حين تنتهي الأسباب… لا تنتهي قدرة الله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

حين تنتهي الأسباب لا تنتهي قدرة الله؛ فما يسقط من يد الإنسان هو ما عرفه من الوسائل، لا ما يملكه الله من القدرة والتدبير. والإيمان بهذا لا يعني ترك العلاج أو السعي، ولا الجزم بأن كل ما نريده سيقع، بل أن نأخذ بالأسباب دون أن نجعل نهايتها نهايةً للرجاء.

جسر متهدم تنتهي عنده الطرق الظاهرة بينما يمتد فوقه مسار ذهبي إلى باب مضيء، رمزًا لبقاء قدرة الله حين تنتهي الأسباب
قد تنتهي الطرق التي تعرفها، ولا تنتهي قدرة الله ولا تنفد خزائنه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

كم من إنسان حاصرته الوقائع، وأطبقت عليه الأبواب، وتساقطت من يده الأسباب واحدًا بعد آخر، حتى جلس أمام عجزه يقول بقلبٍ أنهكه الانتظار:

لا فائدة… لقد انتهى كل شيء.

ثم دارت الأيام، وجاء أمر الله من حيث لم يحتسب، فانقلب الحال، وانفرج ما كان يراه مستحكمًا، حتى نظر إلى شدته الماضية كأنها حلم بعيد، وتعجّب كيف امتلأ قلبه يومًا باليقين أن لا مخرج.

وكم من إنسان اجتمعت الحسابات على أن نجاته بعيدة، ثم نجا.

وكم من مريض ضاقت به مسالك الطب، وتضاءلت أمامه احتمالات النجاة، ثم امتد به العمر أعوامًا.

وكم من كربٍ استنفد الناس فيه كل ما يعرفون، ثم جاء الفرج من بابٍ لم يكن في حساب أحد.

نهاية علم البشر ليست نهاية الرجاء

ليس لأن تقديرات البشر عبث، ولا لأن العلم والطب والأسباب لا وزن لها؛ ولكن لأن البشر يحكمون بما ظهر لهم، ويحسبون بما انتهى إليه علمهم، ويرون من المشهد قدر ما أُتيح لهم أن يروا.

أما الله سبحانه، فقد أحاط بكل شيء علمًا، ونفذت مشيئته في كل أمر، ولا يحيط أحدٌ بشيءٍ من علمه إلا بما شاء.

فلماذا تجعل نهاية علم البشر نهايةً لرجائك؟

ولماذا إذا قال الناس: لم نعد نملك شيئًا، صدّق قلبك أن كل شيء قد انتهى؟

حين تنتهي الأسباب، لا تكون قدرة الله قد انتهت.

إنما انتهى ما في أيدي الخلق، وبقي الأمر كله بيد الخالق.

انتهى ما يعلمونه، ولم ينته ما يعلمه الله.

بلغت حساباتهم منتهاها، وبقيت قدرة الله فوق كل حساب.

ضاقت طرقهم، ولم تضق خزائنه.

سقطت حيلتهم، ولم يسقط تدبيره.

عجزت أيديهم، ولم يعجز ربهم.

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.

[الزمر: 67]

لا تجعل عجزك مقياسًا لقدرة الله

وهنا يُهزم القلب قبل أن تهزمه الشدة: حين يعظّم البلاء في عينه، ويصغر في قلبه استحضار عظمة الله.

يرى المرض، ويغيب عنه من بيده الشفاء.

يرى البحر، وينسى من شق البحر طريقًا يبسًا.

يرى النار، وينسى من قال لها:

﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾.

[الأنبياء: 69]

يرى العظام وقد بليت، وينسى من قال:

﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

[يس: 79]

يرى الأمر قد استعصى على الخلق، فيتوهم أنه قد استعصى على الخالق.

وما أبعد الفرق بين عجز المخلوق وقدرة الله.

فما نسميه نحن مستحيلًا، إنما نصف به حدود قدرتنا، لا حدود قدرة الله.

إنه حكمٌ يصدره العاجز من داخل عجزه؛ أما الله سبحانه، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

لا يتعاظم على قدرته عظيم.

ولا يستعصي على أمره عسير.

ولا يمنعه مانع.

ولا يردّ حكمه رادّ.

ولا يخرج شيء عن ملكه وقهره وتدبيره.

الله خلق الأسباب وما تفضي إليه

هو الذي خلق الأسباب، وخلق ما تفضي إليه الأسباب، وهو القادر أن يجري الأمور بها، أو أن يأتي بالنتائج من غير الطريق الذي عرفه الناس.

البحر عنده مخلوق.

والنار مخلوقة.

والمرض مخلوق.

والدواء مخلوق.

والحياة والموت بيده.

فكيف يعجزه ما خلق؟

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

وما تراه أنت أمرًا مغلقًا، هو عند الله يسير؛ فإذا شاءه كان، في الوقت الذي يشاء، وعلى الوجه الذي يشاء.

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

[يس: 82]

قدرة الله لا تعني الجزم بما نريد

لكن الإيمان بقدرة الله لا يعني أن نجزم أن كل ما نريده سيقع كما نريد، ولا أن نترك الدواء، أو نهمل السبب، أو نحتقر علم أهل الاختصاص.

فقدرة الله مطلقة، ومشيئته نافذة، وحكمته بالغة.

قد يشفي الله.

وقد يصرف عنك من البلاء ما هو أعظم مما رأيت.

وقد يفتح بابًا لم يخطر لك.

وقد يؤخر الفرج لحكمة لا تراها.

وقد يختار لك غير ما اخترت، ويكون في اختياره من الحكمة والرحمة ما لا يبلغه فهمك.

فليس اليقين أن تقول: سيحدث ما أريد.

بل اليقين أن تعلم أن الله قادر على كل شيء، وأنه لا يعجزه أمرك، وأن اختياره لك لا يخرج عن علمه وحكمته ورحمته.

الأسباب في اليد لا في القلب

خذ بالأسباب، ولكن لا تمنحها في قلبك مقامًا لا يليق إلا بالله.

استمع إلى تقديرات البشر، ولكن لا تمنحها سلطة الحكم الأخير.

اطرق الأبواب، ولكن اعلم أن الفتح ليس في الأبواب، بل بيد الله.

تداوَ، واسعَ، واعمل، وابذل ما تستطيع؛ ثم لا تجعل قلبك أسيرًا لما تستطيع.

لتكن الأسباب في يدك، وليكن اعتماد قلبك على رب الأسباب.

فإن اجتمعت لك الأسباب، لم تُغنِ عنك إلا بإذن الله.

وإن سقطت الأسباب، لم تسقط قدرة الله.

وإن أُغلقت الطرق التي تعرفها، فليست طرق الله محصورة فيما تعرف.

اقرأ أيضًا

حين تنتهي الأسباب لا ينتهي الرجاء

لا تقل: انتهى كل شيء.

قل: انتهى ما انتهى إليه علمي، أما ما عند الله فلا تحيط به حساباتي.

قل: ضاق علمي، ولم تضق حكمة ربي.

عجزت أسبابي، ولم تعجز قدرته.

أُغلقت أبوابي، ولم تُغلق خزائنه.

ثم امضِ بقلبٍ يعرف قدره، ويعرف قدر ربه:

أنت عبد محدود، ترى طرفًا من المشهد.

وهو الله، الذي أحاط بكل شيء علمًا، ووسعت رحمته كل شيء، ونفذت مشيئته في كل أمر، وبيده ملكوت كل شيء.

فلا تجعل عجزك مقياسًا لقدرته.

ولا تجعل نهاية أسبابك نهايةً لرجائك.

فقد انتهى ما في يدك…

أما ما في يد الله، فلا تنفد خزائنه، ولا يعجزه شيء.

تعليقات

عدد التعليقات : 0