في أول النهار، يكتب قلبك سطرًا واحدًا بخط عريض:
أن ينصلح ذلك الأمر الذي طال.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
رحمة الله أثناء انتظار الفرج
ثم يمضي يومك كله تحت مراقبة هذا السطر. تنظر إلى الهاتف، وتراجع الحساب، وتترقب خبرًا، وتعيد تقدير الاحتمالات. تمر بك لحظات هادئة، وتيسيرات صغيرة، ومواقف أعانك الله فيها على خير أو صرفك عن خطأ، لكنك لا تكاد تثبت بصرك عليها؛ لأن عينك ما تزال معلقة بما لم يحدث.
وحين يأتي المساء، تعود إلى السطر الأول. فإذا وجدته كما هو، طويت الصفحة كلها تحت حكم واحد:
لم يتغير شيء.
وهنا ينكشف السؤال:
هل صرت لا تقرأ رحمة الله إلا في السطر الذي اخترت له أن يكتمل؟
ليس خطأ أن تنتظر قضاء حاجتك، ولا أن تتألم لتأخرها، ولا أن تكرر الدعاء بها. الدَّين يبقى ثقيلًا، والمرض يبقى موجعًا، والخصومة تستنزف، والغائب يترك مكانه خاليًا. الإيمان لا يطلب منك أن تنكر هذا كله، ولا أن تسمي الحرمان عطاء، ولا أن تتظاهر بأن ما تحتاج إليه لم يعد مهمًّا.
لكن الحاجة حين تستولي على قراءتك كلها، لا تعود مجرد حاجة تؤلمك؛ تصبح الصفحة الوحيدة التي تقرأ منها علاقتك بالله. فإن انصلحت قلت: أدركتني الرحمة. وإن بقيت معلقة خفت أن تكون الرحمة قد تجاوزتك.
وهكذا تختصر رحمة الله الواسعة في نتيجة واحدة، وتنتظر أن تراها في الخارج، بينما قد تكون آثار منها ظهرت في داخلك منذ زمن.
ما الذي أصلحه الله فيك وأنت تنتظر؟
ربما كان تأخر الرد يهدم يومك كله، ثم صرت تتألم دون أن تترك ألمك يبتلع واجباتك. وربما كنت تهرع إلى كل احتمال، وتتعلق بكل كلمة، وتبني على كل إشارة مستقبلًا كاملًا، ثم أعانك الله على أن تمسك السبب بيدك من غير أن تسلم له قلبك. وربما كانت العثرة تقنعك بأنك لن تقوم، فأصبحت أسرع رجوعًا بعد السقوط، وأصدق افتقارًا، وأقل اغترارًا بقوتك.
الأمر الذي تنتظره قد يكون ما يزال في موضعه، لكنك لست في الموضع نفسه.
إن وجدت فيك صبرًا لم يكن، أو بصيرة منعتك من قرار متعجل، أو قدرة على كف كلمة جارحة، أو عودة إلى الصلاة بعدما كاد القلق يقطعك عنها، فلا تمر على ذلك كأنه تفصيل صغير لا يستحق أن يسجل. قال الله تعالى:
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
كل خير تراه في نفسك نعمة من الله؛ وكل إعانة على طاعة، وكل نجاة من معصية، وكل قوة على النهوض بعد الضعف، أثر من فضله لا تملكه بنفسك.
أبصر النعمة دون ادعاء الحكمة الخفية
ولا يعني هذا أن نجزم بأن الله أخّر مطلوبًا بعينه ليصنع فيك أمرًا بعينه؛ فتعيين حكمة الله في الواقعة الخاصة من الغيب الذي لا نعلمه. لكنك لا تحتاج إلى اختراع حكمة خفية حتى تبصر نعمة ظاهرة. لا تقل: لا بد أن هذا وقع من أجل كذا. قل: لا أعلم لماذا بقي هذا الأمر معلقًا، لكنني أعلم أن ما ظهر في قلبي من هداية وثبات وإفاقة نعمة من الله تستحق أن تُرى.
تحقق المطلوب يغير ظرفًا من ظروفك، أما إصلاح الداخل فيغير الطريقة التي تحمل بها ظروفًا كثيرة. قد ينال الإنسان ما أراد ويبقى فزعه كما هو، لا يطمئن إلا إذا ضمن، ولا يهدأ إلا إذا تحكم، ولا يشكر إلا إذا وافقت النتائج توقعه. وقد يبقى المطلوب متأخرًا، بينما يتعلم القلب ألّا يجعل التأخير حكمًا على ربه، ولا يجعل ضعفه هوية، ولا يجعل قلة حيلته دليلًا على أنه متروك.
وهذا لا يجعل الإصلاح الداخلي بديلًا عن قضاء الدَّين، أو شفاء الجسد، أو رد الحق، أو اجتماع الشمل. إنما يمنعك من الظن أن الرحمة غائبة ما دام المطلوب غائبًا. فللرحمة مواضع كثيرة، وبعضها يمر بك هادئًا حتى تكاد لا تنتبه إليه.
النتائج الكبيرة تكتب نفسها في صفحة اليوم بخط عريض؛ أما إصلاح القلب فيظهر غالبًا في الهوامش.
يظهر حين يصل الخبر المقلق فلا تقول الكلمة التي كنت ستندم عليها. وحين تضيق بك الأسباب فلا تدفعك الحاجة إلى سبب محرم أو إلى من يستغل حاجتك ويهينك. وحين يشتد الخوف فلا تحول الاحتمال إلى خبر مقطوع به. وحين تعود من شرودك إلى الله أسرع مما كنت تعود. لا تضج هذه التحولات كالأخبار الكبرى، لكنها تكشف أن شيئًا فيك لم يعد كما كان.
اقرأ بقية صفحة يومك
ولهذا، لا تمزق صفحة يومك لأن سطرها الأول لم يكتمل.
اكتب حاجتك كما هي، وقل بصدق: هذا الأمر ما يزال يؤلمني، وما زلت أسأل الله أن ييسره. ثم اقرأ بقية الصفحة. دوّن نعمة بقيت معك، وموقفًا أعانك الله فيه على خير أو صرفك فيه عن شر، وتغيرًا صادقًا تستطيع أن تراه إذا قارنت حالك اليوم بحالك قبل مدة. لا تبحث عن أحداث خارقة؛ فقد يكون أصدق ما تكتبه أنك لم تنهَر هذه المرة كما كنت تنهار، أو أنك عدت بعد ضعفك، أو أنك واصلت واجبك مع ثقل قلبك.
ثم احمد الله على ما رأيت، واستمر في الدعاء بما لم تره. لا تجعل الشكر تنازلًا عن حاجتك، ولا تجعل الحاجة حجابًا عن الشكر. تستطيع أن تقول: يا رب، ما زلت أرجو هذا الأمر، وأحمدك على كل ما أعنتني عليه وأنا أنتظر.
اترك السطر مفتوحًا للدعاء
ولا تحوّل مراجعة نفسك إلى تفتيش قاسٍ أو امتحان يومي للطمأنينة. ليست الرحمة دائمًا شعورًا دافئًا، وليس كل هدوء علامة على قرب نتيجة، كما أن الاضطراب العارض لا يعني أن كل ما بُني فيك قد انهدم. أبصر ما ظهر، واشكر على ما تحقق، واترك ما خفي لعلم الله. يكفي أحيانًا أن الفرائض بقيت قائمة في يومك، وأنك لم تنقطع، وأنك ما زلت تعرف إلى من تعود.
وفي آخر الليل، قد تجد السطر الذي بدأت به يومك ما يزال مفتوحًا. لا تكذب على وجعك، ولا تكتب أمامه أنه اكتمل. لكن لا تسمح له أن يمحو ما تحته.
فقد يكون في الصفحة قلب أقل هلعًا، ونفس أسرع توبة، وبصيرة أنضج، ولسان أمسكه الله عن الأذى، وخطوة خير لم تكن تقدر عليها من قبل.
لا تجعل السطر الذي لم يكتمل يمحو الصفحة التي ملأتها رحمة الله.
اتركه سطرًا مفتوحًا للدعاء، لا حكمًا على اليوم كله.