حين تجعل فهمك شرطًا للثقة بالله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

الثقة بالله حين لا تفهم الحكمة لا تعني أن الألم قد زال، ولا أن الطريق أصبح واضحًا، بل أن تعرف من يدبر أمرك قبل أن تعرف لماذا جاء التدبير بهذه الصورة. فقد يطلب الإنسان الفهم ليطمئن، ثم يتحول طلبه في الخفاء إلى شرط: لن أسلّم حتى أرى وجه الخير، ولن أحسن الظن حتى يشرح لي القدر نفسه.

وصفة طبية رمزية يتصل بها خيط ذهبي بباب موارب وطريق لا تظهر نهايته، تعبيرًا عن الثقة بالله عند خفاء الحكمة
قد لا ترى خريطة الطريق، لكن خفاء الحكمة عنك لا يعني غيابها.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

يمدّ إليك الطبيب ورقةً صغيرة، تتزاحم فيها أسماء أدوية لا تعرفها، وجرعات لا تفهم سرّها، ومواعيد لا ترى العلاقة بينها وبين ألمك.

يقول لك:

هذا قبل الطعام.

وهذا بعده.

وهذا ثلاث مرات في اليوم.

وهذا لا تجمعه مع ذاك.

فتهزّ رأسك، وتحمل الوصفة، وتذهب إلى الصيدلية.

لا تقف أمامه مستنكرًا:

ولماذا هذا الدواء دون غيره؟

ولماذا ثلاث جرعات، لا جرعتان ولا أربع؟

وما الحكمة الدقيقة في أخذه قبل الطعام؟

وأين الدراسات التي تثبت أن هذا الترتيب هو الأنسب لحالتي؟

قد تسأل لتفهم، نعم، لكنك لا تجعل فهمك الكامل شرطًا لتنفيذ العلاج؛ لأنك تعلم أنك مريض، وأن علم الطبيب أوسع من علمك، وأن عجزك عن إدراك الحكمة لا يعني غيابها.

ثم ترفع يديك إلى الله، وتطلب حاجةً أحببتها، وترسم في قلبك الصورة التي تريد أن تأتي بها الإجابة.

تحدد الباب.

وتختار التوقيت.

وترتب الأشخاص.

وتتصور الطريق.

ثم تنتظر من الله أن يحقق لك ما طلبت، بالصورة التي رسمتها، وفي الموعد الذي حددته، ومن الجهة التي تعلّق بها قلبك.

فإذا جاء اختيار الله مخالفًا لما أردت، استيقظت في داخلك فجأةً أسئلة لم توقظها أمام الطبيب:

لماذا أُغلق هذا الباب؟

ولماذا تأخر ما دعوت به؟

ولماذا جاء الفرج ناقصًا عما تمنيت؟

ولماذا أُخذ مني هذا السبب بعد أن ظننت أنه اقترب؟

ولماذا اختار الله لي هذا الطريق المؤلم، مع أنني أرى طريقًا آخر أيسر وأرحم؟

كأن الطبيب يكفيه أن يعلم ما لا تعلمه عن جسدك، أما الله فلا بد أن يكشف لك خريطة تدبيره كاملة، ويشرح لك كل منعٍ وتأخيرٍ وكسر، ثم ينتظر موافقة عقلك قبل أن يطالب قلبك بالتسليم!

حين يتحول الفهم إلى شرط

وكأنك تقول بلسان حالك:

يا رب، لن أطمئن إلى اختيارك حتى أفهمه.

لن أرضى بهذا الطريق حتى أعرف إلى أين ينتهي.

لن أقبل أن يُغلق الباب الذي أحببته حتى تريني الآن الباب الذي ستفتحه بدلًا منه.

لن أسلّم بأن ما وقع قد يكون خيرًا لي، حتى يأتي الخير في الصورة التي أستطيع التعرّف إليها.

وهنا لا يكون طلب الحكمة دائمًا بحثًا بريئًا عن السكينة.

قد يتحول في بعض القلوب إلى اعتراضٍ مؤجل.

لا يقول الإنسان صراحةً: لا أقبل اختيار الله.

بل يقول:

أريد فقط أن أفهم.

فإن ظهر له سريعًا وجه الخير، قال: الحمد لله، عرفت الحكمة.

وإن طال الطريق، وبقيت الحكمة محجوبةً عنه، اضطرب قلبه، وساء ظنه، وصار يراجع تدبير الله بعقلٍ لا يرى إلا اللحظة التي يتألم فيها.

هل تطلب الحكمة أم تحاكم التدبير؟

اسأل قلبك بصدق:

هل أطلب فهم الحكمة لأثبت قلبي بعد أن سلّمت، أم أطالب بها لأقرر بعد ذلك هل أقبل اختيار الله؟

فالفارق بين السؤالين هو الفارق بين عبدٍ يتألم وهو واثق، ونفسٍ تريد أن تحاكم التدبير قبل أن تخضع له.

ليس الخلل أن تحزن.

ولا أن تبكي على بابٍ أُغلق.

ولا أن تتمنى لو جاءت الأقدار على غير ما جاءت.

ولا أن تسأل الله أن يكشف عنك الضر، ويبدل حالك، ويفتح لك ما أُغلق.

فالبلاء يؤلم، والفقد يوجع، والانتظار يثقل، والإنسان ضعيف.

لكن الخلل أن تجعل طمأنينتك بالله معلقةً على أن تفهم الآن لماذا فعل بك ما فعل.

أن تقول في داخلك:

إن عرفت الحكمة وثقت.

وإن رأيت البديل رضيت.

وإن ظهرت النتيجة الحسنة سلّمت.

أما قبل ذلك، فسأظل واقفًا أمام القدر، أطلب منه أن يبرر نفسه لي.

تخيل سفينةً تضربها الأمواج، ويأمر ربانها بإلقاء بعض المتاع في البحر.

ذلك المتاع ثمين.

جمعه أصحابه في سنوات.

وفيه أموالهم، وأشياء يحبونها، وربما شيءٌ ظنوا أنهم لا يستطيعون الوصول إلى وجهتهم من دونه.

ومع ذلك، حين يقول الربان الخبير:

إن بقي هذا الحمل غرقت السفينة.

لا يقف أحدهم في وجهه قائلًا:

لن ألقي متاعي حتى أفهم حسابات الرياح، وعمق الماء، ووزن السفينة، ومسار العاصفة.

قد يبكي وهو يلقيه.

قد يتألم.

قد يظل قلبه متعلقًا بما سقط في البحر.

لكنه يدرك أن الربان يرى ما لا يراه، وأن بعض ما يؤلمه فقده قد يكون هو الذي يحفظه من الهلاك.

فكيف تسلّم لربانٍ محدود العلم في بحرٍ محدود، ثم يصعب عليك أن تسلّم لرب العالمين، الذي لا يخفى عليه ما كان، وما يكون، وما لو كان كيف يكون؟

ولا يعني ذلك أنك تعرف الحكمة المحددة من كل بلاء.

فقد يكون في البلاء رفعٌ، أو تطهيرٌ، أو حمايةٌ، أو إعادة توجيه، أو إعدادٌ لشيء لا تراه، وقد تجتمع فيه حِكَم كثيرة، وقد تخفى عنك تفاصيلها حتى تلقى الله.

والله أعلم بمراده وتدبيره.

لكن الذي تعلمه يقينًا أن الله لا يظلمك، ولا يعبث بك، ولا يدبر أمرك عن غفلة، ولا يفوته من مستقبلك شيء.

أنت ترى صفحةً واحدة

أنت لا ترى إلا صفحةً واحدة، ثم تحكم على الكتاب كله.

ترى لحظة المنع، ولا ترى ما كان سيأتي بعد العطاء.

ترى مرارة الفقد، ولا ترى الفتنة التي ربما كانت ستدخل عليك من باب ما فقدت.

ترى الطريق الطويل، ولا ترى الحفرة التي صُرفت عنها حين أُبطئ بك.

ترى أن فلانًا خرج من حياتك، ولا ترى ما كان سيهدمه فيك لو بقي.

ترى أن الوظيفة فاتتك، ولا ترى ما كانت ستأخذه من دينك أو قلبك أو كرامتك.

ترى أن الزواج لم يتم، ولا ترى ما حجبه الله عنك من ألم، أو ما يعده لك من نضجٍ واختيار.

ترى أن دعاءك لم يأتِ بالصورة التي طلبتها، ولا ترى أن الله ربما أجابك بطريقةٍ لم تتعلم بعد كيف تقرؤها.

ثم تقف بهذا النظر القصير أمام تدبير من أحاط بكل شيء علمًا، وتقول:

أرني الآن لماذا، وإلا لم يطمئن قلبي.

أيّ ميزانٍ انقلب في الداخل حتى صار العبد يطلب من الله أن يكشف له الغيب، ليمنحه بعد ذلك ثقته؟

الله سبحانه لا يختار عن جهل، ولا يمنع عن بخل، ولا يؤخر عن عجز، ولا يقدّر شيئًا خارج حكمته.

لكن قلبك ليس محيطًا بتدبير الله.

وقد تخفى عنك الحكمة لأن علمك ناقص.

وقد تظهر لك بعد أشهر أو سنوات.

وقد تكتشف أن الباب الذي بكيت عنده طويلًا كان فتحه هو المصيبة.

وقد تعلم يومًا أن الشيء الذي ظننته حرمانًا كان السياج الذي حفظك.

وقد لا تعرف في الدنيا لماذا وقع ما وقع.

لكن الذي لا ينبغي أن يغيب عنك هو مَن الذي اختار.

وأن الله أعلم بك منك.

وأرحم بك من نفسك.

وأعلم بما يصلح دنياك وآخرتك.

التسليم لا يعني الاستسلام للعجز

التسليم لله ليس أن تطمئن حين تأتيك الأقدار كما تحب؛ فحينها أنت مطمئن إلى موافقة الواقع لرغبتك.

وليس أن تحسن الظن ما دمت ترى بوادر النتيجة التي تريدها.

إنما يظهر التسليم حين يأتيك اختيار الله من الطريق الذي لم تختره، ويأخذ منك الصورة التي تعلقت بها، ثم تقول وأنت تتألم:

يا رب، لم أفهم، لكنني أعلم أنك لا تظلمني.

لم أرَ الخير بعد، لكنني أعلم أن بصري لا يحيط بتدبيرك.

لا أحب ما وقع، لكنني لا أتهم حكمتك.

سأسألك الفرج، وسأطرق الأبواب، وسآخذ بالأسباب، لكنني لن أجعل تأخر ما أريد دليلًا على أنك تركتني.

هذا هو الفرق بين التسليم والاستسلام للعجز.

التسليم لا يعني أن تتوقف عن الدعاء.

ولا أن ترضى بالظلم.

ولا أن تترك العلاج والعمل والسعي.

ولا أن تتصنع ابتسامةً فوق جرحك.

بل أن تعمل بيدك، وتدعو بلسانك، وتتألم بقلبك، دون أن تتحول مرارة الطريق إلى سوء ظن بمن يدبره.

أن تطلب من الله ما تريد، لكنك لا تعبده على الصورة التي تريد.

أن ترجوه في فتح الباب، لكنك لا تجعل إيمانك برحمته رهينًا بفتحه.

أن تقول:

يا رب، هذه حاجتي، وهذا ما أحب، وهذا ما أرجو، فإن كان خيرًا لي فيسّره، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني، واصرف قلبي عنه، ولا تجعل جهلي بحكمتك يفسد يقيني بك.

وقد قال الله تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

لم يقل: وستعلمون فورًا.

بل ردّ الأمر إلى أصله:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وهذه ليست دعوةً إلى إلغاء العقل، بل إلى إنقاذه من وهم الإحاطة.

فالعقل يبذل، ويوازن، ويختار، ويستشير، ويتعلم من الخطأ.

لكن حين تقع المقادير بعد أن يفعل العبد ما يستطيع، لا يتحول عقله إلى محكمةٍ يستدعي إليها حكمة الله.

راقب تلك اللحظة الخفية التي يتحول فيها حزنك الطبيعي إلى اتهام.

حين تقول:

لماذا أنا؟

لماذا الآن؟

لماذا بعدما اقترب الأمر؟

لماذا فتح الله لي باب الأمل ثم أغلقه؟

ثم اسأل نفسك:

هل أنا أبحث عن معنى يثبتني، أم عن حجة تسمح لي أن أسخط؟

هل يؤلمني البلاء فقط، أم يؤلمني أيضًا أن الله لم يختر ما اخترته لنفسي؟

هل حزني لأن الشيء فاتني، أم لأنني كنت أظن أن تدبير الله يجب أن يوافق تصوري؟

فكم من إنسان لم تكسره المصيبة وحدها، بل كسره إصراره على أنها ما كان ينبغي أن تقع.

ولم يتعبه الانتظار وحده، بل أتعبه أنه ظل طوال الانتظار يطالب الأيام بأن تسير وفق خطته.

ولم يؤلمه إغلاق الباب فقط، بل أرهقه وقوفه عنده، يسأل الله أن يعيد فتحه، بينما كانت أبواب أخرى تنتظر منه أن يلتفت.

لا تختلق حكمةً لكل بلاء

إن علاج القلب ليس أن تختلق لكل بلاء حكمةً من عندك.

ولا أن تقول جازمًا: حدث هذا لأن الله يريد كذا.

فأنت لا تعلم الغيب.

إنما علاجك أن ترد التدبير إلى صاحبه.

أن تقول:

لا أعلم لماذا وقع هذا، والله أعلم.

لكنني أعلم أن ربي حكيم.

لا أعلم ماذا صرف عني، ولا ماذا يدخر لي، ولا كيف سيقودني هذا الطريق.

لكنني أعلم أن جهلي لا يقدح في علمه، وأن عجزي عن رؤية الرحمة لا يعني غيابها.

ثم تسأل الله العافية.

وتبكي بين يديه.

وتعيد ترتيب أسبابك.

وتصحح أخطاءك إن وجدت.

وتستشير أهل الخبرة.

لكن لا تجعل البلاء هو الذي يعرّفك بربك.

لا تقل: لو كان يحبني لأعطاني.

لو كان معي لما أغلق الباب.

لو كان دعائي مقبولًا لما تأخر الفرج.

فمحبة الله لا تُقاس براحة الطريق، ومعيته لا تعني أن تأتي الحياة كما تشتهي، وقبول الدعاء ليس عقدًا تفرض به على الله صورة الإجابة وموعدها.

قل لنفسك حين يضيق بها البلاء:

أنا لا أثق لأنني فهمت التدبير، بل لأنني أعرف المدبّر.

ولا أطمئن لأن الطريق اتضح، بل لأن الذي يقودني لا يضل ولا ينسى.

ولا أحسن الظن لأن النتيجة ظهرت، بل لأن الله أهلٌ لحسن الظن قبل أن تظهر النتائج.

اقرأ أيضًا

أخرج إيمانك من محكمة النتائج

فما أفقر العبد حين يثق بوصفة طبيب قد يخطئ، ويطمئن إلى قرار ربانٍ قد يجهل، ثم يعجز قلبه عن الثقة باختيار رب لا تخفى عليه خافية.

وما أشد انقلاب القلب حين يقبل الألم من المخلوق لأنه يظن أن وراءه علاجًا، ثم يرى الألم في قدر الله فينسى أن وراءه حكمةً قد لا يحيط بها.

فاخفض رأس عقلك لله، لا إذلالًا له، بل إنقاذًا له من وهم أنه يرى الطريق كله.

وأخرج إيمانك من محكمة النتائج.

ولا تقل:

سأطمئن حين أفهم لماذا حدث هذا.

قل:

سأدعو حتى يفرج الله.

وسأسعى حتى آخر سبب أقدر عليه.

وسأبكي إن أثقلني الألم.

لكنني لن أجعل فهمي شرطًا للثقة بربي.

يكفيك أنك تعرف الحكيم

فليس كمال العبودية أن يكشف الله لك سر كل بلاء.

بل أن يكفيك، حين تخفى عنك الحكمة، أنك تعرف الحكيم.

تعليقات

عدد التعليقات : 0