الخوف من الزوال: لماذا نحزن على ما لم نفقده بعد؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

⏳ الخوف من الزوال الذي يفسد الحاضر

حين تدفع للحزن أقساطه قبل أن يأتي موعده

شخص يجلس أمام مشهد هادئ مع ساعة رملية في تصميم يعبّر عن الخوف من زوال النعمة والحزن على الفقد قبل وقوعه.

يكون الشيء بين يديك. الشخص الذي تحبه موجود. الجسد ما زال معافى. البيت مستقر. الرزق يصل. المرحلة هادئة.

ثم، في وسط لحظة كان يمكن أن تكون جميلة، يظهر سؤال صغير:

وماذا لو فقدت هذا؟

لا شيء قد حدث.

لكن الصورة تدخل.

ماذا لو مرض من أحب؟ ماذا لو انتهت هذه العلاقة؟ ماذا لو ضاع هذا الرزق؟ ماذا لو تغير كل شيء فجأة؟

فتتقلص الفرحة قليلًا.

لا لأن النعمة نقصت.

بل لأنك بدأت تعيش غيابها وهي ما تزال حاضرة.

وهنا يقع شيء شديد القسوة لا ننتبه إليه:

نحن أحيانًا لا ننتظر الحزن حتى يأتي.

نبدأ بدفع أقساطه مقدمًا.

كأن القلب يحاول عقد صفقة مع المستقبل:

سأحزن عليه قليلًا الآن، حتى لا يفاجئني حزنه كله لاحقًا.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الحزن المقدم لا يشتري لك حماية

قد يبدو هذا الخوف نوعًا من الاستعداد.

تقول لنفسك:

لا أريد أن أتعلق كثيرًا.

لا أريد أن أفرح كثيرًا.

لا أريد أن أشعر بالأمان الكامل.

لأن الأشياء لا تدوم.

وفي أصل هذه الجملة حقيقة:

نعم، الدنيا تتغير.

ولا أحد يملك ضمان بقاء ما يحب.

لكن القلب قد يبني فوق الحقيقة نتيجة لم يقلها أحد:

ما دام الشيء قد يزول، فمن الحكمة ألا أسمح لنفسي أن أستمتع به كاملًا وهو موجود.

وهنا السؤال الذي يكشف الخلل:

هل الحزن على النعمة قبل فقدها سيجعل فقدها ـ إن وقع ـ أقل ألمًا… أم سيجعلك فقط تفقد جزءًا منها وهي ما تزال عندك؟

فكر فيها.

إذا كان من تحب معك اليوم، وخشيت فقده حتى عجزت عن الاستمتاع بوجوده، فما الذي حققه الخوف؟

لم يمنع الفقد.

ولم يمدد العمر.

ولم يعطك معلومة عن الغيب.

لقد أخذ فقط من اللحظة التي كانت لك.

كأنك دفعت ثمنًا مقابل تأمين لم يمنحك أي حماية.

لا تختصر الحاضر إلى كونه «ما قبل الفقد»

حين يشتد الخوف من فقد النعمة، تتغير طريقة رؤيتك للنعمة.

لا تعود تراها في صورتها الحالية.

تراها تحت ظل نهايتها.

تنظر إلى وجه من تحب، فيمر في ذهنك غيابه. تجلس في بيتك، فتفكر فيما لو فقدته. تشعر بالعافية، فتفتش عن علامة المرض. تعيش مرحلة مستقرة، فتقول:

أخشى أن يكون هذا الهدوء قبل شيء سيئ.

وبالتدريج، لا تعود اللحظة لحظة.

تصبح مقدمة لاحتمال.

وجود الشخص يصير «ما قبل رحيله».

العافية تصير «ما قبل المرض».

السعة تصير «ما قبل الضيق».

والطمأنينة تصير «ما قبل الصدمة».

وحينها لا يحتاج المستقبل إلى أن يسلبك النعمة.

لقد بدأ خوفك يسلبك قدرتك على تلقيها.

أنت لا تريد ضمان البقاء فقط

وربما كان في عمق هذا الخوف شيء أدق.

أنت لا تخاف الزوال فحسب.

أنت تخاف من فكرة أنك إن سمحت لنفسك أن تحب النعمة كثيرًا، فسوف تعطيها القدرة على إيذائك أكثر إذا ذهبت.

فتقول النفس:

إذا خففت تعلقك الآن، خف الألم لاحقًا.

إذا لم تفرح كثيرًا، فلن تنكسر كثيرًا.

إذا لم تسكن تمامًا، فلن يكون اقتلاعك مؤلمًا.

وهكذا تحاول أن تحمي قلبك بطريقة عجيبة:

تمنعه من السكن حتى لا يتألم إذا اضطر إلى الرحيل.

لكن ما ثمن هذه الحماية؟

أن تعيش عمرك كله واقفًا عند الباب.

لا تدخل تمامًا.

لا تفرح تمامًا.

لا تستريح تمامًا.

لا تحب تمامًا.

لأنك تخشى أن يكون كل امتلاء مقدمة لفقد.

وهذه ليست سلامة.

هذه خسارة مؤجلة الشكل، حاضرة الأثر.

الإيمان لا يعطيك عقد بقاء

وهنا يحتاج القلب إلى ميزان صريح.

التوكل لا يعني أن تقول:

لن تزول نعمتي.

وحسن الظن بالله لا يعني أن تتوقع بقاء كل ما تحب.

والشكر لا يعني أن الله قد ضمن لك استمرار العطية بالصورة نفسها.

الدنيا ليست دار ضمان للأشياء.

لكن الإيمان يعطيك شيئًا آخر أهم:

ألا تضطر إلى امتلاك الغد حتى تعيش اليوم.

قال الله تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ۝ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾

[الحديد: 22-23]

ليس في الآية دعوة إلى برود القلب، ولا إلى منع الفرح الطبيعي بالنعم.

إنما فيها تحرير للقلب من أن يبني وجوده كله على امتلاك الأشياء وضمان بقائها.

ما فات، لم يخرج عن علم الله.

وما أتاك، لم يصبح ملكًا مستقلًا عن تدبيره.

وحين يستقر هذا، يحدث توازن بالغ الجمال:

لا تمسك النعمة بيد مرتجفة كأن حياتك تنتهي إن ذهبت.

ولا تدفعها بعيدًا خوفًا من أن تتألم إن فقدتها.

تأخذها كما هي:

نعمة حاضرة.

وتعطيها حقها الآن.

ليس الوفاء للنعمة أن تحزن عليها قبل وقتها

قد يظن الإنسان أن خوفه المستمر دليل على مقدار حبه.

كلما أحب أكثر، خاف أكثر.

وكلما عظم الشيء في قلبه، بدأ يتخيل فقده.

لكن الحب لا يحتاج إلى هذه الضريبة.

إذا أحببت شخصًا، فوجوده الآن يطلب منك الحضور معه، لا التدريب على جنازات لم تقع.

وإذا كنت معافى، فالعافية تطلب منك أن تستخدم جسدك فيما ينفع، لا أن تراقبه كأن المرض قد وقع بالفعل.

وإذا وسع الله عليك في رزق، فحق السعة الشكر وحسن التدبير، لا أن تعيش كل يوم داخل سيناريو الإفلاس.

الخوف لا يثبت أنك تقدر النعمة.

أحيانًا يثبت فقط أنك لم تتعلم بعد كيف تمسك شيئًا جميلًا دون أن تطلب منه ضمانًا أبديًا.

لا تدفع الفاتورة مرتين

إذا وقع الفقد يومًا، فسيكون له ألمه الحقيقي.

وسيأتي معه ما يحتاجه قلبك يومها من صبر، ودعاء، وأخذ بالأسباب، واستعانة بالله.

لكن لماذا تضيف إلى ذلك أعوامًا من الحزن التجريبي قبل وقوعه؟

لماذا تدفع فاتورة حدث لم يأت؟

بل ربما لا يأتي بالصورة التي تتخيلها أصلًا.

كم من إنسان أفسد سنوات جميلة بخوف من أمر لم يقع؟

وكم من أب نظر إلى أولاده وهم حوله، فلم يستطع أن يفرح بهم لأن عقله كان يسافر باستمرار إلى احتمال فقدهم؟

وكم من إنسان عاش مرحلة مستقرة، لكنه لم يعرف قيمتها إلا بعدما انتهت، لأنه أمضاها يتوقع النهاية؟

هذه من أشد خسائر الخوف:

أن يجعلك بعد سنوات تكتشف أنك كنت داخل نعمة… لكنك كنت مشغولًا بالخروج منها.

أعط اليوم ما يخص اليوم

العلاج لا يحتاج أن تقنع نفسك بأن كل شيء سيبقى.

لا تقل:

لن يحدث شيء.

فأنت لا تعلم.

قل شيئًا أصدق:

ليس علي اليوم أن أحزن على شيء لم أفقده اليوم.

هذه الجملة تعيد الزمن إلى مكانه.

اليوم، هذا الشخص موجود.

فأحسن وجودك معه.

اليوم، هذه النعمة بين يدي.

فاشكر واستعملها في الخير.

اليوم، الأمر مستقر.

فلا تبحث له عن كارثة كي تشعر أنك واقعي.

وإذا ظهر خطر حقيقي، فتعامل معه بما تستطيع.

أما الاحتمال المجرد، فلا تمنحه حقوق الواقعة.

لا تسمح له أن يفرض حزنًا.

ولا أن يعطل فرحًا.

ولا أن يحول حضور النعمة إلى بروفة لغيابها.

وقد يعود الخوف.

قل له:

نعم، يمكن للأشياء أن تتغير.

لكن إمكانية التغير ليست حدثًا وقع.

وإن جاء يوم آخر، فسيأتي معه تكليفه.

أما تكليف هذه اللحظة، فهو ألا تظلمها بما لم يحدث فيها.

أمسك النعمة دون أن تخنقها

هناك طريقة متعبة جدًا في امتلاك الأشياء:

أن تضمها إلى صدرك بقوة خوفًا من فقدها.

تراقبها.

تفحصها.

تسأل باستمرار إن كانت ما تزال لك.

حتى يصبح وجودها نفسه مصدرًا للقلق.

وهناك طريقة أخرى:

أن تستقبلها بيد شاكرة، لا بقبضة مذعورة.

تعرف أنها من الله.

وتعرف أنك لا تملك لها خلودًا.

لكن هذا لا يمنعك من أن تفرح بها، وتحسن استعمالها، وتعطيها حقها ما دامت بين يديك.

وهذا هو المعنى الذي يعينك على أن ترى النعمة قبل زوالها، دون أن يتحول تذكر فنائها إلى خوف يفسد حضورها.

فإذا بقيت، شكرت.

وإذا تغيرت الأحوال، استعنت بالله على حالها الجديد.

أما الآن…

فلا تجعل احتمال النهاية يفسد عليك نعمة البداية والاستمرار.

ليس مطلوبًا منك أن تؤمن ببقاء الأشياء.

المطلوب أن تؤمن أن الله هو ربك في بقائها وفي زوالها.

وهذا هو الأمان الذي لا يستطيع الخوف أن يمنحك إياه.

فلا تدفع للحزن أقساطًا عن مستقبل لم يأت.

ولا تحوّل كل نعمة إلى وداع مبكر.

إن جاء يوم الفقد، فلا تحمل ألمه مرتين: مرة حين يقع، ومرة طوال السنوات التي كان الشيء فيها ما يزال بين يديك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0