كيف يكون جبر رب العالمين؟ حين يطول الانتظار وتضيق الأسباب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🌧️ يا تُرى… كيف يكون جبرُ ربِّ العالمين؟

جبرُ مَن بيده خزائنُ السماوات والأرض.
جبرُ مَن بيده الأمرُ كلُّه.
وله الملكُ كلُّه.
وله الخلقُ كلُّه.
وإليه ترجع الأمورُ كلُّها.

يا تُرى…
كيف يكون جبرُ ملكِ الملوك؟
الواحدِ الأحد.
الصمدِ.
الذي لم يلد ولم يولد.
ولم يكن له كفوًا أحد.

كيف يكون جبرُ مَن لا يعجزه شيء؟
لا يعجزه ما استعصى عليك.
ولا ما أغلقت أسبابه.
ولا ما قال الناس عنه: انتهى.
ولا ما وقفت أمامه طويلًا حتى خُيّل إليك أن لا شيء بعده.

كيف يكون جبرُ مَن إذا أراد شيئًا قال له:
كن.
فيكون.

كيف يكون جبرُ مَن لا يحتاج إلى اجتماع الأسباب حتى يعطي؟
ولا إلى رضا الخلق حتى يفتح؟
ولا إلى أن ترى أنت الطريق حتى يخلق لك طريقًا؟

مشهد غروب هادئ مع فانوس مضيء وكتاب مغلق، تتوسطه عبارة «يا تُرى… كيف يكون جبر رب العالمين؟» في صورة رمزية للرجاء بعد طول الانتظار.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين نقيس الجبر بحدودنا

نحن حين نفكر في الجبر…
نفكر بحدودنا.

نقول:
لعل شخصًا يأتي.
لعل بابًا يُفتح.
لعل خبرًا يتغير.
لعل فرصةً تظهر.
لعل ما فقدته يعود.
لعل ما دعوت به يتحقق بالصورة التي رسمتها.

لأن هذا هو مدى نظرنا.
نرى بابًا واحدًا.
وسببًا واحدًا.
وطريقًا واحدًا.
وحلًّا واحدًا.

فإذا أُغلق الباب…
ظننا أن الجبر تأخر.
وإذا سقط السبب…
ظننا أن الطريق انتهى.
وإذا لم تقع الصورة التي تمنيناها…
خُيّل إلينا أن الرحمة لم تصل.

لكن ربك لا يملك بابًا واحدًا.
ربك يملك الأبواب كلها.
ولا يجري قدره على سبب واحد.
ولا تتوقف رحمته عند الصورة التي استطاع عقلك أن يتخيلها.

أنت ترى مشهدًا.
وهو سبحانه يعلم القصة كلها.
أنت ترى هذه الساعة.
وهو يعلم ما قبلها وما بعدها.
أنت ترى الشيء الذي انكسر.
وهو يعلم ماذا حفظ لك بانكساره.
وماذا صرف عنك.
وماذا بنى فيك.
وماذا سيخرج من بين ركامه.

حين يطول الانتظار ولا نعرف صورة الجبر

وهنا يصبح السؤال أعمق:

يا تُرى…
كيف يجبر الله قلبًا ظل سنوات يظن أن هذه الكسرة لن تلتئم؟

كيف يجبر عبدًا طال به الانتظار حتى صار يخاف أن يموت رجاؤه قبل أن يرى شيئًا؟

كيف يجبر من أعيته كثرة المحاولات؟
من دعا حتى خفت صوته؟
من انتظر حتى أصبح يخشى من الانتظار نفسه؟
من عاد إلى الله مرارًا وهو يحمل الوجع نفسه، والسؤال نفسه، والدعوة نفسها؟

نحن لا نعرف.
وهذه هي الحقيقة.

لا نعرف صورة الجبر.
ولا توقيته.
ولا الطريق الذي سيأتي منه.

لكننا نعرف شيئًا أعظم من معرفتنا بالتفاصيل:

نعرف مَن هو الله.

نعرف أن خزائنه لا تنفد.
وأن رحمته وسعت كل شيء.
وأن قدرته لا يحاصرها ما حاصرنا.
وأن الأسباب التي تقف أمامها عاجزًا ليست إلا خلقًا من خلقه.
وأن الذي خلق السبب قادر أن يخلق غيره.
وقادر أن يستغني عنه.
وقادر أن يجعل ما ظننته سدًّا طريقًا.
وما ظننته نهاية بدايةً لأمر لم يخطر لك.

قد يجبرك قبل أن يتبدل الواقع

وقد يكون الجبر كما سألت.
وقد يكون أعظم مما سألت.
وقد يكون في شيء لم تطلبه لأنك لم تكن تعلم أنك تحتاجه أصلًا.

قد يجبرك بأن يعطيك.
وقد يجبرك بأن يمنع عنك ما لو أُعطيته لكان فيه أذاك.
وقد يجبرك بأن يبدّل الواقع.
وقد يجبرك قبل أن يتبدل الواقع.

وهذا من ألطف الجبر.

أن تكون المشكلة ما تزال قائمة…
لكن الخوف الذي كان ينهشك منها قد هدأ.

أن يبقى الغد مجهولًا…
لكن قلبك لم يعد يرتجف أمامه كما كان.

أن يبقى الباب مغلقًا…
لكن روحك لم تعد معلقة بالباب، بل برب الباب.

أن يبقى السؤال بلا جواب ظاهر…
لكن شيئًا في داخلك يقول:

لي رب.

وهذه الكلمة وحدها تعيد ترتيب عالم كامل في الصدر.

قد يكون الجبر سكينةً تنزل في قلبك في ليلة كان المفترض — بكل حساباتك — أن تنهار فيها.
قد يكون قوةً لم تكن تعرف أنها فيك.
قد يكون صرفًا خفيًا لا تعرفه إلا بعد أعوام.
قد يكون تأخيرًا يحفظك.
قد يكون تعويضًا لا يشبه المفقود، لكنه يملأ موضعًا في قلبك كنت تظن أنه لن يمتلئ.
قد يكون نورًا في فهمك.
قد يكون رجوعًا صادقًا إلى الله.
قد يكون أن يريك بعد زمن أن أيامًا كنت تسميها حرمانًا كانت تحمل في طياتها ألطافًا لم تكن تراها وأنت تنزف.

الجبر أوسع من أمنية واحدة

وليس معنى هذا أن كل ما فقدته سيعود.
ولا أن كل ما دعوت به سيأتي بالصورة التي أردتها.
ولا أن الطريق سيكون دائمًا كما تمنيت.

لكن المعنى:

لا تجعل ضيق تصورك مقياسًا لسعة رحمة الله.
ولا تجعل انقطاع السبب حكمًا على قدرة الله.
ولا تجعل تأخر ما تريد دليلًا على أن الله لم يجبرك.

فالجبر أوسع من أمنية واحدة.
وأوسع من شخص.
وأوسع من وظيفة.
وأوسع من زواج.
وأوسع من شفاء بصورة بعينها.
وأوسع من باب ظل قلبك واقفًا أمامه طويلًا.

الجبر أن يتداركك الله برحمته في الموضع الذي ظننت أنك تُركت فيه.
أن يحمل قلبك حين يضعف.
أن يحفظ فيك بقية نور حين تشتد العتمة.
أن يفتح لك من المعنى ما يجعلك ترى أن قصتك لم تكن محصورة في الشيء الذي فاتك.

وأحيانًا…

تكون شدة الكسرة هي التي تجعل الإنسان يتخيل أن الجبر لا بد أن يكون بحجمها فقط.

لكن ماذا لو كان جبر الله أكبر من مجرد سدّ الكسرة؟

ماذا لو لم يرد لك فقط أن تعود كما كنت؟

ماذا لو خرجت من بعض ما مر بك بقلب آخر؟

أعرف بالله.
وأشد افتقارًا إليه.
وأقل تعلقًا بما في أيدي الناس.
وأبصر بضعف الأسباب.
وأرحم بالمكسورين.
وأهدأ أمام الغيب.
وأعلم أن النجاة ليست دائمًا أن تتغير الدنيا سريعًا…
بل أن لا تبتلع الدنيا قلبك.

من الذي يجبرك؟

تأمل هذا جيدًا:

من الذي يجبرك؟

ليس عاجزًا.
وليس فقيرًا.
وليس محدودًا.
وليس محتاجًا إلى واسطة.
وليس أمامه باب مغلق بمعنى العجز.
وليس هناك قدر خرج عن ملكه.

ولا دمعة غابت عن علمه.
ولا خوف خفيّ في صدرك لم يعلمه.
ولا ليلة طويلة قضيتها تحاول أن تبدو ثابتًا إلا وهو يعلم ما جرى فيها.
ولا دعوة قلتها بصوت مكسور ثم ظننت أنها ذهبت في الفراغ.

الله يعلم.
الله يرى.
الله يسمع.
الله يملك.
الله يقدر.

وله الحكمة التي لا يحيط بها عقلك.
وله الرحمة التي لا ينبغي أن تقيسها بلحظة واحدة من قصتك.

فإذا اشتد عليك الانتظار…

لا تقل:

كيف سيُجبر هذا؟

قل:

مَن الذي بيده الجبر؟

وإذا نظرت إلى كثرة ما انكسر…

لا تقل:

هذه أكثر من أن تُصلح.

بل تذكر:

أنت تقيس الكثرة بقدرتك أنت.

أما قدرة الله فلا تعجزها كثرة الحاجات، وإنما تكشف لك كثرةُ حاجاتك شدةَ افتقارك إليه.

وإذا ضاقت بك الأسباب حتى لم يبق في يدك شيء…

فربما هنا تتعلم بقلبك لا بلسانك فقط معنى:

أنك لم تكن متوكّلًا على السبب أصلًا.
بل على رب السبب.

يا تُرى…

كيف يكون جبرُ مَن إذا أغلق الخلق كل أبوابهم بقي بابه؟

كيف يكون جبرُ مَن إذا انقطعت الحيل لم تنقطع قدرته؟

كيف يكون جبرُ مَن يرى من قصتك ما لا تراه؟
ويعلم من ضعفك ما تخفيه؟
ويعلم موضع الكلمة التي لو نزلت على قلبك في وقتها لأحيت فيه شيئًا كاد يموت؟

كيف يكون جبرُ مَن لا يعطيك على قدر خزائنك…
بل على ما يشاء من خزائنه؟

لا ترسم للجبر بابًا واحدًا

لهذا…

لا تحاول أن ترسم لله شكل الجبر ثم تيأس إذا لم تأتِ الصورة كما رسمتها.

لا تقل:

إن لم يحدث هذا، فلا جبر.
إن لم يعد هذا الشخص، فلا جبر.
إن لم تُفتح هذه الوظيفة، فلا جبر.
إن لم يتحقق هذا الموعد، فلا جبر.
إن لم تأتِ أمنيتي بهذه الهيئة، فلا جبر.

من قال إن رحمة الله لا تعرف إلا الطريق الذي تعرفه أنت؟

من قال إن لطفه لا يدخل إلا من الباب الذي تقف أمامه؟

قد يأتيك الجبر من جهة لم تلتفت إليها أصلًا.
وقد تكتشف أن بعض ما كنت تستبعده هو الذي حمل لك النجاة.
وقد يريك الله من تدبيره بعد زمن ما يجعلك تقول:

سبحانك…
كنت أظن أنني أنتظر جبرًا واحدًا.
وكانت رحماتك تحيط بي من جهات لم أكن أراها.

إذا خفت فتذكر مَن ربك

فإذا خفت…
فتذكر مَن ربك.

وإذا طال الطريق…
فتذكر مَن ربك.

وإذا انكسر قلبك…
فتذكر مَن ربك.

وإذا لم تفهم…
فتذكر مَن ربك.

وإذا سألت نفسك:

كيف يمكن لكل هذا أن يُجبر؟

فلا تبحث أولًا عن الإجابة في حجم المأساة.

ارفع بصرك إلى عظمة الجبّار.

ثم قل لقلبك:

أنا لا أعرف كيف سيأتي الجبر.
ولا متى.
ولا بأي صورة.
لكنني أعرف مَن أرجوه.

أرجو ربّ العالمين.

ملك الملوك.
الواحد الأحد.
الصمد.

الذي إذا أراد شيئًا قال له:

كن.
فيكون.

وما دام الذي بيده أمري هو الله…

فليس لي أن أختصر رحمته في الصورة التي أراها.
ولا قدرته في الأسباب التي أعرفها.
ولا جبره في الباب الذي أنتظره.

يكفيني أن أعلم:

أنني عبدٌ ضعيف…
ولي ربٌّ عظيم.

وأنني مكسور…
ولي ربٌّ يجبر.

وأنني لا أرى الطريق كله…
لكن الطريق كله داخل ملكه.

وهذا وحده…
يفتح في القلب نافذة رجاء لا ينبغي أن يغلقها الألم.

تعليقات

عدد التعليقات : 0