بعض الأقدار لا يضاعف ألمها أنها موجعة فقط، بل أنك لا تعرف أين تضعها في عقلك.
وهنا يبدأ سؤال الإيمان بحكمة الله.
تبحث عن تفسير يجعل ما حدث مفهومًا. تراجع البدايات، وتقارن الاحتمالات، وتفتش في الماضي، وتحاول أن ترى خيرًا خرج من الأمر، أو شرًا دُفع عنك، أو درسًا تعلمته، أو طريقًا فتح بعد أن أُغلق طريق.
فإذا وجدت تفسيرًا مقنعًا، هدأ شيء في داخلك وقلت:
الآن فهمت.
الآن عرفت الحكمة.
الآن أستطيع أن أطمئن.
وهذا في ذاته ليس خطأ. من رحمة الله بالعبد أن يفتح له أحيانًا شيئًا من معاني ما جرى، وأن يرى بعد زمن ما لم يكن يراه في لحظة الألم.
لكن هناك سؤالًا أدق من كل ذلك:
ماذا يحدث لإيمانك بحكمة الله حين لا تأتيك كلمة: «الآن فهمت»؟
حين تمر السنوات، ولا يظهر لك تفسير.
حين يبقى الحدث مؤلمًا كما هو، والسبب غائبًا كما هو، ولا تستطيع أن تستخرج منه قصة مريحة تقول بها لنفسك: لهذا حدث كل شيء.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين يصبح فهم الحكمة شرطًا للطمأنينة
هنا قد ينكشف شرط خفي لم نكن نعرف أننا وضعناه.
نقول: الله حكيم.
لكن النفس قد تضيف بصمت:
وسأطمئن إلى حكمته حين أفهمها.
وهكذا تتحول الحكمة، من حيث لا نشعر، من حقيقة نؤمن بها في الله إلى نتيجة تنتظر اعتماد عقولنا.
كأن المعنى في الداخل صار:
إن استطعت أن أرى وجه الحكمة، صدقت أن الأمر حكيم.
وإن عجزت عن رؤيته، بقيت حكمة الله نفسها معلقة داخل قلبي حتى يصلني التفسير.
وهنا يقع الخلل الدقيق.
لأنك لم تعد تسأل فقط: ما الحكمة؟
بل صار هناك سؤال أعمق مختبئ خلفه:
هل أستطيع أن أصدق وجود حكمة لا أستطيع الوصول إليها؟
هذه هي المسافة التي يختبر فيها معنى الإيمان بالحكيم.
فالشيء الذي لم تفهم حكمته ليس بالضرورة شيئًا بلا حكمة.
قد يكون الذي غاب هو تفسيرك، لا الحكمة نفسها.
وهذا الفرق صغير في العبارة، لكنه ضخم في القلب.
موسى والخضر: ما لم تحط به خبرًا
حين صحب موسى عليه السلام الخضر، وقعت أمامه أمور لم يستطع أن يضعها داخل المعنى الذي يعرفه. سفينة تُخرق، وغلام يُقتل، وجدار يُقام لقوم لم يضيفوهما.
ولم يكن الإشكال أن الأحداث بلا أسباب.
بل أن الأسباب لم تكن داخل دائرة علم موسى في تلك اللحظة.
ولهذا قال الخضر له:
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68].
تأمل دقة التعبير:
ما لم تحط به خبرًا.
هناك شيء ينقص من المشهد.
معلومة ليست عندك.
صلة بين أحداث لا تراها.
مآلات لا تعرفها.
ثم لما كُشف له بعض ما كان غائبًا، تغير معنى المشهد كله، وقال الخضر:
﴿ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82].
الإيمان بالحكمة لا يحتاج إلى اختراع الحكمة
وليس معنى هذا أنك ستُعطى في حياتك تفسيرًا لكل ما يؤلمك.
لسنا موعودين بأن تُكشف لنا في الدنيا حكمة كل فقد، وكل تأخير، وكل باب أُغلق، وكل دعاء لم نر إجابته بالصورة التي تمنيناها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
لا ينبغي أن نخفف وجع الإنسان بحكايات غيبية نخترعها له:
«حدث هذا لأن الله يريد لك كذا.»
«حُرمت هذا حتى يعطيك أفضل منه.»
«تأخر الأمر لأن شيئًا أجمل ينتظرك.»
قد يقع شيء من ذلك، وقد لا نعلمه أبدًا.
الإيمان بالحكمة لا يحتاج إلى اختراع الحكمة.
بل ربما يكون من أنضج العبودية أن تقف أمام قدر لا تفهمه وتقول:
لا أعرف لماذا حدث.
ولا أعرف ماذا سيخرج منه.
ولا أعرف هل سأفهمه يومًا في الدنيا.
لكنني أعرف من هو الله.
وهنا يظهر الفرق بين إيمان يعتمد على التفسير، وإيمان يعتمد على معرفة المعبود.
الأول يطمئن بعد أن تُفتح له الأوراق.
أما الثاني فيعرف أن نقص الأوراق عنده لا يعني نقص العلم عند الله.
وهذا لا يطلب منك أن تتظاهر بأنك لا تتألم.
ولا أن تسمي الشيء المؤلم جميلًا.
ولا أن تتوقف عن سؤال الله الفرج، أو البحث عن العلاج، أو دفع الضر، أو مراجعة الأسباب، أو محاولة الفهم.
السؤال ليس اعتراضًا بمجرده.
والحيرة ليست كفرًا بالحكمة.
والألم لا يعني أنك أسأت الظن بالله.
الفرق بين «أنا لا أفهم» والحكم على الحكمة
لكن موضع المراجعة يبدأ عندما يتحول:
إلى:
«إذن لا أستطيع أن أطمئن إلى أن لهذا حكمة.»
لأن بين الجملتين قفزة لا يملك العقل دليلًا عليها.
أنت أثبتَّ شيئًا واحدًا فقط: أنك لا تعرف.
أما أن ما لا تعرفه لا يمكن أن تكون وراءه حكمة، فهذا حكم أكبر بكثير من المعلومات التي تملكها.
التواضع أمام حدود العقل
ولهذا فإن إحدى أصعب صور التواضع ليست أن تعترف بأنك ضعيف.
بل أن تعترف بأنك لا تحيط.
أن تقبل أن عقلك، مع قيمته ووجوب استعماله، ليس الموضع الذي يجب أن تمر به أفعال الله حتى تحصل على شهادة الحكمة.
الله لم يصر حكيمًا يوم فهمت بعض أقداره.
كان حكيمًا وأنت تبكي ولا تفهم.
وكان حكيمًا قبل أن تظهر لك العلاقة بين الأحداث.
وهو سبحانه حكيم فيما كشف لك وجهه، وحكيم فيما بقي عنك مستورًا.
وهذا من جنس معرفة الله قبل تغير الظروف؛ فلا تصبح صفاته سبحانه أكثر ثبوتًا في قلبك لأن المشهد صار أسهل قراءة.
حين تنكشف لك الحكمة بعد زمن
ومن هنا قد تحتاج النفس إلى مراجعة طريقة فرحها حين تنكشف لها الحكمة أيضًا.
فحين ترى بعد سنوات خيرًا خرج من ألم قديم، لا تقل في أعماقك:
الآن ثبت أن الله كان حكيمًا.
بل قل:
الآن فقط سمح لي أن أرى شيئًا من حكمة كانت موجودة قبل أن أراها.
الفرق عظيم.
في الأولى يصبح فهمك هو الذي صدّق الحكمة.
وفي الثانية تصبح الحكمة هي الأصل، وفهمك هبة زائدة.
كيف تؤمن بحكمة الله حين لا تفهم؟
وهذا هو العلاج من جنس الخلل:
حين يعذبك البحث عن التفسير، لا تمنع نفسك من التفكير، ولكن ضع للتفكير حدوده.
قل:
أنا أبحث عما أستطيع أن أفهمه، ولا أجعل ما عجزت عن فهمه حجة على الله.
أسأل، لكنني لا أتهم.
أحاول أن أرى، لكنني لا أجعل رؤيتي شرطًا لوجود المعنى.
أدفع الألم بما أستطيع، وأدعو الله أن يكشفه، لكنني لا أطالب القدر بأن يشرح نفسه لي حتى أطمئن إلى حكمة ربي.
فربما كان أحد أعمق معاني الإيمان باسم الله الحكيم أن يبقى هذا الاسم ثابتًا في قلبك حين لا تجد بين يديك تفسيرًا يثبته.
أما حين ترى كل الأسباب والمآلات والخيرات بوضوح، فقد صار أمامك شيء تشاهده.
لكن حين تغيب عنك الحلقة التي تجعل المشهد مفهومًا، ثم يبقى قلبك يقول:
ربي أعلم مني.
وربي أحكم مني.
وما خفي عني لا يخفى عليه.
فهنا يأخذ الإيمان بالحكمة معناه الأثقل.
جهلك بوجه الحكمة لا ينفي الحكمة؛ إنه يثبت شيئًا واحدًا فقط: أن علمك لم يُحط بها.
لا تجعل سلام قلبك رهين التفسير
وقد تمر بك أقدار تفهمها بعد ساعة.
وأخرى بعد عام.
وأخرى بعد عشرين عامًا.
وقد تبقى أشياء تحملها إلى قبرك ولا تعرف لماذا جرت بهذه الصورة.
فلا تجعل سلام قلبك متوقفًا على وصول التفسير.
دع لنفسك حق الألم.
وحق السؤال.
وحق البحث.
وحق الدعاء بأن يكشف الله الضر ويشرح لك ما يشاء من المعنى.
لكن لا تعط فهمك منصبًا لم يُخلق له.
ليس مطلوبًا من حكمة الله أن تصبح مفهومة لك حتى تكون حكمة.
وإيمانك بأن الله حكيم لا يبلغ أنضج مواضعه حين تقول بعد انكشاف الأسباب:
«الآن فهمت.»
بل حين تستطيع، قبل أن تفهم، أن تقول:
لا أعلم لماذا…
لكنني أعلم بمن آمنت.