كيف تسير إلى الله؟ هل تريد الوصول أم الطريق الذي يغيّرك؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد تقول في سجودك بصدق:

يا رب… أريدك.

تريد قربه، ومحبته، والأنس به، وقلبًا لا يتشعب بعيدًا عنه. تريد أن تبلغ من الإيمان منزلةً يصبح فيها الله أحبَّ إليك من كل ما سواه، وتصبح طاعته راحةً، وذكره حياةً، والرجوع إليه وطنًا للقلب.

وهذه رغبة عظيمة.

رجل عند مفترق طريق وقت الغروب أمام لافتات للطاعة وترك الحرام والمجاهدة والصبر والعودة، رمزًا للسير إلى الله.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

كيف تسير إلى الله حين تبدأ الطريق بعد الدعاء؟

لكن لهذه الرغبة امتحانًا لا يظهر دائمًا في لحظات الدعاء.

يظهر حين ينتهي الدعاء… وتبدأ الطريق.

لأن الطريق إلى الله لا يأتيك دائمًا في هيئة دمعة في سجود، أو خشوع عميق، أو انشراح يملأ صدرك.

قد يأتيك في هيئة صلاة ثقلت عليك فأقمتها.
وفي هيئة شهوة تحبها فعرفت أنها لا ترضي الله فتركتها.
وفي كلمة حق يصعب عليك قولها.
وفي باب تعلم أنه يؤذي قلبك فتغلقه.
وفي اعتذار يكسر كبرياءك.
وفي مال ليس لك فترده.
وفي طاعة تكررها أيامًا لا تشعر فيها بشيء استثنائي.
وفي ذنب تسقط فيه، ثم تأبى أن تجعل سقوطك سببًا للابتعاد، فتقوم وتتوب مرة أخرى.

مفارقة رغبة القرب دون ثمن الطريق

وهنا تظهر مفارقة دقيقة:

قد يرغب الإنسان في ثمرة القرب من الله، لكنه لا يرغب بالقدر نفسه في الأشياء التي يُصنع منها طريق القرب.

يريد قلبًا نقيًا… لكنه لا يريد أن يفارق بعض ما يلوثه.
يريد حلاوة الطاعة… لكنه يضيق بالطاعة حين تأتي بلا حلاوة.
يريد أن يكون الله أحبَّ إليه… لكنه يتألم كلما طلب منه هذا الحب أن يتنازل عن محبوب ينازعه قلبه.

يريد الوصول…

لكن بشرط ألا يأخذ الطريق منه شيئًا.

وهذا موضع يستحق أن يقف الإنسان عنده طويلًا:

هل تريد القرب من الله… أم تريد قربًا لا يكلّفك مفارقة ما يبعدك عنه؟

فالطريق ليس شيئًا منفصلًا عن الوصول.

الطريق هو الموضع الذي تتحول فيه رغبتك من أمنية جميلة إلى عبودية حقيقية.

محبة الله حين تدخل الحياة من باب الاتباع

ولهذا لم يجعل القرآن دعوى محبة الله شعورًا مكتفيًا بنفسه، بل ردها إلى طريق واضح:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].

تأمل:

﴿فَاتَّبِعُونِي﴾.

أي إن الرغبة في الله لا تُترك شعورًا معلقًا في القلب بلا أثر، وإنما تدخل إلى الحياة من باب الاتباع.

ماذا تفعل حين يأمر؟
ماذا تترك حين ينهى؟
مَن ينتصر حين يتعارض الهوى مع ما تعلم أن الله يحبه؟
ما قيمة الطريق عندك حين لا يعطيك فورًا الشعور الذي كنت تنتظره؟

هنا تتحول كلمة «أريد الله» من عبارة نقولها… إلى وجهة تعيد ترتيب اختياراتنا.

حين لا يشبه الطريق صورة الوصول

وقد يكون من أعمق أخطاء الطريق أن ننتظر أن يبدو طريق الله كما نتخيل الوصول إليه.

نتخيل الوصول نورًا وسكينةً وطمأنينةً ومحبةً وخشوعًا.

فنظن أن الطريق ينبغي أن يكون كله كذلك.

لكن الطريق قد يمر بالمجاهدة قبل السكينة، وبالصبر قبل الحلاوة، وبالترك قبل الامتلاء، وبالثبات قبل أن ترى في قلبك الثمرة التي تتمناها.

ليس لأن الألم مطلوب لذاته.
ولا لأن المشقة علامة القرب في ذاتها.
ولا لأن كل ما يؤلمك طريق إلى الله.

فالعبد لا يُطلب منه أن يحب الألم، ولا أن يبحث عن المشقة، ولا أن يترك الأسباب المشروعة، ولا أن يظن أن تعبه دليل على منزلة عند الله.

لكن حين يكون أمر الله واضحًا، ويقف الهوى في الجهة الأخرى، تصبح المجاهدة جزءًا من صدق السير.

الطاعة حين يغيب الشعور

وحينئذ قد تكون اللحظة التي لا تشعر فيها بشيء استثنائي من أهم لحظات الطريق.

تصلي لأن الله أمر، لا لأن الصلاة أعطتك اليوم الحالة التي تحبها.
تترك الحرام لأن الله حرمه، لا لأن نفسك أصبحت فجأة لا تشتهيه.
تصدق لأن الله يحب الصدق، ولو كان الكذب أسهل.
تغض بصرك مع أن النفس تريد أن تنظر.
تحفظ لسانك مع أن الانتصار للنفس لذيذ.
وتعود بعد الذنب، لأن سقوطك في الطريق لا يعني أن تجعل الطريق نفسه خلف ظهرك.

وهنا يحدث شيء بالغ الأهمية:

أنت لا تعود تستعمل الطاعة فقط لتصل إلى شعور بالقرب.

بل تصبح الطاعة نفسها تعبيرًا عن رغبتك في الله.

وهذا فرق كبير.

لأن من جعل غايته الشعور قد يضعف حين يغيب الشعور.

أما من جعل غايته الله، فإنه يتعلم أن بقاءه في الطريق لا يتوقف على أن تكون كل خطوة حلوة، بل على أن يعرف إلى مَن يسير.

التعثر لا يعني الانسحاب

وضعفك لا يبطل هذا المعنى.

قد تتأخر.
وقد تتعثر.
وقد يغلبك هواك في موضع.

لكن الفرق الكبير أن التعثر لا يتحول عندك إلى إذن بالانسحاب.

تعود.
وتستغفر.
وتصحح الخطوة.
وتدخل الطريق من جديد.

لا لأنك كامل، بل لأنك ما زلت تريد الله أكثر من رضاك بالبقاء بعيدًا عنه.

ما الخطوة التي تعرف أنها ترضي الله؟

وربما كان السؤال العملي الذي تحتاجه اليوم أبسط مما تتصور.

لا تسأل فقط:

كيف أصل إلى حال أجمل مع الله؟

واسأل:

ما الخطوة الواضحة التي أعرف أنها ترضي الله، وما زلت أؤجلها لأن نفسي لا تريد ثمنها؟

قد لا تحتاج إلى مشروع ضخم.

ربما تحتاج إلى صلاة تحفظها.
أو ذنب تقطع سببه.
أو حق تؤديه.
أو عادة تعرف أنها تجر قلبك بعيدًا فتبدأ في فك سلطانها.
أو طاعة تركتها لأنك لم تعد تشعر فيها بما كنت تشعر.

ابدأ من هناك.

فربما كنت تنتظر طريقًا يبدو عظيمًا، بينما الطريق الذي بين يديك الآن صغير جدًا… لكنه صادق.

إن كنت ترغب في الله، فلا تجعل الوصول شيئًا تطلبه، والطريق شيئًا تفاوض عليه.

ارغب في الاتباع كما ترغب في القرب.
وفي الترك كما ترغب في الطمأنينة.
وفي المجاهدة كما ترغب في الحلاوة.
وفي العودة كما ترغب في الوصول.

فمن أراد الله حقًا، لم يطلب وجهةً بلا طريق؛ لأن الطريق إلى رضاه ليس ثمنًا منفصلًا عن الوصول، بل هو صورة الوصول في كل اختيار يقدّم فيه العبد أمر الله على هوى نفسه.

تعليقات

عدد التعليقات : 0