه سلطة على ما لم يحدث بعد.

خذه، يا رب.

ولا تعطِني فقط إجابة تسكت خوفي هذه المرة، إن كانت ستتركني عبدًا للحاجة إلى الإجابات في المرة القادمة.

اصنع في داخلي شيئًا أثبت.

حتى إذا لم أعرف ماذا سيحدث، أعرف أين أضع قلبي.

وحتى إذا لم أعرف شكل الطريق، لا أطلب أن أرى نهايته كي أوافق على المضي فيه متوكلًا عليك.

وحتى إذا بقي الغد بلا تفسير، لا أجعل جهلي بالغد أقوى من معرفتي بك.

لأن السؤال في النهاية ليس دائمًا:

يا رب، ماذا سيحدث؟

أحيانًا السؤال الذي يكشف القلب حقًا هو:

يا رب، ماذا ظهر فيَّ عندما لم تخبرني ماذا سيحدث؟

وإذا كان عدم المعرفة قد كشف أنني كنت أتعلق بالضمان أكثر مما ظننت، فليكن هذا المجهول مكانًا أتعلم فيه الحرية.

أن أعيش يومي من دون أن أطالب الغد بأن يعرّف نفسه لي.

أن أفعل ما عليّ اليوم، وأترك ما لم يصل بعد في يدك.

وأن أقول، بقلب لا يملك النتيجة لكنه يتعلم الثقة:

لا أعرف ماذا سيحدث يا رب… لكنني لم أعد أريد أن أجعل معرفتي بما سيحدث شرطًا لكي أثق بك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0