حين تنجو ويبتلى غيرك وحماية القلب من غرور العافية

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
حين تنجو ويبتلى غيرك وحماية القلب من غرور العافية

قد تأتيك النجاة في صورة عابرة لا تظنها اختبارًا: تأخرت دقائق فنجوت من حادث، أو أصاب المرض قريبًا لك وبقيت تمشي بعافيتك، أو نزلت خسارة ببيت يشبه بيتك، أو أُغلق باب في وجه غيرك وفُتح لك أنت دون أن تفهم لماذا.

في تلك اللحظة لا يكون السؤال الأخطر: لماذا ابتُلي هو ونجوت أنا؟

بل: ماذا ستفعل نجاتي بقلبي؟

فبعض النجاة لا تكشف فضل الله عليك فقط، بل تكشف حقيقة قلبك أمام الفضل: هل ستزيدك خضوعًا؟ أم ستصنع في داخلك شهادة سرية بأنك أذكى، أو أحسن ترتيبًا، أو أقرب إلى الله، أو أحق بالعافية؟

هنا يبدأ داء خفي يمكن أن نسمّيه: غرور العافية.

فهرس المقال

ما غرور العافية؟

غُرور العافية ليس أن تفرح بالنجاة؛ فالعبد يحمد الله على العافية، ويسأله تمامها، ويستعيذ به من زوالها. إنما الخطر أن تتحول العافية في داخلك من نعمة تستدعي الشكر إلى منصة صامتة تنظر منها إلى المبتلى من أعلى.

تسمع عن مريض، فتقول في نفسك: لو أنه انتبه من البداية. وترى بيتًا يتفكك، فتقول: الناس لا تعرف كيف تدير حياتها. وتشاهد من خسر ماله، فتهمس النفس: الحمد لله أنني لست متهورًا مثله.

وتنسى أن بينك وبين ما أصابه سترًا رقيقًا اسمه لطف الله، لا عبقريتك وحدها، ولا صلاحك المجزوم، ولا قوة تدبيرك.

النعمة والبلاء كلاهما اختبار

قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝ كَلَّا﴾ [الفجر: 15-17].

هذه الآية تهدم القراءة السطحية للنعمة والبلاء. ليست كل سعة دليل رضًا خاص، ولا كل ضيق دليل هوان. النعمة ابتلاء، والحرمان ابتلاء، والعافية ابتلاء، والمصيبة ابتلاء. والفرق ليس في الصورة وحدها، بل فيما تصنعه الصورة بالقلب.

ومن هنا يظهر معنى حفظ النعمة بالشكر؛ فالشكر ليس كلمة تقال عند السلامة فقط، بل أدب قلب يرى الفضل من الله، ويستعمل العافية في طاعته، ولا يجعلها مادة للتعالي على من ابتُلي.

قد ينجو إنسان فيزداد قربًا، وقد ينجو فيغتر. وقد يُبتلى إنسان فينكسر لله انكسارًا يرفعه، وقد يُبتلى فيحتاج من يرحمه ويدعو له، لا من يفسّر وجعه كأنه يقرأ الغيب.

حين تفتح النفس دفتر المقارنات

من أخطر ما تفعله النفس عند نجاة صاحبها أنها تفتح دفتر المقارنات. لا تقول ذلك بصوت عال غالبًا؛ لأنها تعرف أن العبارة قبيحة. لكنها تقولها بلغة مهذبة: أنا أخذت بالأسباب، أنا كنت أوعى، أنا انتبهت، أنا لم أكن مثله.

ولا شك أن الأخذ بالأسباب مشروع، وأن التفريط له أثره، وأن العاقل يتعلم مما يرى. لكن تحويل السبب إلى تاج فوق الرأس مرض آخر.

السبب باب، لا عرش. تدخل منه متوكلًا، لا متعاليًا.

فإذا نسيت أن الأسباب نفسها من توفيق الله، صار السبب في قلبك شاهدًا عليك لا شاهدًا لك. وقد سبق بيان هذا المعنى في مقال هل الأسباب تضمن النتيجة؟؛ فالأسباب مأمور بها، لكنها لا تملك وحدها السلامة ولا تضمن وحدها النجاة.

الأسباب باب لا عرش

حين يثبت بيتك، لا تنظر إلى بيت متعب كأنك تملك سر العصمة. قد يكون في بيتك من الستر ما لو كُشف لعرفت أن العافية ليست بطولة كاملة. كلمة كادت أن تهدم ثقة فسكت صاحبها، وغضب كاد أن يشعل خصومة فكُظم، وقسوة راجعها أب، وخوف انتبهت له أم قبل أن يتحول إلى ضغط.

البيوت لا تثبت بالحكمة وحدها، بل بلطف الله، ثم بتوبة صغيرة تتكرر، وبستر لو رُفع لانكشف ضعف كثير.

وحين يوسع الله عليك في رزقك، فلا تجعل ضيق غيرك مادة لتحليل بارد: هذا لا يعرف السوق، هذه لم تحسن إدارة مشروعها، هذا تأخر، هذه أخطأت. نعم، توجد أخطاء، وتوجد أسباب، وتوجد دروس. لكن صاحب البلاء لا يحتاج أولًا إلى قاض يجلس على ركامه، بل إلى قلب يعرف أن المال يدور، وأن الرزق بيد الله، وأن من تمام شكر النعمة ألا تجعلها سوطًا على ظهر من فقدها.

وحين يحفظك الله من ذنب رأيت غيرك وقع فيه، فلا تجعل نجاتك سخرية من ضعفه. احمد الله أن صرفك، وادع لمن وقع، وخف على نفسك؛ فإن القلب الذي يضحك من سقوط غيره قد يكون قريبًا من حافة أخرى لا يراها.

أدب القلب عند رؤية البلاء

ليس المقصود أن نلغي المسؤولية، أو نمنع التعلم، أو نساوي بين المتقي والمفرّط، أو نقول إن الأسباب لا قيمة لها. وليس المقصود أن يشعر الناجي بالذنب لمجرد أنه عوفي؛ فهذا باب من التشويش على نعمة الله.

العافية تُشكر، لا يُعتذر عنها.

لكن المقصود أن نفرّق بين شكر العافية وغرور العافية؛ بين أن تقول: اللهم لك الحمد، ثبتني وارحم أخي، وبين أن تقول في داخلك: نجوت لأنني أستحق أكثر.

النجاة ليست دائمًا وسامًا، قد تكون أمانة.

ومن علامة فساد قراءة النعمة أن تجعلك أقل رحمة. فإذا صرت بعد النجاة أقسى في الحكم على المبتلين، وأسرع في تفسير أوجاعهم، وأبرع في توزيع أسباب مصائبهم، فراجع قلبك؛ فقد تكون العافية دخلت عليك من باب الشكر، ثم جلست في داخلك على كرسي العجب.

وهذا قريب من معنى حين تنجو ثم تنسى من أنجاك؛ إذ قد تبدأ النجاة رحمة ظاهرة، ثم يفسدها القلب حين ينسب الفضل إلى نفسه، وينسى أن ستر الله ولطفه سبقا وعيه وتدبيره.

تقرأ خبرًا عن إنسان أخطأ، فتتسابق أصابعك إلى التعليق قبل أن يتحرك قلبك بالدعاء. ترى امرأة ابتُليت في ولدها، أو رجلًا أُخذ من صحته، أو طالبًا تعثر، أو موظفة خذلتها فرصة، أو صاحب مشروع سقط بعد تعب، فتنسى أن أول أدب عند البلاء ليس التحليل، بل الخشوع.

هناك لحظة قصيرة بين سماع البلاء والكلام عنه. في تلك اللحظة يُعرف القلب: هل سيقف عبدًا، أم يتكلم كأنه آمن من الامتحان؟

علاج غرور العافية

إن من رحمة الله بك أن ترى البلاء ولا يصيبك، لكن من سوء الأدب مع النعمة أن تخرج من المشهد كما دخلت: آمنًا في جسدك، قاسيًا في قلبك. العافية التي لا تزيدك تواضعًا تحتاج إلى شكر جديد؛ لأن تمام العافية ليس أن يسلم بدنك فقط، بل أن يسلم قلبك من الكبر على المبتلى.

والعلاج يبدأ من تصحيح الجملة الأولى في الداخل.

لا تقل: لماذا هو؟ قل: اللهم الطف به، ولا تكلني إلى نفسي.

لا تقل: أنا كنت أحسن. قل: سترتني يا رب فيما تعلم، وعافيتني مما لا أطيق.

لا تجعل خبر البلاء مادة للفضول، ولا قصة للتسلية، ولا مناسبة لإظهار حكمتك. اخفض صوتك عند أوجاع الناس. ليس كل ما تعرفه يصلح أن يقال، وليس كل تحليل نافعًا في ساعة الانكسار.

إذا رأيت مبتلى، فابدأ بثلاثة أعمال:

  • احمد الله على العافية دون استعلاء.
  • وادع للمبتلى دون ادعاء فهم سر بلائه.
  • واخرج من المشهد بخطوة طاعة؛ صدقة، صلة، توبة، إصلاح حق، إغلاق باب ذنب، أو شكر عملي يحفظ النعمة من أن تتحول إلى شاهد عليك.

فمن شكر النجاة أن تنفع بها من لم ينج. إن عوفيت من مرض، فلا تبخل على مريض بدعاء أو زيارة أو ستر. وإن سلم بيتك، فلا تكن سببًا في إشعال بيت غيرك بكلمة أو نقل أو شماتة. وإن حفظ الله عليك رزقك، فاجعل منه نصيبًا لمن ضاقت عليه الأرض.

وإن نجاك الله من ذنب، فلا تجعل قصص الساقطين سلّمًا لصورتك، بل اجعلها مرآة لخوفك ورجائك.

ليست العافية أن تبقى بعيدًا عن البلاء فقط؛ العافية الأعمق أن يمر بلاء غيرك أمام قلبك فلا يوقظ فيه كبرًا نائمًا.

أسئلة شائعة حول غرور العافية

هل الفرح بالنجاة يدخل في غرور العافية؟

لا، الفرح بالعافية مشروع، بل من تمام الأدب أن يحمد العبد ربه على النجاة والسلامة. إنما الخطر أن يتحول الفرح إلى استعلاء خفي، أو إلى شعور بأن الناجي أحق بالعافية من غيره، أو أن المبتلى نال بلاءه بسبب نقص معلوم عندنا.

كيف أتعلم من أخطاء غيري دون أن أقسو عليه؟

تتعلم وأنت خائف على نفسك، لا وأنت متعال على غيرك. خذ الدرس من المشهد، لكن لا تحوّل صاحبه إلى مادة للسخرية أو الشماتة أو التحليل البارد. فالعاقل يجمع بين الاعتبار والرحمة.

هل كل بلاء يقع بسبب تقصير من الإنسان؟

لا يجوز الجزم بذلك في أعيان الناس؛ فقد تكون هناك أسباب ظاهرة، وقد تكون هناك حكم لا يعلمها إلا الله. الواجب أن نتأدب مع البلاء، وألا نفسر أوجاع الناس كأننا نطّلع على الغيب.

ما أول ما ينبغي قوله عند رؤية مبتلى؟

الأولى أن يبدأ القلب بالحمد والخشوع والدعاء، لا بالتحليل والتعليق. قل في نفسك: الحمد لله الذي عافاني، اللهم الطف به، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

كيف يكون شكر العافية عمليًا؟

يكون بالاعتراف بفضل الله، وترك الشماتة، والرحمة بالمبتلى، وبذل شيء من العافية لمن حُرمها: دعاء، زيارة، صدقة، ستر، إصلاح، أو كلمة رحيمة في وقت الانكسار.

الخاتمة والدعاء

حين تنجو، تذكر أن غيرك ليس مادة لموعظتك، ولا شاهدًا على تفوقك، ولا قصة تكمل بها صورتك. هو عبد له رب يراه، وله ألم لا تعرف عمقه، وله أبواب بينه وبين الله لا تطّلع عليها. قد يكون في صبره ما ليس في عافيتك، وفي دمعته ما ليس في كلامك، وفي انكساره ما يرفعه عند الله وأنت لا تدري.

فلا تقف عند حافة بلاء غيرك بقدم المتفرج. قف بقلب عبد يقول: يا رب، كما سترتني فاستر، وكما عافيتني فارحم، وكما أنجيتني فلا تجعل نجاتي حجابًا عن رؤية فضلك.

اللهم إنا نسألك عافية لا تُنسينا ضعفنا، ونجاة لا تورثنا كبرًا، وقلوبًا إذا رأت البلاء خشعت، وإذا رأت النعمة شكرت، وإذا نجت لم تشمت، وإذا ابتُليت لم تيأس.

اللهم لا تجعل عافيتنا غرورًا، ولا بلاء غيرنا حديثًا باردًا على ألسنتنا، وردّنا إليك شاكرين خائفين راجين.

```1[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0