استخدام الرضا لتبرير الاستسلام قد يمنح النفس هدوءًا مؤقتًا، لكنه قد يترك الجرح يتسع تحت ضماده؛ فالرضا يحفظ القلب عند حدود القدرة، ولا يعطّل اليد قبل بذل السبب الممكن.
يترك الجرح تحت ضماده أيامًا. يشعر بألمه يزداد، ويرى أثره يتسع، لكنه لا يمد يده إلى علاج. كلما قيل له: افحصه، نظفه، اطلب له دواء، قال في هدوء: لقد رضيت بما كتب الله.
تبدو العبارة مطمئنة، لكنها في هذا الموضع لا تعالج الجرح؛ بل تخفيه. فالرضا الذي كان ينبغي أن يحفظ القلب من الاعتراض، استُخدم لربط اليد عن فعل ما تستطيع.
وقد يحدث هذا في جروح لا يراها الناس.
يتأخر رزق الإنسان، أو تتعثر دراسته، أو تضطرب صحته، أو تستمر عادة تؤذيه، أو يفسد جانب من حياته يمكنه إصلاح شيء منه. يعرف الخطوة التي ينبغي أن يبدأ بها، لكنه يؤجلها، ثم يقول: لعل هذا نصيبي، وما كتبه الله سيكون.
والأرزاق مكتوبة حقًا، والأقدار نافذة حقًا، ولا يقع شيء إلا بمشيئة الله. لكن هذه الحقائق لم تنزل لتعطّل الأسباب التي أمر الله بها، ولم تجعل الإنسان يعلم ما كتب له قبل أن يسعى. فما دام الغيب محجوبًا عنه، فواجبه أن يعمل بما ظهر له من أمر الله، ثم يرضى بما تأتي به النتيجة.
وقد لا يكون وراء الاستسلام كسل مجرد. أحيانًا تكون النفس مرهقة من محاولات سابقة، أو خائفة من خيبة جديدة، أو عاجزة عن احتمال أن تسعى ثم لا تصل. التوقف يمنحها راحة مؤقتة، وتسميته رضا يخفف عنها ألم الاعتراف بأنها خافت أو تعبت.
ولهذا لا يحتاج المتوقف دائمًا إلى توبيخ، بل قد يحتاج أولًا إلى أن يفهم ما يحدث في داخله. الخوف من الفشل وجع، والإرهاق بعد تكرار السقوط وجع، لكن تسكين هذا الوجع باسم الرضا قد يترك أصل المشكلة بلا علاج.
فاسأل نفسك بصدق:
هل هدّأ الرضا قلبك لتفعل ما تستطيع، أم استخدمته مسكنًا حتى لا تواجه ما تستطيع فعله؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
الرضا المشروع لا يعطّل الأسباب
الرضا المشروع لا يعني أن تستسلم لكل واقع، ولا أن تترك كل ضرر في مكانه بحجة أنه وقع بقدر الله. المرض يقع بقدر الله، والتداوي من قدر الله. الفقر يقع بقدر الله، والسعي في الرزق من قدر الله. الخطأ يقع بتقدير الله الكوني، والتوبة والإصلاح مما أمر الله به شرعًا.
وليس من الرضا أن يرضى العبد بالمعصية أو الظلم أو تعطيل الواجب، بمعنى أن يحبها أو يقرها أو يترك تغيير ما يستطيع منها. تسليم القلب لحكم الله لا يحول الخطأ إلى صواب، ولا يجعل استمرار الضرر عبادة، ولا يعفي الإنسان من مسؤولية السبب الذي يقدر عليه.
ميزان الحديث بين الحرص والتسليم
وقد جمع النبي ﷺ الأمرين في قوله:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان»
[رواه مسلم]
قبل النتيجة: حرص، واستعانة، ومقاومة للعجز.
وبعد وقوع ما لا تحب: تسليم للقدر، وإغلاق لباب التحسر الذي لا يرد فائتًا.
حين تنقلب مواضع العمل والتسليم
لكن النفس قد تقلب هذا الترتيب؛ فتقول قبل السعي: قدر الله وما شاء فعل، لتبرر ترك المحاولة، ثم تقول بعد فوات الفرصة: لو أني فعلت، فتعذب نفسها بما نهى النبي ﷺ عنه. تستعمل التسليم حيث طُلب العمل، وتستعمل التحسر حيث طُلب التسليم.
الرضا ليس بديلًا عن القرار، بل هو ما يحمي القلب وهو يتخذ القرار. وليس بديلًا عن العلاج، بل هو ما يمنع الروح من الاعتراض وهي تداوي الجرح. إنه يحررك من توهم السيطرة على النتائج، لا من مسؤولية الأخذ بالأسباب.
النتيجة لله وصدق المحاولة من تكليفك
من ينتظر الرزق لا يملك أن يفرض على الناس قبوله، لكنه يملك أن يتعلم، ويسأل، ويتواصل، ويعرض عمله، ويصحح خطأه، ويطرق سببًا مباحًا بعد آخر. ومن يعاني ضعفًا في عبادة لا يملك أن يضمن الثبات بقوته، لكنه يملك أن يتوب، ويبعد سببًا يغذّي ضعفه، ويلزم عملًا صغيرًا يستطيع المحافظة عليه. ومن يتألم من مرض لا يملك الشفاء، لكنه يستطيع — إن تيسر له — أن يستشير طبيبًا ويتبع علاجًا مناسبًا.
النتيجة لله، أما صدق المحاولة فمن تكليفك.
ليس كل توقف استسلامًا
ومع ذلك، ليس كل توقف استسلامًا، ولا كل عجز مذمومًا. قد يبلغ التعب بالإنسان حدًا يحتاج معه إلى راحة، أو مساعدة، أو وقت يسترد فيه قدرته. وقد تنعدم الوسيلة، أو يغلق السبب، أو يعجز الإنسان عجزًا حقيقيًا لا حيلة له فيه. والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذ العبد على ما خرج عن قدرته.
الكلام هنا عمن بقيت في يده خطوة ممكنة، ثم تركها لا لمانع حقيقي، بل لأن المحاولة تؤلمه، أو لأن الفشل يخيفه، أو لأن بقاء الجرح تحت الضماد أسهل من كشفه وعلاجه.
افصل بين حدود قدرتك وما لم تبدأه
والعلاج أن تفصل بوضوح بين موضعين: موضع انتهت عنده قدرتك، وموضع لم تبدأ فيه قدرتك بعد.
ما انتهت عنده قدرتك سلّمه لله ولا تعذب نفسك به. أما ما بقي في استطاعتك، فلا تسمِّ تركه رضا. حدّد خطوة واحدة ممكنة ومشروعة: اتصالًا تؤجله، موعدًا تحتاج إلى حجزه، مهارة ينبغي أن تبدأ تعلمها، اعتذارًا يصلح خطأ، سببًا يبعدك عن ذنب، أو طلب مساعدة لم تعد قادرًا على الاستغناء عنها.
خطوة ممكنة بلا اشتراط للنتيجة
ثم افعل هذه الخطوة دون أن تشترط على الله نتيجتها. لا تقل: سأتحرك لأن النجاح مضمون، بل تحرك لأن السعي فيما ينفعك عبودية، ولأن الاستعانة بالله لا تعني أن تنتظر حتى تزول كل مخاوفك.
بعد السعي يبدأ التسليم
وبعد أن تفعل ما تستطيع، لا تفتح الجرح كل ليلة بسكين اللوم. قد تنجح المحاولة، وقد لا تأتي بما رجوت، وقد تحتاج إلى تعديل الطريق، والله أعلم بما يقدره لعبده. لكنك عند حدود قدرتك تنتقل من العمل إلى التسليم، لا من العمل إلى محاكمة نفسك، ولا من الدعاء إلى إلزام الله بصورة محددة.
انزع ضماد الرضا عن الاستسلام
انزع عن الاستسلام ضماد الرضا، وسمِّ الأشياء بأسمائها. إن كنت خائفًا فاعترف بخوفك واستعن بالله، وإن كنت مرهقًا فخذ من الراحة ما يعيدك، وإن كنت تجهل الطريق فاطلب المشورة، وإن كنت عاجزًا حقًا فلا تحمل نفسك ما لا تطيق.
أما إن كنت تستطيع خطوة، فلا تجعل كلمة مقدسة تخفي بها جرحًا يمكن أن تبدأ علاجه.
الرضا يهدّئ القلب عند حدود قدرتك، لكنه لا يخدّر يدك قبل أن تستعمل قدرتها.