كيف تبدأ بالله عند الشدة؟ مَن أعطيتَه الكلمة الأولى؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

كيف تبدأ بالله عند الشدة إذا كان الخوف قد استيقظ قبلك وأخذ يكتب مستقبلَك؟ تبدأ الإجابة من الكلمة الأولى.

رجل يستيقظ ليلًا بين الهاتف والأوراق وينظر إلى سجادة الصلاة، تعبيرًا عن البدء بالله قبل الخوف

تفتح عينيك في منتصف الليل.

لا شيء جديد حدث. لكن عقلك استيقظ قبلك.

الموعد الذي يقترب. الدَّين الذي لا تعرف كيف تسدده. التقرير الذي تخشى نتيجته. الرسالة التي لم تصل. والباب الذي طرقتَه طويلًا، ثم بقي على حاله.

قبل أن تجلس على سريرك، تكون الشدة قد بدأت حديثها:

لن يكفي ما تملك.

لن يأتي أحد.

الوقت ينفد.

الأسباب مغلقة.

وحين تقول أخيرًا:

«يا رب…»

تكون المشكلة قد أخذت الكلمة الأولى، ورسمت المستقبل كله، وأصدرت حكمها قبل أن تبدأ الدعاء.

تقول بلسانك: «الله قادر».

لكن الجملة تأتي متأخرة، كأنها محاولة لمواساة قلب صدّق الواقع أولًا.

وهنا يقع الخلل الذي لا ننتبه إليه:

لا ننكر قدرة الله صراحة، لكننا نبدأ من عجزنا. لا ننفي رحمته، لكننا نبدأ من الألم. لا نشك في أنه الرزاق، لكننا نبدأ من الباب الذي أُغلق.

ثم نحاول أن نضع معرفتنا بالله داخل الصورة التي رسمها الخوف.

مَن أعطيتَه الكلمة الأولى: شدتك أم معرفتك بالله؟

هذه هي فتنة البداية المقلوبة.

أن تبدأ بما تراه، ثم تقيس به ما لا تراه. أن تبدأ بقلة الأسباب، ثم تكتب منها مقدار ما يمكن أن يفعله الله. أن تبدأ بعجزك، ثم تمدّ عجزك على الأمر كله.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

ترى بابًا مغلقًا، فتقول: انتهى الطريق.

ترى الأسباب قليلة، فتقول: لا مخرج.

ترى نفسك عاجزًا، فتظن أن كل شيء قد أصبح عاجزًا.

لكن توقّف.

عجزك ليس عجز الله.

وانقطاع أسبابك ليس انقطاع قدرة الله.

وعدم رؤيتك للمخرج لا يعني عدم وجوده.

قبل أن تسأل: ما حجم شدتي؟

اسأل:

من هو الله الذي بيده شدتي وأمري؟

حين تتكلم الشدة بصوت أعلى من حجمها

قد تكون الشدة كبيرة فعلًا. ليس كل خوف مبالغة، ولا كل ضيق وهمًا يصنعه الإنسان.

هناك دَين يضغط. ومرض يؤلم. وظلم يجب دفعه. وبيت تضطرب فيه العلاقات. ومسؤوليات لا تنتظر حتى يهدأ القلب.

لكن المشكلة الحقيقية قد تبدأ حين لا تبقى الشدة واقعة مؤلمة فقط، بل تتحول إلى مصدر معرفتك بالغد.

تقرأ رقمًا صغيرًا في الحساب، فتتصور أعوامًا من الفقر. تتلقى موظفة رسالة رفض، فتشعر أن أبواب العمل كلها قد أُغلقت. يتعثر طالب في اختبار، فيبدأ في رؤية مستقبله كله من خلال تلك النتيجة.

يتأخر علاج، فيعيش صاحبه أسوأ الاحتمالات قبل أن تقع. يبتعد إنسان، فتظن النفس أن الأنس والمودة والسكينة قد رحلت معه إلى الأبد.

الواقعة محدودة. لكن الخوف يمدّها على العمر كله.

كان ينبغي أن تقول:

«هذا ما يحدث الآن».

فقلت:

«هذا ما سيحدث دائمًا».

وكان ينبغي أن تقول:

«هذه حدود قدرتي».

فقلت في داخلك:

«هذه حدود الممكن».

لقد منحت الشدة أكثر مما تملك. أعطيتها الحاضر، ثم سمحت لها أن تكتب المستقبل، ثم طلبت منها أن تشرح لك قدرة الله ورحمته.

لا تجعل الواقع يعرّفك بالله

أنت لا تعرف الله من كشف الحساب. ولا من تقرير الطبيب. ولا من رسالة القبول والرفض. ولا من حضور إنسان أو غيابه. ولا من فتح باب أو إغلاقه.

هذه الأشياء تخبرك بما وقع. لكنها لا تملك أن تخبرك من هو الله.

فلا تقل:

لأن واقعي مظلم، فلا رحمة.

ولأن الباب مغلق، فلا فرج.

ولأن السبب انقطع، فلا رزق.

ولأنني لا أرى الطريق، فلا طريق.

ولأن الدعاء طال، فلم يُسمع.

هذه ليست حقائق. هذه أحكام أصدرتها معرفتك المحدودة على ما لا تحيط به.

أنت ترى مشهدًا واحدًا. والله يعلم ما كان وما يكون. أنت ترى السبب الذي سقط. والله لم يحصر خزائن قدرته في الأسباب التي تعرفها. أنت ترى عجز يدك. لكن عجز يدك لا يصف قدرة الله.

قبل أن تسأل: ما حجم شدتي؟

اسأل:

من هو الله الذي بيده شدتي وأمري؟

قال الله تعالى:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].

أسماء الله ليست زينة حول الدعاء. إنها التي تصحح نقطة البداية.

حين تعرفه القدير، لا يعني ذلك أنك تعرف ما سيفعله بك، ولا متى يتغير واقعك، لكنه يعني أنك لا تجعل ما أعجزك عاجزًا لله.

قدرتك انتهت. أما قدرة الله فلم تبدأ عند نهاية قدرتك حتى تنتهي معها.

وحين تعرفه الرحمن الرحيم، لا تجعل الألم دليلًا على غياب الرحمة.

قال سبحانه:

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].

قد لا تعرف أين تكون الرحمة في هذه اللحظة، وقد لا تأتي بالصورة التي طلبتها، لكنك لا تملك أن تُخرج حالك من سعتها لأنك لم ترَ أثرها كما أردت.

وحين تعرفه اللطيف الخبير، تدرك أن خفاء الطريق عنك لا يعني غياب التدبير.

أنت تحسب المسارات التي تعرفها. أما الله فلا تخفى عليه تفاصيل الأمر، ولا تنحصر قدرته في خريطتك.

وحين تعرفه الفتاح، لا يعود الباب المغلق صاحب الكلمة الأخيرة.

قد يُفتح. وقد يبقى مغلقًا. وقد تمضي إلى غيره.

لكن ما أغلقه الخلق لا يجعل قدرتهم أكبر من قدرة الله، ولا يجعل طريقًا واحدًا خزانة الخير كلها.

وحين تعرفه الرزاق، تتوقف عن حبس رزقك في وظيفة، أو عميل، أو توقيع مسؤول، أو شخص وعدك بالمساعدة.

هذه أسباب تُطرق وتُحسن. لكنها ليست الرزاق.

وحين تعرفه الحكيم، لا تطالب اللحظة أن تشرح لك القصة كلها.

إذا لم يقع ما تريد الآن، فلا يعني ذلك أن الله تركك أو نسيك، تعالى الله عن ذلك. بل يعني أنك عبد يرى موضعًا صغيرًا من المشهد، ولا يعلم الحكمة الخاصة فيما جرى إلا بقدر ما أظهر الله له.

وحين تعرفه السميع القريب، لا تظن أن تأخر ما طلبت دليل على أن صوتك لم يصل.

هو يسمع الدعاء الذي نطقت به. ويعلم الألم الذي لم تستطع وصفه. ويعلم حاجتك قبل أن تعرف كيف تسميها.

حين تبدأ بالله

البدء بالله لا يعني أن الواقع سيتغير فورًا. قد تنظر إلى الحساب بعد ذلك فتجد الرقم نفسه. وقد يبقى التقرير كما هو. وقد يقترب الموعد. وقد لا يفتح الباب.

لكن شيئًا عظيمًا سيتغير:

لن تعود ترى الشدة وحدها.

ستراها ومعها قدرة الله.

وسترى عجزك ومعه علم الله.

وسترى الباب المغلق ومعه اسم الفتاح.

وسترى قلة الأسباب دون أن تنسى الرزاق.

وسترى الألم دون أن تسمح له أن ينفي الرحمة.

الشدة لم تصغر في ذاتها. لكنها صغرت في قلبك؛ لأنها لم تعد أكبر ما يعرفه القلب.

حين تبدأ من المشكلة، تحتل المشكلة الصورة كلها.

أما حين تبدأ بالله، تعود المشكلة إلى موضعها:

شدة حقيقية. تؤلمك. وتحتاج منك سعيًا. لكنها لا تملك أن تشرح لك من هو الله، ولا أن تحكم على بقية عمرك.

البدء بالله ليس هروبًا من الواقع

لا تطوِ كشف الحساب وتترك الدَّين. ولا تهمل العلاج لأن الله هو الشافي. ولا تجلس عن العمل لأن الله هو الرزاق. ولا ترفض التخطيط لأن التدبير لله.

الإيمان لا يلغي السبب.

إنه يمنع السبب من أن يصبح إلهًا صغيرًا في القلب.

تأخذ بالأسباب لأن الله أمرك بالسعي. تراجع الطبيب. تبحث عن عمل. تطلب المشورة. ترتب التزاماتك. تصلح ما أفسدت. وتطرق الأبواب المشروعة.

لكن قلبك يعرف أن السبب لا يخلق النتيجة.

فإذا تحرك، شكرت الله. وإذا تعطل، لم يتعطل يقينك. وإذا سقط من يدك، لم يسقط الله من قلبك.

أعطِ الله الكلمة الأولى

في المرة القادمة التي تستيقظ فيها الشدة قبلك، لا تسمح لها أن تبدأ الحديث وحدها.

قبل أن تفتح الهاتف. قبل أن تراجع الحساب. قبل أن تعيد السيناريوهات.

قف لحظة، وقل:

ربي هو القدير، وهذه قدرتي المحدودة.

ربي هو العليم، وهذا مقدار ما أعرفه.

ربي هو الحكيم، وأنا لا أرى إلا اللحظة التي أقف عندها.

ربي هو الرزاق، وهذا الباب واحد من أسبابه.

ربي هو الرحيم، وهذا الألم لا يمنحني أن أنفي رحمته.

ثم انظر إلى الواقع. لا تنكره. ولا تجمّله. سمِّ المشكلة كما هي. لكن لا تضف إليها ما ليس فيها.

قل:

هذا الباب مغلق.

ولا تقل: الطريق كله انتهى.

قل:

أنا لا أرى المخرج.

ولا تقل: لا يوجد مخرج.

قل:

أنا عاجز.

ولا تجعل عجزك تعريفًا لقدرة الله.

ثم اسأل:

ما الذي يطلبه الله مني الآن؟

قد يكون اتصالًا.

أو علاجًا.

أو طلبًا جديدًا ترسله.

علامة الذاكرة

وفي المرة القادمة التي تنزل بك فيها شدة، راقب السطر الأول.

لا تسمح للخوف أن يكتب:

«لا مخرج».

اكتب الحقيقة التي تعرفها:

الله قدير، وأنا عاجز.

الله عليم، وأنا لا أعلم.

الله حكيم، وأنا لا أرى إلا هذه اللحظة.

ثم اكتب الواقعة كما هي:

هذا الباب مغلق الآن.

هذا المال لا يكفي الآن.

هذا الأمر يؤلمني الآن.

لا تضف إلى كلمة «الآن» حكمًا على بقية العمر.

وافعل ما تستطيع في يومك.

اتصالًا.

طلبًا.

علاجًا.

خطوةً مشروعة.

أو صبرًا يمنعك من باب محرّم عرضه عليك اليأس.

ثم اترك ما لا تملكه لمن لا يعجزه شيء.

لا تجعل معرفتك بالله هامشًا على صفحة كتبها الخوف.

لسنا نعلم ماذا سيختار الله لك.

ولا متى يتغير الواقع.

ولا بأي طريق يأتي ما كُتب.

لكننا نعلم من هو الله.

وهذه المعرفة لا تكشف لك الغيب، لكنها تمنع لحظة مؤلمة من أن تصبح أكبر حقيقة في قلبك.

فلا تكتب الشدة في العنوان، ثم تبحث لله عن موضع في الهامش.

ابدأ بالله.

ثم اكتب ما أصابك في حجمه الصحيح.

اللهم عرّفنا بك معرفة تصلح قلوبنا ونظرنا، ولا تجعل ضيق واقعنا يحجب عنا سعة قدرتك ورحمتك، ولا تجعل خوفنا يكتب عنك ما لم تقله، وارزقنا يقينًا لا يعطل الأسباب، وسعيًا لا ينسينا المسبّب، وأدبًا يمنعنا من الحكم على تدبيرك بعلمنا القليل.

واجعل معرفتنا بك عنوانًا…

وكل ما يؤلمنا بعد ذلك سطرًا عابرًا.

تعليقات

عدد التعليقات : 0