حين تكون ملجأ الجميع ولا تجد من يؤويك: التعب من دور القوي

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

حين ينهار أحدهم، يعرف كيف يصل إليك. حين يضيق صدره، يرسل لك. وحين تتشابك عليه الأمور، ينتظر منك الكلمة التي تعيد الأشياء إلى مواضعها. أنت الذي يسمع حتى النهاية، ويبحث عن العبارة الأقل قسوة، ويجمع شتات الآخرين حين يعجزون عن جمعه.

ثم يأتي يومك أنت.

تفتح هاتفك، ولا تبحث هذه المرة عمن تستطيع مساعدته، بل عمن تستطيع أن تكون أمامه متعبا بلا شرح طويل، وضعيفا بلا حرج، وصامتا من غير أن يطالبك بأن تعود بعد دقائق إلى دورك المعتاد.

تمر الأسماء واحدا واحدا… ثم تغلق الهاتف.

رجل متعب يجلس وحده في غرفة دافئة تعبيرًا عن الشخص الذي يكون ملجأ للآخرين ولا يجد من يؤويه حين يحتاج إلى السند
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يتحول الإيواء إلى دور لا يسمح لك بالتعب

ليس لأنك لا تعرف أحدا، بل لأنك لا تعرف عند من تستطيع أن تنزل عن الحراسة.

وهنا يقع جرح لا تصنعه الوحدة وحدها: أن تصبح معروفا عند الناس بقدرتك على الإيواء، حتى تكاد تنسى أن لك أنت أيضا حاجة إلى مأوى.

متى تحولت قدرتك على حمل الناس إلى حكم يمنعك من أن تُحمل؟

قد يكون حولك من اعتاد الأخذ ولم يتعلم أن يسأل عنك. وقد يكون بينهم من يحبك حقا، لكنه لم ير منك إلا النسخة التي تعرف ماذا تقول، وكيف تتصرف، ومتى تتماسك. وربما شاركت أنت، من غير قصد، في تثبيت هذه الصورة؛ كلما اقترب أحد من تعبك قلت: «أنا بخير»، وكلما حاول أن يحمل عنك شيئا أسرعت إلى طمأنته، ثم عدت إلى موقعك القديم: الشخص الذي لا يحتاج شيئا.

ومع الوقت لا يعود الصمت مجرد عادة، بل قد يتحول إلى قانون داخلي: لا ينبغي أن أضعف؛ لأنهم يعتمدون علي. لا ينبغي أن أتكلم؛ فلكل واحد منهم ما يكفيه. لا ينبغي أن أطلب؛ أنا الذي اعتاد الناس أن يطلبوا منه.

حين تصبح القوة التي خدمت بها الناس سجنا

فتصبح القوة التي خدمت بها الناس سجنا لا يسمح لك بالخروج منه.

والخلل هنا ليس في كونك سندا. الإحسان إلى الناس نعمة، وحمل شيء من همومهم خلق كريم. إنما موضع المراجعة أن تتحول هذه الوظيفة إلى تعريف كامل لنفسك، حتى تشعر أن حاجتك إلى السند تناقض قيمتك، وأن ظهور تعبك يسقط الصورة التي يحبها الناس فيك.

أنت لا تفقد قوتك حين تحتاج.

بل تكف فقط عن مطالبة نفسك بما لم يطالب الله به البشر: أن تكون مصدرا لا ينضب، وقلبا لا يرهق، وكتفا لا يميل مهما طال الوقوف.

«زملوني»: الحاجة البشرية لا تناقض القوة

ومن أبلغ ما يكسر هذه الصورة أن تتأمل أول لحظات الوحي.

عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة رضي الله عنها يرجف فؤاده، وقال:

«زملوني زملوني»

فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم حدثها بما جرى، فثبتته وواسته. رواه البخاري.

تأملها جيدا.

خير الخلق صلى الله عليه وسلم لم يتعامل مع ارتجافه كفضيحة، ولم ير أن مقامه يقتضي أن يدخل بيته متماسكا حتى لا يراه أحد في لحظة خوف. عاد إلى إنسان يأمنه، وطلب أن يُزمل.

لم تمنعه قوة إيمانه من أن تكون له حاجة بشرية.

الله ملجأ القلب الأعلى دون إلغاء الأسباب

وهذا فرق دقيق قد يحتاجه من اعتاد أن يكون ملجأ الآخرين: أن يكون الله ملجأ قلبك الأعلى لا يعني أن تلغي حاجتك إلى أسباب الرحمة التي جعلها بين عباده. والتوكل على الله لا يقتضي أن تستغني عن كلمة صادقة، أو صحبة مأمونة، أو يد تحمل عنك بعض ما أثقلك، كما أن طلبك ذلك لا يعني أن قلبك تعلق بالخلق بدل الخالق.

قد تقول لنفسك: «الله معي، فلا حاجة لي بأحد». وهي كلمة قد يراد بها معنى عظيم، لكن يُخشى أن تستخدمها أحيانا لتغطي بها جرحا آخر: خوفك من أن تحتاج ثم لا تجد، أو خوفك من أن تكشف ضعفك فيتغير موضعك في أعين الناس.

الإيمان لا يطلب منك أن تكذب على احتياجك.

الله غني، وأنت عبد فقير. ومن فقر العبد أنه يحتاج إلى ربه في كل شيء، وقد يحتاج إلى خلق الله في أشياء جعلهم الله أسبابا فيها.

حين يبدأ العطاء في استنزافك من الداخل

لكن جرح «الملجأ» له حيلة أخرى أشد خفاء: أنك قد تستمر في العطاء بينما يبدأ شيء في داخلك بالاحتجاج.

تسمع المشكلة العاشرة وأنت نفسك تبحث عمن يسمع الأولى. تطمئن شخصا إلى أن من حقه أن يتعب، ثم لا تمنح نفسك الحق نفسه. تقول له: «لا تحمل كل شيء وحدك»، ثم تعود إلى بيتك محملا بما يخصك وبما حملته عنه.

وهنا قد يبدأ الإحسان نفسه يفقد صفاءه. ليس لأن الرحمة خطأ، ولكن لأن النفس إذا ظلت تعطي وهي ممنوعة من الاعتراف بحاجتها قد تتسلل إليها مرارة لا تريدها: لماذا يجدونني دائما ولا أجدهم؟ لماذا أعرف تفاصيل وجع الجميع ولا يعرف أحد ما يجري في صدري؟

هذه المرارة لا تجعل منك إنسانا سيئا. لكنها إشارة تستحق أن تُسمع قبل أن يتحول العطاء إلى استنزاف، والقرب إلى ثقل، والناس الذين أحببت خدمتهم إلى أشخاص تغضب منهم لأنهم لم يفهموا شيئا لم تسمح لهم دائما أن يروه.

فالذي يحتاجه هذا الجرح ليس أن تصبح أقل رحمة، ولا أن تغلق بابك في وجوه الجميع، ولا أن تبدأ محاكمة من حولك.

يحتاج أن تسقط شرطا واحدا:

أن تتوقف عن الاعتقاد أن قيمتك عند الناس مرتبطة ببقائك قويا أمامهم طوال الوقت.

اختر، إن وجد، إنسانا مأمونا لا تحتاج أمامه إلى أداء دور المنقذ. وبدل أن تنتظر منه أن يكتشف كل شيء وحده، جرّب صدقا بسيطا لا يحمّله ما لا يطيق ولا يخفي عنه ما تحتاج: «أنا اليوم لا أحتاج حلا… أحتاج أن تسمعني فقط».

وإن لم تجد في هذه المرحلة من تأمنه بهذا القدر، فلا تحول غياب المأوى البشري إلى حكم على نفسك. لا تقل: يبدو أن دوري في الحياة أن أحمل ولا أُحمل. ولا تجعل ألمك دليلا على أنك غير محبوب، ولا تكتب من تجربة اليوم قانونا لمستقبلك كله.

عد إلى الله ثم إلى الناس بميزان جديد

اذهب إلى الله كما أنت.

لا كالشخص الذي يعرف دائما ماذا يقول، ولا كصاحب النصائح، ولا كالكتف الذي احتمى به الآخرون.

اذهب عبدا متعبا.

قل ما عجزت عن قوله. واشكُ إليه ضعفك من غير أن تتهم إيمانك، وابك إن جاءك البكاء من غير أن تعتذر عنه، واسأله أن يكفيك، وأن يعينك، وأن يرزقك من فضله أسبابا صالحة تعينك على طاعته وحمل ما كلفك به.

ثم عد إلى الناس بميزان جديد: أعط لأنك تريد الإحسان، لا لأنك ممنوع من الضعف. اسمعهم، لكن لا تجعل كل قلب مكسور مسؤوليتك. كن سندا حين تستطيع، وتراجع حين تحتاج إلى أن تحفظ ما بقي منك.

فالملجأ الذي لا يسمح لنفسه أبدا أن يُؤوى قد ينتهي به الأمر إلى إيواء الناس من بقاياه.

أما القوة الأصدق، فهي أن تعرف أنك تستطيع أن تكون رحمة لغيرك دون أن تدعي الاستغناء، وأن تحمل بعض الناس دون أن تحمل العالم كله، وأن تقول في لحظة التعب ما قاله أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم من غير خجل:

«زملوني».

كونك ملجأ لغيرك لا يلغي حاجتك إلى مأوى؛ والقلب الذي يسند الناس يظل قلبا بشريا، لا يستغني لحظة عن الله، ولا يُعاب إذا احتاج إلى من يرفق به من عباده.

```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0